دفعت الأزمة المالية عام 2007 الاقتصاد العالمي إلى أكبر تراجع منذ الكساد الكبير. واستطاعت الطبقات الرأسمالية إنقاذ النظام عبر مزيج من الحوافز والائتمان المنخفض الثمن وإجراءات تقشّف كبيرة طاولت الطبقات العاملة حول العالم. وعلى رغم أنّ هذه الخطوات حفّزت انتعاشاً جديداً، إلاّ أنّه انتعاش ضعيف عانى من مجموعة من التناقضات السياسية والاقتصادية. طلبت مجلة «إنترناشيونال سوشلست ريفيو» International Socialist Review من مجموعة من الاقتصاديين الماركسيين إعطاء تقييمهم الخاص لعصرنا الاقتصادي ومساره.

يحقّق لي وينغراف في الأثر التدميري للقوى الإمبريالية في توسّعها الحالي في «أفريقيا جنوب الصحراء». وهذه المساهمة هي الرابعة بعد مساهمات هاداس ثير وديفيد ماكنالي ولي سوستار.

(توماس ــ إيطاليا)

خلّفت التناقضات الحادّة في العصر النيوليبرالي، ولا تزال، آثاراً تدميرية على اقتصادات الجنوب العالمي. فنتيجة اندماجها غير المتكافئ في الاقتصاد العالمي واعتمادها في شكل غير متناسب على تصدير السلع الأولية، أصبحت هذه الاقتصادات مُشرّعة أكثر على الأزمات المنتظمة الناتجة من الإفراط في الإنتاج وفائض القدرة. وفي ظل الانتعاش العالمي الضعيف - الذي وصفه ديفيد ماكنالي بـ«فترة الركود العالمي طويلة الأمد» - يعتمد جزء لا بأس به من الجنوب العالمي في شكل كبير على حوافز الاقتصاد الصيني للحفاظ على معدّلات نمو مرتفعة. ولكن في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، كما في أماكن أخرى، لم تؤدِّ هذه الارتفاعات الجديدة إلاّ إلى تفاقم المشكلات الأساسية في المنطقة: التصنيع العكسي، والاستقطاب الطبقي الحادّ، وعدم الاستقرار السياسي.

التنمية الاستخراجية
مع بداية الألفية، ترسّخت سردية «صعود أفريقيا» في الصحافة التجارية. فارتفعت صادرات الوقود والمعادن بمئات مليارات الدولارات. وأدّت الأسعار المرتفعة للسلع إلى تعزيز هذا الازدهار الجديد - من نفط وتعدين إلى استيلاء هائل على الأراضي - ممّا أدّى إلى مستويات غير مسبوقة من النمو الاقتصادي والاستثمار، وأرباح هائلة للطبقات الحاكمة الأفريقية ورأس المال الدولي. لكن هذه الطفرة كانت مصحوبة بارتفاع معدّل الفقر.
لا يختلف الوضع عنه خلال الحقبة الاستعمارية، فقد هيمن استخراج الموارد الطبيعية على الاقتصادات الأفريقية. وفي العقد الأول من الألفية الجديدة، زادت التجارة بين أفريقيا وبقية العالم بنسبة 200%. واجتذبت أفريقيا استثمارات ضخمة لتلبية الطلب العالمي المتزايد، مدفوعة بشكل خاصّ بالنمو الصناعي الهائل في الصين. وتستخدم الصين ما يقرب من ثلث الفولاذ في العالم، و40% من إسمنته، و40% من إمدادات النحاس في العالم؛ ومن المتوقّع أن تصبح أكبر مستورد للنفط في العالم بحلول عام 2020. وتجاوزت التجارة بين الصين وأفريقيا نظيرتها بين الولايات المتحدة وأفريقيا عام 2009، مما جعل الصين الشريك التجاري الأكبر لأفريقيا.
ولكن ارتفاع النمو الاقتصادي في أفريقيا لا يعتمد فقط على صعود الصين، بل أيضاً على الانفتاح النيوليبرالي الواسع لاقتصادات العصر السابق في أفريقيا. وتحوّلت معدّلات النمو في أفريقيا المتراوحة بين 4 و6% في ستينيات القرن الماضي، إلى ركود وأزمة دين طاولت القارة برمّتها، وذلك نتيجة الانهيار الحادّ لأسعار السلع على مستوى العالم في أواسط ستينيات القرن الماضي. وتحرّك صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لفرض «تعديلات بنيوية»، على شكل قروض مع شروط تشمل الخصخصة وإلغاء الرسوم الجمركية وإعانات التجارة، وعلى شكل رفعٍ للقيود التنظيمية إضافة إلى سحب الاستثمارات من البرامج الاجتماعية وحلّ النقابات وإلغاء الدعم عن حاجات معيشية أساسية مثل الطعام والوقود. وشكّلت هذه العملية الأساس لاقتصادات أفريقية صديقة للمستثمر في القرن الواحد والعشرين.
وقد تطلّبت هذه «المشروطيات»، التي أدرجت في القروض، من الدول توجيه اقتصاداتها نحو تصدير سلع أساسية، خصوصاً في الاقتصاد الاستخراجي، بدلاً من بناء قاعدة تكنولوجية وصناعية واسعة تتمتّع بإمكانية لتحقيق نمو اقتصادي أوسع وخلق فرص عمل. كما اضطرت هذه الاقتصادات «التي تقودها الصادرات» إلى استيراد السلع الجاهزة من الغرب، وهي استراتيجياً شاملة تبنّتها رؤوس الأموال العالمية والمؤسّسات المالية الدولية لاستعادة الربحية في أعقاب الركود الذي حدث في سبعينيات القرن الماضي. وبحلول نهاية القرن العشرين، أصبحت الصادرات الأفريقية تُهيمن بشدّة على السلع الأساسية، أي 80% من جميع الصادرات، مقارنة بـ16% فقط في الاقتصادات «المتقدّمة»(1).

