أنتهز هذه المناسبة لأقدم كتابي للقراء، من خلال التوسّع في شرح المنطلقات النظرية وملابسات اعتمادها. وسوف أستعرض هذه المنطلقات من خلال الإضاءة على 3 تيارات فكرية، هي: تيار المؤسساتية المقارنة (comparative institutional approach)، وتيار البنيوية الجديدة (new structuralism)، وتيار الما-بعد كينزية (post-keynesianism)، والإضاءة على الشخصيات الفكرية الممثِّلة لهذه التيارات، والإضاءة على 3 أهداف في عملية بناء مستقبل سورية الاقتصادي، هي: التصنيع المتأخّر، ودور الإدارة العامة في التصنيع المتأخّر، والما-بعد كينزية كبديل نظري نتصدى به للمؤسسات الدولية.


أولاً: التيارات الفكرية

◄ تيار المؤسساتية المقارنة
كان يمكن أن أستخدم تعبير «الاقتصاد السياسي المقارن» بدلاً من «المؤسساتية المقارنة». لكن تعبير المؤسساتية طغى في كل العلوم الاجتماعية منذ التسعينيات ونحّى التسميات الأخرى. نعني بالمؤسساتية المقارنة المقاربة التي تدرس الدولة كمؤسسة وتدرس دورها في التحويل الصناعي وفق منهجية مقارَنة وتاريخية (historical and comparative perspective). وهذا التيار (وفقاً لتعريف بيتر إيفانز، الباحث الكبير في جامعة باركلي، في كتابه «الدولة والتحويل الاقتصادي» الصادر عام 1995)، تصدى للنفعيين الجدد (new utilitarianism) وسفّه مقولاتهم حول دور الدولة في التنمية؛ وعرّف دور الدولة في التحويل الصناعي في البلدان التي تحقّق فيها هذا التحويل؛ وأوضح الشروط التي ينبغي أن تتوافر عليها الدولة لتحقيق هذا الإنجاز.
كان تيار النفعية الجديدة «قد شيطن» (demonization) الدولة ودورها في التنمية. قال النفعيون الجدد أن الدولة تكون مأهولة في كل زمان ومكان بـ «باحثين عن ريوع» (rent seeking)، وأنه لا يمكن التعويل عليها في التنمية. قدّم النفعيون الجدد الأسس الفكرية التي اعتمدتها النيو-ليبرالية لهدم العالم على رؤوس قاطنيه.


قدم إيفانز، كممثل لتيار المؤسساتية المقارنة، مطالعة استندت إلى أعمال ماكس فيبر وكارل بولانيي وألكسندر غرشنكرون وألبرت أوتو هيرشمان لفهم الدور الذي لعبته الدولة في البلدان التي أنجزت عملية التحويل الصناعي فيها منذ التاسع عشر. اهتم بولانيي بالسياسات واهتم فيبر بدور الإدارة العامة واهتم غرشنكرون وهيرشمان بعلاقة الدولة مع النخب الاستثمارية. اختصر إيفانز دور الدولة بواسطة مفهوم «علاقة الدولة بالمجتمع» (state-society relation). قصد بالمجتمع النخب الاستثمارية حصراً. عرّف دور الدولة بتعابير هيرشمان بأنه رمى إلى «تعظيم قدرة النخب الاستثمارية على اتخاذ القرار الاستثماري» (إيفانز، 1995).
لماذا نجحت الدولة في إنجاز عملية التحويل الصناعي في بعض البلدان وفشلت في غالبية بلدان العالم؟ جاء كتاب إيفانز لعام 1995 تنفيذاً لأجندة بحثية وُضِعت عام 1985. كانت مجموعة من الباحثين الأميركيين قد تصدّت في مطلع الثمانينيات لعملية انفصال الاختصاصات الأكاديمية التي تعنى بدور الدولة والإدارة العامة في التنمية، وهي العلوم السياسية والإدارة العامة وتحليل السياسات العامة، وتصدت للامتناع عن دراسة الدولة الذي كان القاعدة في الولايات المتحدة (بيزاس و بيارّو، 2009). مثّلت الأجندة البحثية نقيضاً لهذا المسار، وعبّرت عن نفسها في الكتاب الشهير الذي صدر في ذلك العام تحت عنوان: «استعادة الدولة كموضوع للتحليل» (إيفانز وآخرون، 1985). مثّل هذا الكتاب مانيفستو فكرياً لتيار المؤسساتية الجديدة أو المؤسساتية المقارنة. ركّزت الباحثة تيدا سكوكبول في تقديمها للكتاب على نقطتين أساسيتين في دراسة الدولة المعنية بتحقيق التحويل الصناعي، هما استقلالية هذه الأخيرة (autonomy) وقدرتها على الفعل (capacity) (سكوكبول، 1985). استعرضت جملة من الأبحاث الرائعة التي أظهرت حضور هذين الشرطين في البلدان التي أنجزت التحويل الصناعي فيها.
أخذ إيفانز كباحث في المجموعة ذاتها على عاتقه دراسة استقلالية الدولة وفعاليتها وشروطهما في بلدان آسيا التي نجحت في إنجاز التحويل الصناعي، وهي اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان. بيّن في نصوص صدرت بدءاً من 1987 حضور هذين العنصرين في تجربة كل من البلدان الثلاثة (إيفانز، 1992).
وقد استخدمتُ كتاب إيفانز لعام 1995 ونصوصاً أخرى له لتعريف النيو-ليبرالية في الفصل الأول من الكتاب، ولعرض السجال بين تياري النفعية الجديدة والمؤسساتية المقارنة في الفصل السادس منه بعنوان «الإدارة العامة كشرط للتنمية»، ولعرض النقاش النظري حول دور الدولة في اكتساب المقدرة التكنولوجية في الفصل الثالث منه بعنوان «التحول إلى دولة صناعية: تجربة إيران نموذجاً»، وللتشديد على دور الدولة في ميدان الاستثمار، من خلال المقارنة بين مفهومي «تأميم الاستثمار» عند كينز و«تأميم مخاطر الاستثمار» كما أظهرته التجربة الآسيوية، وذلك في الفصل السابع والأخير من الكتاب بعنوان «فكر كينز مصدراً لبرنامج وطني للإصلاح: حالة سورية».

