خبير بترولي، مؤسّس المركز العربي للدراسات البترولية

مع مباشرة المجلس النيابي الجديد أعماله، وبعد الإعلان عن جولة ثانية في عام 2019 لمنح حقوق الاستكشاف والإنتاج في المناطق البحرية، يبرز التساؤل عن الدور الحيوي للسلطة التشريعية في سياسة البترول والغاز، أي في استثمار ثروة يمكنها أن تكون فرصة تاريخية لدفع عجلة الاقتصاد الوطني، كما يمكنها أن تكون لعنة دمّرت بلدان عدّة أخرى.
هذا التساؤل يعود لسببين لا يقلّ احدهما أهمية عن الآخر. أولهما أن المجلس النيابي هو السلطة التشريعية الوحيدة التي يخوّلها الدستور رسم الإطار القانوني الملائم لتأمين المصلحة العامة، بما في ذلك تحديد نظام الاستثمار وشروط التعاطي مع الشركات المعنية في شكل يضمن تكافؤ المصالح بين الطرفين، وأفضل مردود اقتصادي ومالي ممكن للبلد المضيف. أما السبب الثاني فهو أن السلطة التشريعية هي أعلى سلطة رقابية في البلاد، ما يمنحها مسؤولية وواجب متابعة تنفيذ القوانين والاتفاقيات السارية والتأكد من مطابقتها نصاً وروحاً لحقوق وآمال اللبنانيين.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

لهذه الأسباب، تحرص المجالس النيابية في شتى أنحاء العالم على ممارسة صلاحياتها في صناعة البترول والغاز، سواء كان ذلك في الولايات المتحدة الأميركية أو غيرها من الدول الصناعية أو في الدول النامية. كذلك كانت هذه الأسباب وراء إقدام الاتحاد العالمي للبرلمانيين على معالجة هذا الموضوع في مختلف دوراته، وقام بإنشاء هيئة خاصة للتعاون بين الدول الأعضاء، أطلق عليها اسم المنظمة البرلمانية العالمية لمكافحة الفساد في الصناعة النفطية (Gopac) . وتتراوح التدابير التي تطبّقها الدول الأعضاء في المنظمة من التحقيق إلى المحاكمة والقضاء، مروراً بالمساءلة والمحاسبة وشتّى العقوبات.
أما في لبنان، فما حصل حتى اليوم هو أن دور المجلس النيابي قد اقتصر على إصدار قانون الموارد البترولية في المياه البحرية رقم 132/2010 تاريخ 20/8/2010، تلاه في أيلول/ سبتمبر 2017 قانون مكمّل خاص بالأحكام الضريبية المتعلّقة بالأنشطة البترولية. ومع أن القانون الأول جاء مقتضباً، ولكنه قام، لحسن الحظ، على مبدأين أساسيين لجهة صلاحيات ودور الدولة في استثمار البترول والغاز، وهما: أولاً، حق ملكية الدولة لكامل ثرواتها الطبيعية. وثانياً، استثمار الثروة النفطية في إطار النظام المعروف بعقد تقاسم الإنتاج (Production Sharing Agreement – PSA) مع شركة كبرى متخصّصة تملك المؤهلات الفنية والمالية اللازمة.

