زراعة الحشيشة، التي تمنعها السلطة ويرعاها بعض السلطويين في المناطق المُهمّشة في البقاع الشمالي، كانت تمثّل لدى المزارع في جرود البقاع الشمالي الغربي، قبل الحرب الخارجية - الداخلية، المحصول المُربح بالمقارنة مع الكثير من المحاصيل الحقلية والشجرية الأخرى، المُعرّضة للمخاطر المناخية التي يفرضها رأس المال التجاري شبه الاحتكاري، سواء على صعيد التجهيز بعناصر الإنتاج أو على صعيد تصريفه. لذلك يلجأ المزارع إلى الزراعة الممنوعة غير المُكلفة، مكتفياً بالدفاع عنها في الجرود، ومراهناً على حمية العشيرة، وعلى تعهّدات تجّارها لضمان تصريفها، إذ يلتزم هؤلاء التجّار أحياناً كثيرة بتسليف المزارع على الموسم، وهم أقوياء في السلطة المحلّية كما يمكنهم الوصول إلى الأسواق البعيدة.

لقد غابت الحكومة عن محيطات جرود البقاع الشمالي الغربي، ولم تطبّق روزنامتها الزراعية على الحدود والمعابر، التي تُبرمج مواقيت السماح بدخول المنتجات الخارجية المنافسة للمواسم اللبنانية الزراعية بهدف حمايتها. لقد شجّع ذلك الاستيراد الإغراقي لهذه المواسم، ليس إلى الأسواق اللبنانية وحسب بل في أسواق تصديرها التقليدية في الخليج. اضطر المزارعون المتوسّطون كما الصغار في تلك الجرود، وعلى اختلاف فئات حيازاتهم، لزراعة مساحات من الممنوعات (حشيشة أو أفيون)، بقى في حدود 30 إلى 150 دونماً مروياً، وفي حدود 100 إلى 300 دونم بعلي، وغالباً ما يُضمّن خضيرها في الحقل.
شجع التحوّل إلى زراعة الحشيشة، أن إنتاج الدونم الواحد، بما في ذلك تصنيعه، لا يحتاج لأكثر من 9 أيام عمل في مقابل 27 يوم عمل لدونم البندورة (مثلاً)، وأن متوسّط تكلفة زراعة الدونم من الحشيشة، الأيسر تصريفاً، يقارب نصف أكلاف زراعات البندورة والفاصوليا والبصل، ويقارب 30 %(1) من كلفة زراعة دونم واحد من البطاطا. وهي خضار معرّضة أيضاً لإمكانية استيرادها وتجاوز التدابير الجمركية المُصمّمة لحمايتها بمقتضى الروزنامة الزراعية.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

في دراسة ميدانية شملت 21 قرية، أجريناها خلال صيف عام 1992 بتكليف من الجامعة الأميركية في بيروت لمصلحة منظّمات دولية، تبيّن لنا أن عملية التلف الشاملة لحقول الحشيشة كانت تطاول حيازة المزارع، الذي يلجأ إلى هذه الزراعة كملاذ أخير كلّما كانت محاصيله الأخرى مُهدّدة بالكساد والعجز. ولكن عملية «التلف» لا تطاول التاجر المهرِّب، ولا المصنِّع القادر في حال توسّع عملية التلف على جلب المخدّرات الخامّ عبر الطرق الصعبة، ليُصنّعها في لبنان ويُعيد تصديرها، مستفيداً من ثغرات يطمئن لها في الوضعين السياسي والأمني.
على رغم إغراءات انخفاض أكلاف الزراعة والتصنيع العائليين للحشيشة، وغياب المنع الحكومي، ظلّت مساحات زرعها، في الحيازات المتوسّطة كما في الصغيرة، محدودة كما سنرى لاحقاً، وتحكمها محدودية طلب تجارها الذين يضمنون تهريبها وتسويقها.