◄ تيار البنيوية الجديدة
أخذت التسمية عن الباحث الكبير في العلاقات الدولية والاختصاصي الأول في الشأن السوري، الإسكوتلندي ريموند هينبوش. ولقد رأى هينبوش أن البنيوية بصيغتها الماركسية القديمة التي تضع اللوم على الخارج حصراً، غير كافية لتفسير التبعية ولقراءة التراتبية الدولية تحت سلطة «دولة مسيطرة» (hegemon). قال إنه يقتضي الأخذ في الاعتبار دور النخب المحلية في تسويغ وجود دول مستزلَمة للولايات المتحدة كدولة مسيطرة، وخاضعة للهيمنة الجماعية التي يمارسها الغرب (هينبوش، 2011). وقد سألني أحد الحضور بعد محاضرة لي في بيروت قبل سنوات معدودة عن مسألة التبعية. شعرت بالذنب والتقصير لأني لم أكن متنبهاً ما فيه الكفاية إلى دور التبعية في رسم صورة ماضينا وحاضرنا كعرب.
كنت قد قررت أن لا أهتم بما يكتبه هينبوش لأني لم أكن أفهم ماذا يريد أن يثبت، إلى أن وقعت بالصدفة على سلسلة مقالاته المنشورة بعد 2006، خصوصاً حول العراق. أهم تلك النصوص صدرت عام 2011 تحت عنوان «الشرق الأوسط ضمن التراتبية الدولية: الإمبريالية والمقاومة». هذا النص هو بمثابة مانيفستو قومي عربي. وكنت لا أنفك أقول للصديق الحبيب الدكتور منير الحمش أن هينبوش هو أول وأهم مفكر قومي عربي في مرحلتنا الحاضرة. ولقد استعرضت بشيء من التفصيل تعريف هينبوش للبنيوية المحدثة في نص لي صدر عام 2014 (داغر، 2014 ). وعدت إليها باختصار في هذا الكتاب.
صالحني هينبوش مع الكتابات الماركسية التي كنت قد تركتها قبل سنوات طويلة. واستخدمت تعريفه للعولمة وتحقيبه لعلاقة الغرب بالدول النامية والعربية منذ القرن التاسع عشر في الفصل الثاني من الكتاب بعنوان: «مواجهة العولمة النيو-ليبرالية كشرط للتنمية العربية». كما استخدمت بعض نصوصه حول سورية في هذا الفصل بالذات، خصوصاً تعريفه للدولة في سورية قبل 1958 وبعدها. والعبرة من كل هذا أن الكتابات المصنّفة في خانة البنيوية المحدثة لا بد منها لفهم واقعنا العربي، وفهم الخضوع للسيطرة واللاتكافؤ اللذين يسمان علاقتنا كعرب بالعالم المعاصر.