موظّفون ومستشارون يزوّرون القانون
بعد صدور القانون البترولي وملحقه الضريبي، تم تجاهل مجلس النواب ودوره وصلاحياته، تشريعية كانت أم رقابية، تجاهلاً تاماً. وأصبحت وزارة الطاقة تتحكّم مباشرة، عبر هيئة إدارة قطاع البترول التابعة لها، بمعظم التدابير الخاصة بالسياسة البترولية.
اللافت، أن الهيئة المذكورة مُنحت حدّاً عالياً من المناعة والحماية، إذ إنها تتمتّع (تحت إشراف الوزير) بالاستقلالين المالي والإداري، ولا تخضع لأحكام النظام الخاص بالمؤسسات العامة المصدّق بالمرسوم رقم 4517، كما لا تخضع لنظام مجلس الخدمة المدنية. وعلى الرغم من أن ما يقارب نصف أعضاء مجلس إدارتها الستة لا يملكون أي تجربة في مجال عملها، إلا أن نشاطها يشمل كل أوجه صناعة البترول والغاز، بما في ذلك القيام بأدوار متضاربة وتتنافى بطبيعتها وتتعارض في ما بينها. وهكذا، نرى منذ سنوات، أن هذه الهيئة تتولّى مهمّة المستشار لدى الوزير والجهات الحكومية، كما تلعب دور الهيئة الناظمة (Regulator) المفترض أن يكون منفصلاً كلّياً عن المهام الأخرى. إضافة إلى دور المسؤول عن التأهيل المسبق للشركات التي تود الحصول على حقوق الاستكشاف والإنتاج، ثم دور المفاوض مع الشركات نفسها على الشروط التقنية والقانونية والمالية والاقتصادية والضريبية والبيئية وغيرها، الخاصة بإبرام اتفاقيات استكشاف وإنتاج البترول والغاز.
هذا الوضع السوريالي، بلغ الذروة في عملية تزوير للقانون البترولي لا مثيل لها في العالم، وذلك عبر أحكام أهم مرسوم تطبيقي للقانون 132/2010، وهو المرسوم 43/2017، الذي وضع مسودة اتفاقيات الاستكشاف والإنتاج المزمع عقدها مع الشركات الأجنبية، والذي يتضمّن كل الشروط اللازمة لذلك. فبدلاً من أن يكتفي واضعو مشروع هذا المرسوم «التطبيقي» بتوضيح بعض التفاصيل الثانوية لتسهيل تطبيق القانون، نجد أنهم قاموا في الواقع بتجاهل المبادئ الأساسية التي قام عليها القانون والاستعاضة عنها بمفاهيم أخرى مناقضة لها، ما يشكّل عملية تزوير صارخة تؤدي إلى عكس إرادة المشترع، وإلى عكس شروط المصلحة الوطنية.
ما ساعد على تمرير عملية التزوير هذه، هو أن مشروع المرسوم المذكور بقي قيد الكتمان التام طوال ما يقارب ثلاث سنوات. إذ اصطدم بممانعة حكومة تمام سلام، ولم تتم الموافقة عليه إلا في 4 كانون الثاني/ يناير 2017، في الجلسة الأولى التي عقدتها الحكومة التالية، عندما صادق الوزراء على نصوص تتألّف من مئات الصفحات وتتضمّن الأحكام التقنية والقانونية والمالية والاقتصادية والبيئية وغيرها، من دون أن يكون لديهم الحدّ الأدنى من الوقت الضروري لمجرّد قراءتها، ناهيك عن التمعّن بها ومناقشتها.

بضع كلمات غيّرت كل شيء
في طليعة المبادئ الجوهرية التي طاولها التزوير عبر المرسوم المذكور، المبادئ التي تتعلّق بحقوق ملكية الدولة الحصرية للثروات الطبيعية، وحقوق الدولة في المشاركة مباشرة في الأنشطة البترولية. وهما المبدآن الأساسيان اللذان يشكّلان الفارق الجوهري بين نظام تقاسم الإنتاج، الذي نصّ عليه القانون 132/2010 مِن جهة، ونظام الامتيازات القديمة من جهة ثانية. أي بين نظام استثمار تتولّى فيه الدولة ممارسة صلاحياتها ومسؤوليّاتها تجاه شعبها، ونظام آخر تكتفي فيه بدور المتفرّج، تاركة الحبل على غاربه للشركات الأجنبية لتسرح وتمرح وتدير الصناعة وفق هواها ومصالحها.