بعد عام 1991، أي بعد توقّف الحرب وعودة السلطات والإدارات لممارسة إتلاف المخدّرات، تراجعت مساحة الحشيشة إلى ثلث ما بلغته خلال الحرب، إذ قدّرت بنحو 5824 دونماً، زُرعت في قرى العيّنة المدروسة في 21 قرية، وقد زُرع 60% منها في بلدة دير الأحمر. الجدير بالإشارة أن القسم الشرقي من سهل البقاع الشمالي وسفوحه في منطقة بعلبك الهرمل لم يلاق ميولاً إلى زراعة الحشيشة، على رغم ارتفاع معدّلات الفقر فيه (الخضر، سرعين، النبي شيت، بريتال وصولاً إلى الفاكهة والعين وعرسال). وقد أمكننا تفسير ذلك بالروادع الدينية والأصولية بعد توسّع حضور حزب الله. وقد عوّضت هذه القرى عن زراعة الحشيشة بالتحوّل إلى أعمال التهريب من وإلى سوريا. تجدر الإشارة أيضاً، أن زراعة الحشيشة تأخّر وصولها إلى البقاع الأوسط والغربي، على رغم توافر شروط الخصوبة والريّ في سهولهما، وهذا ما جعل كبار المزارعين والملّاكين وضامني الأراضي، ولأسباب اقتصادية ودينية وخارج الإطار العشائري، يشعرون أنهم بغنى عن مواجهة سلطات منعها وإتلافها، أو مواجهة الحرج الديني الأهلي والمحلّي. لم يتحوّل هؤلاء إلى الزراعات الممنوعة، لأن مردود زراعة دونم واحد من الزراعات الترسملية كالخضار والعنب والفاكهة بقي منافساً، ولا سيّما الزراعات التي كان قطاع تبريدها وتسويقها ونقلها إلى بلدان الخليج مزدهراً. يُضاف إلى ذلك أن البقاع الأوسط والغربي يفتقد البيئة العشائرية الجردية المتكافلة التي تؤمن حماية المنحدرات من حملات إتلاف حقولها. إلّا أن بعض الملّاكين الكبار في قرى الفاعور والدلهمية وتربل وبرّ الياس والفرزل في سهل البقاع الأوسط، عمدوا بعد تراجع فرص تصديرهم للفاكهة والخضار من هذه المنطقة بفعل ظروف الحرب والاحتلال الإسرائيلي عام 1982، إلى استثمار أملاكهم من بعيد موكلين أمر تشغيلها إلى عشائر البدو الرُحّل التي استقرّت في الزراعة على جانبي طريق الشام. في تلك الفترة، استهون جنود الاحتلال الحصول على المخدّرات وحملوها معهم وعلى دبّاباتهم إلى داخل إسرائيل.
مع توسّع حركة الزرع والجني والنقل خلال الحرب في طول البقاع وعرضه، وبسبب محدودية الري الذي تحتاجه الحشيشة بالمقارنة مع المواسم الصيفية الأخرى كالخضار، وبسبب سهولة فلح وزرع وجني هذه الزراعة، لاحظنا إقبال المزارعين على مصادر الريّ حيثما توافرت، ولا ننسى أن تزايد الطلب على الري شجّع الكثير من أثرياء المخدّرات وغيرهم على فتح الآبار الارتوازية وبيع المياه، وهذا ما لوحظ خصوصاً في غرب بعلبك وشمالها وصولاً إلى سهل القاع، الذي أقيم فيه ما يزيد على 100 مشروع زراعي، يرويها نحو 130 بئراً ارتوازياً(2). وهكذا بلغ توسّع زراعة الممنوعات خلال النصف الثاني من الثمانينيات وحتى مطلع التسعينيات ليشمل 5200 أسرة من أصل 6.500 أسرة حائزة للمساحات الزراعية، تزرع 5824 هكتاراً في مختلف فئات الحيازات مقابل زراعة 3107 هكتارات من الأفيون.
إن زراعة المخدّرات وفّرت خلال الثمانينيات عائدات كبيرة، ما مكّن كبار تجّارها ومهرّبيها المتنوّرين من تجهيز المشروعات الزراعية، معتمدين على غزارة العروض الغنية التجارية التي توفرها الشركات الزراعية، وهم في غالبيتهم غير مؤهّلين للتقيّد بالشروط العلمية وبعقود المتابعات الإرشادية، في غياب الأطر التعاونية وعقود التأمين على المواسم الزراعية. وقد لوحظ أن هذه التغيّرات في التشجير خصوصاً تكاثرت لدى الملّاكين من الأغنياء الجدد.

* أستاذ جامعي، وباحث اجتماعي
لماذا تخلّت الحكومة عن دعم الزراعات المشروعة وتحصر اهتمامها بإدارة الزراعات الممنوعة؟

ورد في دراسة بعثة إيرفد (1961) أن القوى العاملة في مجمل المناطق اللبنانية كانت تتوزّع في أواخر الخمسينيات بين 49% في الزراعة وملحقاتها التجهيزية والتسويقية والتمويلية، و20% في الصناعة والبناء، و31% في بقية القطاعات الخدماتية(3).
كانت الزراعة تستوعب عام 1959 أصحاب دخل أساسي تبلغ نسبتهم 48.9%، وأصحاب دخل إضافي بنسبة 6%، فشكّل مجموعهم حينذاك 55% من إجمالي حجم القوى العاملة البالغ 800 ألف نسمة، يساهمون في القطاع الزراعي بنحو 15% من إجمالي الناتج الوطني(4).