◄ تيار الما - بعد كينزية
أعاد الباحثون الما-بعد كينزيون منذ مطلع الثمانينيات الاعتبار لكينز الحقيقي من خلال شرح وتفسير نتاجه والبناء في ما يقترحون على هذا النتاج. وهو أراد إصلاح النظام الرأسمالي من داخله بدءاً من نقطة انطلاق جوهرية، هي التمييز بين «رأسمالية أصحاب الريوع المالية» أو الرأسمالية الريعية وبين «رأسمالية أصحاب المشاريع» أو الرأسمالية الصناعية. وقف ضد الأولى ودعا إلى موتها، ووضع على عاتق الدولة مسؤولية التحوّل إلى «المستثمر الأول» في حال استنكف أصحاب المشاريع من القطاع الخاص، المتحوّلون هم أنفسهم إلى «أصحاب ريوع مالية» (financial rentiers)، عن الاستثمار المنتج. اقترح «تأميم الاستثمار» أي تولي الدولة ثلاثة أرباعه (investment socialization). وأخذَت بقوله حرفياً قوتان عظميان في مطلع حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية هما انكلترا وفرنسا، وذلك من خلال تأميم الصناعات الأساسية وتأميم المصارف.
لم يكتب كينز حرفاً واحداً عن البلدان النامية ولا اهتم بموضوع التنمية كموضوع على حدة. لكن سجالاته في شأن أسبقية الاستثمار على الادخار، وعدم إمكان التعويل على القطاع الخاص لتحقيق النمو والعمالة الكاملة، ومسؤولية الدولة في أن تكون «المستثمر الأول»، أمور جعلت منه أهم منافح عن دور الدولة في الاقتصاد. ولقد عالج الما-بعد كينزيون مسائل السياسات النقدية وسياسات الإنفاق العام وقرأوا تجربة النيو-ليبرالية منذ 1980، بما يجعلهم الفصيل الوحيد القادر على وضع سياسات اقتصادية بديلة تُخرج العالم الغربي والعالم برمته من سيطرة الرأسمالية الريعية وتحقق العمالة الكاملة والنمو.
ولقد عرضت في الفصل الأخير من الكتاب الأساسيات في فكر كينز وربطت بين مفهوم «تأميم الاستثمار» عنده و«تأميم مخاطر الاستثمار» عند هيرشمان الذي عبّرت عنه التجربة الآسيوية برمتها. وطالبت النخب السورية والعربية بعدم الخضوع لإملاءات المؤسسات الدولية، وقلت بأن كينز والما-بعد كينزيين يوفرون زاداً فكرياً يتيح التصدي لخبراء هذه المؤسسات ويفنّد آراءهم ويظهر الطابع الأيديولوجي لمواقفهم ويوفر أدوات مفهومية تتيح بلورة سياسات بديلة ومعاكسة للتي يقترحونها.
ثانياً: تعيين أهداف التنمية في سورية
نبني مستقبل سورية الاقتصادي برأيي من خلال متابعة هدف واحد وحيد هو «التصنيع المتأخّر»، ومن خلال بناء الإدارة الحكومية القادرة على متابعة هذا الهدف، ومن خلال التصدي لإملاءات المؤسسات الدولية. وهو ما تحرّضنا عليه الأدبيات الكينزية والما-بعد كينزية.