عودة التأخّر الاقتصادي
نتيجة لذلك، تعتبر اقتصادات جنوب الصحراء اليوم في مستوى أدنى صناعياً ممّا كانت عليه في الفترة التي تلت استقلالها. وقد وصف الاقتصادي داني رودريك هذه العملية بـ«التخلّي السابق لأوانه عن التصنيع» (2). فبدءاً من العام 1980، وعلى مدى السنوات الـ35 التالية، تراجعت حصّة التصنيع من الناتج المحلي الإجمالي من 16.5% إلى 10%. واليوم تعتمد دول مثل أنغولا ونيجيريا وغينيا الاستوائية على تلك الصادرات لحوالى 90% من عائداتها من الصادرات وهي نسبة أعلى بكثير من أي مكان آخر في العالم. وجنوب السودان مثلاً هي الدولة الأكثر اعتماداً على النفط في العالم حيث تتشكّل عائداتها التصديرية بنسبة 100% من النفط (3).
إذاً، في الوقت الذي ارتفعت الاستثمارات والتجارة مع أفريقيا جنوب الصحراء، أدرجت تركات السياسة الاقتصادية الاستعمارية والنيوليبرالية، الاقتصادات الأفريقية ضمن المنظومة الرأسمالية العالمية بطريقة متفاوتة وغير متكافئة إلى حدّ كبير، بشكل يجعلها عرضة لتأثيرات تأرجح أسعار السلع. لذلك حين ارتفعت أسعار النفط ثلاثة أضعاف وقفزت أسعار السلع بـ380% بين عامي 2000 و2011 (4)، شهدت القارة معدّلات نمو أقوى تتراوح بين 5 و6%. غير أن فائض النفط والمواد الأولية وتراجع قوّة الاقتصاد الصيني ولّدت أزمة فائض إنتاج جديدة بحلول أواسط العقد الأوّل من الألفية الثالثة. وبحلول 2014/2015، انهارت أسعار السلع عالمياً، ما أدّى إلى أزمات كبرى في موازنات دول كثيرة منتجة للنفط حول العالم.
ضربت أزمة فائض القدرة التي أصابت النظام العالمي اليوم، الجنوب العالمي وكانت الضربة قاسية على عدد من الاقتصادات الأفريقية. وعام 2016، لم يتجاوز معدّل نمو الناتج المحلي الإجمالي 1.3% في أفريقيا جنوب الصحراء وارتفع إلى 2.4% فقط في العام التالي. ورفع البنك الدولي توقّعاته إلى 3.2% لعام 2018 و3.5% لعام 2019، غير أنه حذّر من أنّ هذا النمو غير متوازن إذ إنّه مدفوع من الاقتصادات الكبرى في أفريقيا، أي نيجيريا وجنوب أفريقيا وأنغولا. أما بقية القارة فيعاني من معدّلات نمو بطيئة. وتقود الطبيعة البطيئة لهذا الانتعاش إلى جولة جديدة من الأزمات وحزمات الإنقاذ، فيما يلوح في الأفق خطر عودة التقشّف الذي يقوده البنك الدولي وصندوق النقد وقروض البنى التحتية الصينية - التي تم الحصول عليها في أوج طفرة السلع - والتخلّف عن السداد في حال حصول تراجع جديد.