مستويات العيش كانت متفاوتة بين المناطق: فكان يُلاحظ أن نسبة القرى والبلدات المُصنّفة قليلة النموّ تمثّل 5% في جبل لبنان الأوسط (جبل لبنان وزحلة) مقابل 39% في الشمال، و30% في الجنوب. وأن نسبة القرى والبلدات المُجتزئة النموّ كانت تمثّل 31% في الشمال، و70% في الجنوب، و41% في البقاع. وعلى خريطة النموّ والتهميش هذه كان نموذج القرى والبلدات التي تشهد نموّاً متقدّماً في جبل لبنان وزحلة تشكّل ما نسبته 25% مقابل 12% في البقاع ولا وجود لمثل هذا النموذج إلّا نادراً في محافظتي الجنوب والشمال.
وعلى رغم كلّ هذه التفاوتات بين المحافظات، ظلّت الزراعة تشكّل قطاعاً مهمّاً في جبل لبنان وزحلة، حيث لوحظ أن 14 من أصل 16 من المعايير التقنية للاهتمام بالزراعة كانت في الجنوب والشمال والشرق لا تساوي أكثر من 40 إلى 60% من معايير الاهتمام نفسها في زراعتي جبل لبنان وزحلة.
هذه الخريطة، التي كانت قد استقرّت عليها الأوضاع الزراعية حتى نهاية الخمسينيات في لبنان الأوسط كما في البقاع والجنوب، بدأت منذ مطلع الستينيات تتأثّر بتغيّر توجّهات الإدارة اللبنانية والإنماء الشهابي وبالأوضاع السياسية والأسواق الإقليمية. تزامن ذلك مع التوتر الأمني في أقضية الجنوب المحاذية للحدود مع فلسطين المحتلّة، وتزامن أيضاً مع تركّز الاقتصاد اللبناني في بيروت الكبرى، وما استتبعه من توسّع فرص التوظيف في الإدارة الحكومية وافتتاح الكلّيات الأولى في الجامعة اللبنانية. وساهم توسّع الطلب في بلدان الخليج على عمالة البناء والإدارة في زيادة ميول نزوح ريفيي الأقضية الحدودية، فأدّت هذه التغيّرات المتراكمة إلى التحوّل عن الزراعة والنزوح إلى العاصمة وضواحيها. وهذا ما خفّض حجم السكّان في الأرياف من النصف عام 1959 إلى حوالى 39% عام 1970 فإلى حوالى 30% عام 1975. وترافق ذلك مع توسّع اعتماد سياسات الباب المفتوح على الواردات الزراعية المنافسة للمنتجات اللبنانية، بفضل الدعم الذي تتلقّاه من حكومات بلدان المنشأ. هذا الدعم مكّنها من منافسة المنتجات اللبنانية المعرّضة داخلياً لكل أنواع احتكارات التجهيز والتسويق والتبريد ومحدودية التصنيع.
منذ أوائل السبعينيات، بدأ يغلب على انتماءات النخب والفعاليات، «مصالح طوائفها ومناطقها»، وبدأت تنتفي لدى غالبية النخب إمكانات الالتزام السياسي والإداري بسياسات اقتصادية ذات هواجس وطنية طموحة، تشمل مجمل القطاعات في البلاد، فأصبحت زراعة التبغ همّاً جنوبياً، والعنب همّاً لأهالي البقاع الأوسط ممّن لا رابط بين مصالحهم ومصالح أصحاب بساتين الحمضيات على ساحل الجنوب، ولا بينهم وبين مزارعي التفّاح في جبل لبنان.
ومع توسّع نزوح الجنوبيين عن الزراعة بين الخمسينيات والستينيات، وإقلاعهم عن زراعة التبغ بفعل الحرب وتراجع قدرات إدارة حصر التبغ عن استلام المحاصيل وارتفاع الأجور في العمل الزراعي، شهدت زراعة التبغ ظاهرة يغلب فيها انتقال ملكيّة الرخص إلى المساحات الصغيرة والمتوسّطة. وباتت زراعة التبغ في الكثير من القرى هي الزراعة الحقلية الأولى للأُسر الكبيرة وأطفالها. تراوحت المساحات المرخّصة غالباً في حدود 5 دونمات لدى من تبقّى من العائلات غير النازحة. تنشغل كلّياً بما يُقارب 120 يوم عمل طويلاً. وهذا ما يضطرها أحياناً كثيرة للتخلّي عن حظائر الطروش، إذ اضطر الكثير من مربّوها إلى التحوّل عنها والاكتفاء بما يوفّره لها الاستيراد الإغراقي في الأسواق من مستوردات اللحوم والحليب ومشتقّاته.