◄ التصنيع المتأخر
أطلق غرشنكون صفة «التصنيع المتأخّر» على كل التجارب التي جاءت بعد تجربة انكلترا، خصوصاً في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. واعتمد هيرشمان التعبير ذاته لوصف حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ثم اعتمدت أليس أمسدن هذا التعبير لوصف كل التجارب الناجحة في الخروج من التخلّف والتحوّل إلى دول صناعية كالتي حصلت في آسيا، خصوصاً في كوريا الجنوبية وتايوان. و«التصنيع المتأخّر» هو باختصار شديد المقدرة على إنتاج السلع الترسملية أو الآلات أو الماكينات. ليس بتجميعها من دون أية قيمة مضافة، بل بإعادة «فبركتها» من جديد وتسويقها كسلع أصيلة في الأسواق الدولية. هذا الامتحان هو الذي رسبت فيه كل البلدان النامية بمن فيها البلدان العربية. وهي التي شهدت حقبات تصنيع توقفت قبل أن تلج مرحلة إنتاج الآلات.
أفضل وصف لتجربة «استبدال الواردات» العربية وغير العربية بما هي فشل في تحقيق «التصنيع المتأخّر» كمقدرة على إنتاج الآلات، هو النص الرائع الذي نشره البريطاني هنري بريتون عام 1998 خاتماً به عمراً مهنياً كاملاً في دراسة تجارب التنمية (بريتون، 1998). وقد عدت إلى كتابات بريتون في كل فصل تقريباً من فصول الكتاب، خصوصاً في الفصل الثاني بعنوان «مواجهة العولمة النيو-ليبرالية كشرط للتنمية العربية» حيث شرحت تجربة «استبدال الواردات» واقترحت البديل التنموي عن ذلك الذي يسوّقه «توافق واشنطن». هذا البديل يقوم على اكتساب المقدرة التكنولوجية وبناء الإدارة العامة بما يناقض ما تقترحه المؤسسات الدولية.
ولقد استعرضت عناصر السياسة الاقتصادية الآيلة إلى تحقيق «التصنيع المتأخّر»، أي السياسة التجارية وسياسة التمويل والسياسة التكنولوجية وبناء الإدارة العامة، في الفصل الأول من الكتاب. واستخدمت في ذلك إسهامات بريتون واختصاصيي الدولة التنموية الآسيوية، أي إيفانز وأمسدن وواد بالإضافة إلى ها-جون شانغ الذي أدين له بفهم السياسات الصناعية الانتقائية (selective). وهي تمثّل نقيض ما يسوّقه البنك الدولي في ميدان رعاية الصناعة. واستخدمت نصوص شانغ وإيفانز وبريتون في الفصل الخامس الذي كان تقريري عن حال الأمة العربية في 2016-2017 لعرض البديل عن مقترحات المؤسسات الدولية في شأن التصدي للبطالة العربية التي سوف تتفاقم إلى أبعد حد في السنين المقبلة. واستخدمت هذه النصوص في فهم تجربة «التصنيع المتأخّر» التي حصلت ونجحت في إيران في الفصلين الثالث والرابع من الكتاب. والتجربة الإيرانية تجربة أصيلة في الخروج من التخلّف والتحوّل إلى دولة صناعية جاءت نسخة طبق الأصل عما حصل في الدول التنموية الشمال-شرق آسيوية. ولقد قرّرت إيران بعد 1988 إنتاج سيارة وطنية بـ «محتوى محلي» حقيقي وليس بتجميع قطع الغيار المستوردة. قالت للمنتجين الذين كلّفتهم إنتاج قطع الغيار وهم آنذاك 800 منشأة أنها ستشتري منهم منتجهم إذا كان مستوفياً للمواصفات المطلوبة. أطلقت بذلك طاقاتهم الإنتاجية وأشرعت سيرورة «تصنيع متأخّر» في إيران.

◄ دور الإدارة العامة
من أين تأتي قدرة الدولة على الفعل؟ هذا هو السؤال الذي طرحه المؤسساتيون على أنفسهم منذ كتاب 1985. تأتي قدرة الدولة على الفعل من استقلاليتها ومن طبيعة الإدارة الحكومية التي تتوافر عليها. قال إيفانز وريشماير أنه ينبغي الخروج من الطريقة الشائعة في وصف الدولة باعتبارها حلبة صراع، إلى ما هو أكثر فائدة، أي دراسة تكوين الإدارة العامة فيها (إيفانز وريشماير: 1985). كيف تكون الإدارة العامة فعّالة. هذا ما لا يمكن معرفته بالنسبة لهما إلا بالعودة إلى ماكس فيبر. نجح فيبر في تعيين مواصفات الإدارة الحكومية في البلدان الصناعية الغربية، إلى حد أن هذه الإدارة صارت تسمّى على اسمه، أي صارت تُعرف بـ «الإدارة الفيبرية».
اهتم إيفانز بعد 1985 بدراسة الإدارة الحكومية في بلدان تختلف عن بعضها في أنها نجحت أو لم تنجح في تحقيق التحويل الصناعي، أي «التصنيع المتأخّر». خلُص إلى إثبات أن وجود «فيبرية معزّزة» (reinforced veberianism) كصفة للإدارة العامة الآسيوية هو ما أعطى الدولة التنموية في هذه البلدان فعاليتها. تكون الإدارة فيبرية إذا قامت على قاعدة الاستحقاق، وطبّقت قاعدة المباريات الوطنية في تنسيب العاملين فيها، ووفرت لهؤلاء العاملين إمكان أن يمضوا عمرهم المهني في الوظيفة، أي ثبّتتهم. وتكون هناك «فيبرية معزّزة» إذا مارست السلطة السياسية ضغطاً إضافياً على الإدارة العامة من أجل مزيد من الفعالية. وهو ما تحقّق من خلال دور الجيش في كوريا ودور الكيومنتانغ في تايوان. هذا ما سمّاه إيفانز وريشماير «الأسس غير البيروقراطية للأداء البيروقراطي» (non-bureaucratic foundations of bureaucratic functioning).
كيف تبدّت استقلالية وفعالية الإدارة الحكومية في آسيا؟ تبدّت في أنها كانت عصيّة على الاستغلال من قبل الرأسماليين الأفراد الذين ساهمت هي نفسها في خلقهم. وهي كانت معنية بتحقيق هدف التحويل الصناعي الذي كان يراه كل واحد من أفرادها أنه إنجاز شخصي له، ويرى فيه تحقّقاً لطموحاته الشخصية. هذا ما كان يجعل كل واحد من الإداريين هؤلاء عصياً على محاولات شرائه أو رشوته.