بالأرقام

47%
هي النسبة القصوى لحصّة الدولة اللبنانية الكلّية في أحسن الحالات من أرباح النفط والغاز في المياه اللبنانية في حين يتراوح المعدّل بين 65% و85% في عشرات البلدان التي تبنّت نظام تقاسم الإنتاج

65%
هي النسبة السنوية لاسترداد النفقات التي مُنحت للشركات النفطية في لبنان فيما الحدّ الأقصى المُعتمد عالمياً لا يتجاوز 50%


حصل التزوير صراحة عبر بضع كلمات دسّت في المادة 5 من المرسوم 43/2017، التي تنصّ حرفياً على أنه «ليس للدولة مشاركة في دورة التراخيص الأولى». بمعنى أوضح، تنكّرت السلطة التنفيذية لما نصّ عليه القانون لجهة حقوق ملكية الدولة للثروات الطبيعية وحقوقها في المشاركة الفعلية في صناعة البترول والغاز. وبمعنى أكثر وضوحاً، أصبح لبنان البلد الوحيد في العالم الذي يقوم بقفزة لأكثر من نصف قرن إلى الوراء، ويعود إلى نظام الامتيازات القديمة، التي عانت منها كل الدول النامية، قبل أن تلجأ إلى التأميم، وتستعيض عن نظام الامتيازات بنظام تقاسم الإنتاج أو بنظام الاستثمار الوطني المباشر، كما هي الحال في الدول العربية وغيرها في كل أنحاء المعمورة.
هذا التزوير للقانون، وهذا الاستهتار بحقوق اللبنانيين وعقولهم، لم يكن ليحصل لو أن المجلس النيابي السابق (لا سيما لجنة الطاقة) قام بصلاحياته وتحمّل مسؤولياته على صعيد فرض الشفافية ومراقبة تطبيق القانون.
يعتبر البعض، على ما يبدو، أن المجلس النيابي في لبنان هو مجرّد فولكلور بلدي. يحقّ لقلّة من موظّفي وزارة الطاقة، ومستشاريهم مجهولي الهوية، التلاعب بالقوانين التي يصدرها النواب وتشويهها على هواهم ووفق مصالح من وضعهم حيث هم.
ماذا كانت النتيجة؟ انعدمت الشفافية وانعدم أي نقاش داخل المجلس النيابي أو خارجه، خلافاً لما يحصل في دول أخرى، كالنرويج وإسرائيل وماليزيا ومصر وغيرها. رافق ذلك، انحرافات وتصرفات ليس أقلها تعطيل دور الدولة في الصناعة النفطية، وتأهيل شركات وهمية تم تسجيلها في لبنان أو في الخارج، مثل شركة Apex Gas، التي أسّسها أحد التجّار في هونغ كونغ برأسمال لا يتجاوز 1,290 دولار أميركي، بهدف الحصول على حقوق استكشاف وإنتاج، بدلاً من إنشاء شركة نفط وطنية تمثّل كل اللبنانيين! أعرب التاجر المذكور عن امتنانه وتقديره، وصار يوزّع الأوسمة على صدور المسؤولين الذين تفضّلوا ومنحوه التأهيل المسبق، أي حقّ الحصول على 10% على الأقل من ملكية البترول والغاز، في كل رقعة يشارك فيها إلى جانب شركة مشغّلة. وعندما افتضح هذا التصرّف عبر وسائل الإعلام ونشرت أسماء الفاعلين، لجأ المسؤولون إلى شركة روسية (هناك شكوك حولها)، لتحلّ محل الشركة الوطنية، لتكون شريكاً في أول اتفاقيتين أقرّتا مع شركتي توتال الفرنسية وأيني الإيطالية.