التدافع الجديد نحو أفريقيا
مدفوعةً من المؤسسات المالية الدولية، أتاحت السياسة النيوليبرالية عن غير قصد فرص استثمار ليس للإمبرياليين الغربيين فحسب، بل أيضاً لمنافسيهم الصاعدين، وخصوصاً الصين. فالمشاركة الاقتصادية المتنامية لبيجينغ في القارة الأفريقية تزيد من الأخطار بالنسبة للصين بشكل استراتيجي، وقد أدّت قدرتها على جني منافع النيوليبرالية إلى تعزيز التنافس الإمبريالي. في هذه البيئة، تلعب البرجوازيات الأفريقية دور «الشريكة» المتحمّسة لرأس المال العالمي، سعياً إلى زيادة التراكم على شروطها الخاصة. وأحد عناصر هذه «الشراكة» يقوم بشكل متزايد على تسهيل عسكرة القارة، من القرن الأفريقي إلى منطقة الساحل وأبعد من ذلك.
تأكيداً لروايات لينين وغيره من الماركسيين الكلاسيكيين عن الإمبريالية، تنتج المنافسة الاقتصادية المتزايدة على الأسواق وعلى الوصول إلى الموارد، عهداً جديداً من التنافس بين القوى الإمبريالية، لا سيّما بين الولايات المتحدة والصين. وقد استخدمت كل واحدة منهما مبرّرات مثل ما يُسمّى «الحرب على الإرهاب» وعدم الاستقرار السياسي لنشر قوات عسكرية وإنشاء قواعد في أفريقيا. ووسّعت إدارة أوباما التدخّل العسكري الأميركي في القارة، واستندت إلى إطلاق جورج دبليو بوش للقيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) في عام 2007. واليوم تنتشر في أفريقيا شبكة واسعة من القواعد العسكرية والعمليات السرّية والقوات العسكرية.
في موازاة ذلك، تعزّز الصين في شكل متزايد استثمارات مبادرتها الواسعة «حزام واحد طريق واحد» في شرق أفريقيا بالتوازي مع وجودها العسكري في المنطقة. وعلى عكس ما يدّعيه البعض في اليسار، فإن استثمارات المبادرة الصينية في أفريقيا وأماكن أخرى تدفعها مصالح بيجينغ الإمبريالية ولن تؤدّي إلاّ إلى تفاقم مشكلة الرأسمالية المتمثّلة في القدرة الزائدة، لا سيّما في قطاعات تصدير السلع في الجنوب العالمي. ومن أجل إنفاذ استثمارات مبادرة «حزام واحد طريق واحد» في شرق أفريقيا، أنشأت الصين قاعدة جديدة في دولة جيبوتي الصغيرة، على غرار الولايات المتحدة التي تنشر قاعدة «ليمونيه» في مكان قريب. في الخلاصة، يعزّز هذا التدافع الإمبريالي الجديد تجاه أفريقيا - والعالم - حالة عدم الاستقرار والأخطار فيها.
فشلت الوعود التي قطعتها هذه القوى الإمبريالية، حول الفوائد المتوقّعة لطفرة السلع، في التحقّق. وعلى رغم المعدّلات غير المسبوقة من الناتج المحلي الإجمالي وثروات الواحد في المئة من أفريقيا، فإن الغالبية العظمى تواجه فقراً متفاقماً. ويشير البنك الدولي إلى أنه اعتباراً من عام 2012، يعيش 100 مليون أفريقي إضافي في الفقر مقارنة بالعقدين السابقين. وكما قال والتر رودني في كتابه الكلاسيكي، «كيف ساهمت أوروبا في تخلّف أفريقيا»، فإن الرأسمالية وقواها الإمبريالية لم «تهمل» القارة، ولكن من خلال تجارة الرقيق والاستعمار نهبتها بشكل منهجي. واليوم، تتنافس الولايات المتحدة والصين مرة أخرى على نهب أفريقيا، مما يحوّل اقتصاداتها إلى مجرّد مصدّرة لحفنة من السلع الأولية، ويجعلها أكثر عرضة للتأثر بالضرر والتذبذب في السوق العالمية الرأسمالية.
International Socialist Review
ترجمة: لمياء الساحلي

المراجع
(1) Patrick Bond, Looting Africa: The Economics of Exploitation, cited in Lee Wengraf, Extracting Profit: Imperialism, Neoliberalism and the New Scramble for Africa, Chicago, Haymarket Books, 2018, P.70
(2) Dani Rodrick, «Premature Deindustrialization», November 2015
(3) World Bank, «The World Bank in South Sudan», May 3, 2018
(4) «Oil and Trouble: Tumbling Resource Prices Suggest the World Economy is Slowing», Economist, October 4, 2014