◄ الما - بعد كينزية كفكر نتصدى به للمؤسسات الدولية
أهم الأساسيات في فكر كينز أن الطلب هو الذي يحدد النمو وأن الاستثمار هو الأهم بين عناصر الطلب. والأهم بين الأهم هو أن الاستثمار يسبق الادخار. أي أن الادخار يكون نتيجة الاستثمار وليس العكس. يكفي أن ندرك هذه الحقائق لتصبح كل الأدبيات النيو-كلاسيكية منذ ماك كينون في أواخر الستينيات حول إصلاح القطاع المالي كمدخل للتنمية من دون أية قيمة. انتقد النيو-كلاسيكيون من خلال مفهوم «القمع المالي» انخفاض أسعار الفائدة الذي تميّزت به تجربة «استبدال الواردات». لكن كينز اعتبر أن أفضل سعر فائدة ممكن هو الذي يساوي صفراً.
اقترح النيو-كلاسيكيون تحرير القطاع المالي أي خصخصة المصارف وإنشاء بورصات للأسهم والأوراق المالية والانفتاح الكامل على الخارج، أي تحرير حركة الرساميل، باعتبار أن كل ذلك يجعل الادخار العالمي يسهم في التنمية ويحقق النمو. وتصدّى الباحثون الما-بعد كينزيون لهم في اقتراح آليات لحماية البلدان النامية من عملية تحرير حركة الرساميل ذاتها. ذلك أنه يكفي إطلاق إشاعات ليستعجل المودعون الأجانب بإخراج رساميلهم من البلدان النامية والتسبب بأزمات مالية فادحة الكلفة لهذه البلدان. يجرى التحضير راهناً على قدم وساق لافتعال أزمة مالية في لبنان أي انهياراً لسعر صرف الليرة.
والإنفاق العام عند كينز هو عنصر أساسي من عناصر الطلب، في حين أنه «الـبعبع» عند النيو-كلاسيكيين. أصبح الإنفاق العام منذ تقرير البنك الدولي لعام 1981 عن أفريقيا المسمى تقرير برغ Berg، «الـبعبع» الذي ينبغي التصدي له في البلدان النامية. فكّك الباحثون الما-بعد كينزيون المقاربات النيو-كلاسيكية التي يصول ويجول بها خبراء المؤسسات الدولية في أنحاء العالم، من مثل أن الإنفاق العام يرفع سعر الفائدة و«يطرد» الاستثمار الخاص. أظهر الما-بعد كينزيون من خلال دراستهم المتأنية لآليات خلق النقد ودور المصرف المركزي وعلاقة هذا الأخير مع الدولة بطلان هذا التحليل. أظهروا أن مفعول الطرد (crowding out effect) مجرّد موقف أيديولوجي منقول في الأساس عن فردريتش فون حايك.
أي أن الما-بعد كينزية تمثّل الزاد الفكري الذي ينبغي أن يتزوّد به مثقفو واقتصاديو البلدان النامية للخروج من كنف صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والتمكّن من صياغة سياسات تحقق النمو وتزيل البطالة وتُخرِج بلدانهم من التخلّف.

* باحث اقتصادي