مزاعم الشفافية
لا شكّ أن أفضل تعبير عن انعدام الشفافية جاء على لسان رئيس لجنة الأشغال والطاقة النيابية السابق، النائب محمد القباني، عندما قال في أيلول 2016: «إن أسوأ ما تشكو منه سياسة البترول والغاز هو التعتيم والتكتّم على ما يجري، بما في ذلك تجاه السادة النواب الذين لم يتمكّنوا حتّى الآن من الاطلاع على نصوص مشروعي مرسومين قيد البحث في مجلس الوزراء، وهي مراسيم تطبيقية لقانون أصدره مجلس النواب. إنه لوضع معيب ومخجل»!. هذا الكلام، الصادر على لسان رئيس اللجنة النيابية المعنية، يكفي لدحض تصريحات وزير الطاقة، الذي قال أكثر من مرة: «إن شفافية سياسة البترول والغاز في لبنان هي الأفضل والأرقى في العالم». في الواقع، لم يقدّم وزير الطاقة أي دليل على شفافية هذه السياسة سوى مزاعم عن طلب لبنان الانتساب لمنظّمة الشفافية في الصناعات الاستخراجية (Extractive Industries Transparency Initiative – EITI ). طبعاً، من دون أن يوضح هذا الوزير أن تقديم طلب الانتساب للمنظّمة المذكورة لا يعني أن لبنان قد أصبح عضواً فيها أو أنه يلزمها بأي شيء. فقبول انتساب أي عضو جديد يستلزم سنوات، تقوم خلالها المنظّمة بالتحقيقات اللازمة للتأكّد من أن طالب الانتساب يلتزم فعلاً بالمعايير والشروط المطلوبة.
من المذهل أن لجنة الطاقة النيابية لم تحرّك ساكناً، على الرغم من تصريحات رئيسها (حينها). وهي لم تعترض مرة واحدة على تصرّفات وتجاوزات بعض الموظّفين. ما أدّى إلى تعطيل كامل لصلاحيات المجلس النيابي الرقابية، وأدّى هذا التعطيل إلى فرض شروط مُجحفة كأمر واقع، كما أدّى إلى اتخاذ هذه الشروط كأساس لتوقيع أول اتفاقيتين للاستكشاف والإنتاج تغطّيان الرقعتين الرقم 4 والرقم 9.

لا مناص من تفعيل دور النواب
أن تفعيل صلاحيات ومسؤوليات المجلس النيابي قد أصبح ضرورة لا بديل عنها، تفرضها استحقاقات عدّة، في طليعتها الإعلان الرسمي عن إطلاق دورة جديدة، في العام المقبل، لمنح حقوق استكشاف وإنتاج في المناطق البحرية. فهل سيتم ذلك على أساس التجاوزات والانحرافات التي رافقت الدورة الأولى، لا سيّما لجهة استمرار تعطيل دور الدولة والإبقاء على التأهيل المسبق لشركات صورية يختبئ وراءها بعض بارونات السياسة ومحترفي الكذب والتضليل والعمولات ونهب المال العام؟
أمّا الاستحقاق الثاني الذي يكمل الأول، هو الإسراع في البتّ بأربعة مشاريع واقتراحات قوانين بترولية، قيد البحث في اللجان البرلمانية المتخصّصة. وفي طليعتها مشروع قانون إنشاء شركة نفط وطنية، تشارك في الأنشطة البترولية والغازية جنباً إلى جنب مع واحدة أو اثنتين من الشركات العالمية الكبرى، في إطار نظام تقاسم الإنتاج الذي نصّ عليه القانون.
يدّعي بعض المسؤولين أن إنشاء الشركة الوطنية لا يمكن أن يتم إلا بعد اكتشاف البترول والغاز بكمّيات تجارية، وهذا قول هراء، لا يمكن أن يصدر إلا عن جهلة أو مضلّلين. لأنه، حتى إذا سلّمنا جدلاً أنه لا بدّ لسبب أو لآخر من انتظار حصول اكتشاف تجاري، فهذا لا يمنع على الإطلاق من تضمين الاتفاقيات المبرمة مع الشركات الأجنبية بنداً ينصّ على أنه يحق للدولة، أو لشركتها الوطنية، الدخول كشريك بنسبة معيّنة في حال التوصل إلى مثل هذا الاكتشاف.
نعم، من خلال بند من بضع كلمات لا يكلف لبنان دولاراً واحداً، يمكن حفظ حقوق الدولة، وتفادي خسارة مليارات الدولارات. أمّا الحماقة، فهي التي تم ارتكابها في الاتفاقيتين السابقتين على الرقعتين 4 و9، عبر حرمان الدولة من أي حق لها في المشاركة.
إن إنشاء شركة نفط وطنية هو أمر أكثر من ضروري، ليس فقط في مرحلة الاستكشاف والإنتاج، بل أيضاً في سائر مراحل الصناعة كالنقل والتكرير والتوزيع والبتروكيمياء.
أخيراً، قد تكون شؤون صناعة البترول والغاز ليست من اختصاص غالبية النواب، لذلك من المفيد والضروري أن يستأنس المجلس النيابي برأي واحدة أو أكثر من المنظّمات الدولية المتابعة لهذا الموضوع، لا سيّما ما يتعلّق بالتدابير اللازمة لمكافحة الفساد في الصناعة النفطية، وتوفير الشرح للمعنيين في لبنان حول الفرق الشاسع بين نظام تقاسم الإنتاج ونظام الامتيازات، والفرق بين وجود الدولة وعدم وجودها في الأنشطة البترولية، والفرق بين سياسة بترولية تستهدف مصلحة المواطنين وأخرى تمليها سرقة المال العام.
حان الوقت لوضع حدّ للانحرافات الكارثية التي حصلت حتى الآن. وحده المجلس النيابي، من دون سواه، يمكنه القيام بهذا الدور كي يتجنّب اللبنانيون أن يتحوّل استثمار البترول والغاز إلى كارثة اقتصادية، وإلى فضيحة جديدة أكبر من مجموع الفضائح التي عانوا منها حتى الآن.