التدخّلات الحكومية الجزئية، المتمثّلة منذ ستينيات العهد الشهابي، بتدخّلات مكتب الإنتاج الحيواني والتدخّلات الإرشادية لمصلحة الإنعاش الاجتماعي وبرامج الإقراض التشجيعي للمشروع الأخضر ومكتب الحرير، لم تنفع في مواجهة انفلات الاستيراد الإغراقي للمنتجات النباتية والحيوانية المعطّل للمؤسّسات الداعمة للإنتاج الزراعي. وكان الدليل الأبلغ على تواصل تدهور الإنتاج الزراعي العائلي، تخلّي الحكومات اللبنانية، التي أعقبت العهد الشهابي بعد عام 1964، عن مشروع الخطّة الإنمائية التي وضعتها بعثة إيرفد، المستندة إلى أكثر الدراسات الاقتصادية الاجتماعية التي عرفها لبنان ماضياً وحاضراً.
في الحصيلة، توسّع إغراق الموارد الزراعية في الحيازات العائلية في لبنان الأوسط كما في البقاع الشمالي وفي محافظتي الجنوب والشمال، وتراجعت الحماية الجمركية لإنتاجات هذه الحيازات، بما سمح بمنافستها الإغراقية، وتمّ فرض التحوّل عن الزراعة الحقلية والإنتاج الحيواني وإنتاج الفاكهة والنزوح باتجاه العاصمة. وفي المقابل، لم تتوقّف الحكومات اللبنانية المتعاقبة عن الدعم غير الذكي وغير المنضبط لكبار المالكين في السهول المروية، من خلال ضمان التزامها الآلي بشراء محاصيلهم من القمح والشمندر السكري. وأبقت الحكومات على التزامها الموروث منذ ثلاثينيات الانتداب الفرنسي، المتمثّل بتنظيم حصرية زراعة التبغ وشراء محاصيل مساحاتها المرخّصة عبر إدارة ما يُسمى «إدارة حصر التبغ والتنباك» أو الريجي.
تتولّى إدارة الريجي ضبط التقيّد بالمساحات المرخّصة ونوع التبغ الذي تتسلّمه من المزارعين، فتصنع منه 40% وتُصدّر النسبة الباقية لتلبية ما تطلبه الشركات الغربية المتعاقدة معها في مقابل دخول وتسويق سجائرها في لبنان، وبما يمكّنها هي أيضاً، ومن ضمن هذا التعاقد التبادلي، أن توفّر من أكلاف تصنيع سجائرها في لبنان. وحرصاً على استمرار العلاقات التجارية مع تلك الشركات، تلتزم الريجي اللبنانية بتوفير خدمات الإرشاد الزراعي وتطوير التقنيات وتحضير المحصول وتسلّمه من نحو 25 ألف عائلة، شرط تقيّدها بالإرشادات التي تضمن حُسن نوعية المحصول. يُسعّر هذا المحصول مبدئياً وفق معايير جودته، ولا يخلو بحكم الضرورة من مراعاة المواقع النافذة والولاءات المحلّية في حوالى 170 قرية جنوبية.
في العودة إلى ضوابط إدارة الريجي لهذه الزراعة، لا يعود المزارع حرّاً مستقلاً في السوق، ولو شكلياً، فهو في الوقع مأجور فعلياً لدى الريجي، لا يملك حقّ مخالفة تعليمات خبرائها في الزرع والقطف والتوضيب، ولا مناص له من تقبّل توجيهاتهم و تقديراتهم وإحكامهم في ما ستكون عليه زراعته وحدود دخله من مساحته العائلية، لا سيّما أنه لا مجال لتسويق وتسعير محصوله إلّا عن طريقهم، وإلاّ تعرض لإلغاء الرخصة.
إذا اعتبرنا أن التزام الريجي أمام المزارع بضمان تسويق محصوله من التبغ إنجاز بحدّ ذاته، في الوقت الذي لا ضمان في السوق اللبنانية لأي محصول آخر من الكساد والإغراق الاستيرادي، إلّا أن هذا الإنجاز لا يقترن (مثلاً) بضمان صاحب الرخصة صحياً ولا بضمان تقاعده عبر إخضاعه إلى قانون الضمان الاجتماعي. وهذا يطرح سؤالاً لا بدّ منه: هل ستكون إدارة الدولة للحشيشة مشابهة لإدارتها زراعة التبغ؟ هل النموذج المطروح هو النموذج نفسه الذي يحوّل مزارع الحشيشة إلى عامل مأجور بلا حماية اجتماعية؟

المراجع
(1) أحمد بعلبكي، «محاولات في التنمية الريفية والمجتمع المحلّي في لبنان - المخدّرات والتنمية المحلّية»، منشورات دار الفارابي، 1994، جدول رقم 14، ص. 136.
(2) المرجع السابق، ص. 133.
(3) Rapport IRFED, Tome | , pp. 55 - 57, tableau 10
(4) même source , Tome | | , p.1, p.77, tableau 7