نظام تقاسم الإنتاج
يُعمل بهذا النظام حالياً في أكثر من 70 بلداً، ومن أهم ميزاته أن الشريك الأجنبي يتحمّل وحده كل أخطار مرحلة الاستكشاف والتنقيب، في حين أنه يحفظ للدولة حرّية الدخول كشريك (بنسبة 40% مثلاً) في حال حصول اكتشاف بترول أو غاز بكمّيات تجارية. في هذه الحال يمكن الدولة أن تدخل كشريك (عادة عبر شركة وطنية) وتسدّد نصيبها من النفقات السابقة تدريجاً من حصّتها في أرباح الإنتاج، ثم ما يترتّب عليها لاحقاً من نفقات. وهذا ما يُعرف بحصّة الدولة «المحمولة» من قبل الشريك الأجنبي (Carried interest). إضافة إلى ذلك، تتقاضى الدولة، عيناً أم نقداً (وبغض النظر عن وجود أو عدم وجود أرباح)، إتاوة ثابتة تُقتطع من قيمة الإنتاج (Royalty) وضريبة دخل على أرباح الشريك الأجنبي، علاوة على ضرائب ورسوم أخرى.


الحقيقة التي لا تتحمّل التأويل
إن اتفاقيتي الاستكشاف والإنتاج في الرقعتين الرقم 4 والرقم 9، تستندان في مقدمتيهما إلى نصّين تتضارب أحكامهما الأساسية الواحد مع الآخر، وهما القانون البترولي 132/2010 من جهة، والمرسوم 43/3017 من جهة ثانية. هذه الأحكام المتناقضة، تعود أولاً لحقوق ملكية الدولة على البترول/ الغاز المكتشف (وهي حقوق نصّ عليها القانون صراحة، قبل أن تتبخّر كلّياً عبر تزوير المرسوم وتنكّره لنظام تقاسم الإنتاج). وتعود ثانياً لمشاركة الدولة في الأنشطة البترولية (والتي يؤكّدها القانون صراحة وتنفيها المادة 5 من المرسوم بكلمات صريحة!). تضارب هام آخر يكمن في كون القانون يميّز، ككل القوانين البترولية في العالم، بين رخصة الاستكشاف واتفاقية الإنتاج، في حين أن المرسوم 43/2017 قد دمج كل هذه المراحل في اتفاقية واحدة تمتدّ على قرابة 40 عاماً.


أسئلة إلى وزير الطاقة
حبّذا لو يتفضّل وزير الطاقة بالإجابة على هذين السؤالين:
1- وفق أي مادة في الدستور، أو أحكام أي قانون، أو بموجب أي سلطة، سمح لبعض موظّفي وزارته بتزوير القانون؟
فقد تم طرد الدولة من الأنشطة البترولية، وجرى تجريدها، وتجريد اللبنانيين، من حقوق الملكية على كامل ثروتهم النفطية التي سيتم استخراجها. فهل يدلّنا وزير الطاقة إلى بلد آخر في العالم، حتى في البلدان الأكثر فساداً، يحصل فيه مثل هذا التلاعب بالقانون، ومثل هذه الإهانة للنواب الذين أصدروه؟ وهل يدرك وزير الطاقة أن هذا التزوير يعني خسارة لبنان لمليارات الدولارات في كل رقعة من الرقع البحرية الملزّمة، وهذه الخسارة ناجمة تلقائياً عن عدم مشاركة الدولة وانتقال حصّتها من الإنتاج إلى الشركة التي حلّت محل الدولة وشركتها الوطنية؟
2- هل يمكن لوزير الطاقة أن يفسّر للبنانيين الأسباب الحقيقية لاعتماد مستويات لدخل الدولة أدنى من المعايير المعروفة في العالم؟ فدخل الدولة من الغاز يشكّل 4% فقط لا غير من قيمة الإنتاج (وهي نسبة أكثر من تعيسة، بالمقارنة مع معدل 12,5% في العالم). ولا تتجاوز ضريبة الدخل 20% (بالمقارنة مع معدل 26% في 73 دولة تطبّق نظام تقاسم الإنتاج الذي نصّ عليه القانون اللبناني وتنكر له المرسوم 43/2017). وقد تم منح الشركات حقّ استرداد نفقاتها بمعدل 65% سنوياً، فيما الحدّ الأقصى المُعتمد عالمياً لا يتجاوز 50%. كل ذلك، يؤدّي إلى دخل كلّي للدولة اللبنانية لا يتجاوز في أحسن الحالات 47% من الأرباح، في حين يتراوح المعدّل بين 65% و85% في عشرات البلدان التي تبنّت نظام تقاسم الإنتاج. طبعاً، هذا الحساب لحصّة الدولة من مجمل الأرباح مرهون بمدى صدقيّة الأرقام التي تعطيها الشركات عن أرباحها، والتي أصبح من المستحيل على لبنان التأكّد من صدقيّتها، لأن الدولة اللبنانية قد أصبحت كـ«الأطرش في الزفّة»، من جرّاء طردها من الأنشطة البترولية، وحرمانها من إمكان مراقبة مختلف مكوّنات النفقات والإيرادات.


الحاجة إلى المساءلة
الأخطاء والانحرافات البالغة الخطورة، التي تعرّضت لها سياسة البترول والغاز في لبنان، أصبحت تستلزم بشكل ملحّ تفعيل دور المجلس النيابي واسترجاع صلاحياته التشريعية والرقابية التي سلبت منه. ما يعني على الصعيد العملي اتخاذ مبادرات أولية يمكن إيجازها في النقاط التالية:
1- إجراء تحقيق حول انتهاك بعض المبادئ الأساسية التي قام عليها القانون البترولي، وتحديد هوية ومسؤولية كل من شارك في هذا الانتهاك عبر دسّ المادة 5 من المرسوم رقم 43/2017، التي تشكّل تشويهاً صارخاً للأحكام الخاصة بحقوق ملكية الدولة على ثرواتها الطبيعية والمشاركة المباشرة في استثمار هذه الثروات.
2- استخلاص النتائج والعبر من التحقيق المشار إليه، واتخاذ التدابير اللازمة التي تمليها المحافظة على حقوق وآمال اللبنانيين.
3- تحديد هوية ومسؤولية كل من عمل وساهم في التأهيل المسبق لشركات وهمية بغية حصولها على حقوق استكشاف وإنتاج، علاوة على تحديد أسباب اختيار شركة غير مشغّلة تنتمي لبلد يشكو انعدام الشفافية، لضمّها إلى توتال وأيني في اتفاقيتي الرقعتين 4 و9.
4- إجراء تحقيق في الظروف التي أدت إلى إبرام عقود بترولية بالتراضي ومن دون استدراج عروض، وفي طليعتها العقود الخاصة بالمسح الزلزالي: تكاليفها، قيمة مبيعات المعطيات التي تم الحصول عليها، وتوزيع الأرباح بين الشركات المعنية والدولة والوسطاء.
5- مساءلة الوزير المختص وغيره من المسؤولين المعنيين، وكلّما اقتضت الحاجة، عن التدابير المتّخذة الخاصة باستثمار الثروة النفطية.