باحث في اقتصاد المنصّات الإلكترونية

حاجة الرأسمالية للسيطرة والتحكّم بعوامل الإنتاج، ومن ضمنها العمّال، مثلت الدافع الأساس خلف كل استراتيجيات الإدارة الأمثل للموارد، بغية توسيع هوامش الأرباح وضمان استمراريتها. هكذا، يرى كارل ماركس أن رأس المال يشتري قوة عمل الأفراد بشرط سيادته المطلقة على آلية استخدامها، بما يضمن أكبر قدر ممكن من الإنتاجية، ويوازن بين الحاجة لتحقيق أكبر قدر ممكن من الربحية من دون الإضرار بوسائل الإنتاج المستخدمة. في هذا السياق يمكننا فهم التسلسل التاريخي لاستراتيجيات التحكّم والسيطرة التي اعتمدتها الرأسمالية، بدءاً من التايلورية العلمية، التي تنسب إلى فريديرك تايلور (1865-1915).


ميّز تايلور بين نوعين من العمّال: المبدعون والأقل إبداعاً وقدرة على الإنتاج، فأعطى الفئة الأولى القدرة على التحكّم والسيطرة في عمل الفئة الثانية، التي لم يسمح لها التدخّل بما هو أكثر من القيام بالعمل الميكانيكي لإنجاز مهمات محدّدة تتكامل في ما بينها ضمن سلسلة الإنتاج. بنظر تايلور، كان التحكّم المطلق بحركية العمّال وطريقة عملهم المكوّن الأساسي لتحقيق الإنتاجية. عدّ العمّال مكمّلين لأدوات الإنتاج من دون الحاجة للنظر في الأبعاد الاجتماعية والإنسانية لحيواتهم.
استُكملت التايلورية في ما بعد مع هنري فورد، لتأخذ أبعاداً متجدّدة مع ما يعرف بالتسوية الفوردية، التي قامت على اتخاذ الإجراءات التنفيذية لتحقيق زيادة كمية في الإنتاج عبر المكننة واعتماد المعايير القياسية standarization، بالإضافة إلى منح العمّال زيادات نوعية في الأجور تمكّنهم من شراء المنتجات، وبالتالي تحفيز الاستهلاك وضمانات اجتماعية واستمرارية العمل. توسّعت الفوردية مصحوبة بحاجة الرأسمالية لموازنة خطر الشيوعية المنتصرة في أكتوبر 1917، وبالانهيار الاقتصادي الكبير في عام 1929، لتخرج من الحرب العالمية الثانية الاستراتيجية الاقتصادية الرأسمالية الوحيدة لقيادة «العالم الحرّ»، والمقصود هنا الغربي حصراً، بعيداً عن شبح رأسمالية الدولة السوفياتية التي كانت تشكّل تهديداً وجودياً. تطوّرت الفوردية خلال ما يُسمى الثلاثية الذهبية، التي امتدت من النصف الثاني من الأربعينيات إلى النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي، وتمكّن العمّال خلال هذه الفترة من تحقيق مكتسبات جوهرية أساسية على مستوى الحق بالتنظيم النقابي الحرّ والأمان الوظيفي والاجتماعي، وأصبحت الفوردية بمكان ما دين الرأسمالية الجديد الذي اعتنقته حتى منظّمات العمّال، باستثناء تلك الثورية منها التي ثابرت على التمييز ما بين مُستغِل ومُستَغَل في علاقات العمل، مرتكزة على التناقض الأساسي للمصالح بين الطرفين والاختلاف في الموقع ضمن علاقات القوة المهيمنة.
بالمحصلة، لم يتمكّن العمّال، وهم في أعلى درجات قوّتهم التفاوضية من تحقيق سيادتهم على قوّة عملهم أو استقلاليتهم في كيفية بيع هذه القوة التي يمتلكونها. عظّمت قوّتهم، لكن حريتهم كانت دوماً مقيّدة بعقود العمل الجماعي، التي غالباً ما شكّلت الذراع التنفيذية لسيطرة أصحاب العمل وتحكّمهم بمسار الإنتاج وعلاقاته. وهذا ما حدّد سقف الحراك العمّالي بعدم الخروج عن الإطار العام لمقدّسات علاقات الإنتاج الرأسمالية، حتى أصبحت الغاية الأساس للمنظّمات العمّالية، عملياً، تنظيم عملية استغلال العمّال.
يقدّم الكاتب نقداً لمقولات الحرية والمرونة والاستقلالية، التي تعد الرأسمالية الحديثة بها العمّال، في حين أنها بالفعل تسلب العمّال حقّهم السيادي على ملكيّاتهم الخاصة واستهلاكها في عملية إنتاج فائض القيمة، في سياق ما يُسمّى «التراكم عبر السلب»


اختُزل مفهوم العمل بالإطار الفوردي المعاصر، بعيداً عن تاريخ العلاقات ما بين العمّال والرأسماليين في المراحل الأولى للثورة الصناعية وحتى مرحلة ما قبل الرأسمالية، كما يحاجج الفيلسوف الفرنسي أندريه غورز (1989) في معرض حديثه عن اختراع العمل بشكله الحديث. إلا أن المتغيّرات العالمية التي شهدتها ثمانينيات القرن الماضي، والتي يمكن اختصارها بعوامل عدّة، أولها تخلّي الراسمالية الغربية عن التشغيل الكلّي، كالإطار الماكرو-اقتصادي، وجنوحها نحو السياسات النقدية، كوسيلة للتحفيز الاقتصادي، مصحوبة بمتغيّر سياسي متمثّل بوصول الثنائي ريغن - تاتشر إلى سدّة الحكم في الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة، وبالتزامن مع بوادر انهيار رأسمالية الدولة السوفياتية، التي كانت قد أجبرت الرأسمالية الغربية على تقديم التنازلات الأساسية في علاقاتها مع العمّال على مدى نصف قرن. جرى الدفع نحو التخلّي عن التسوية الفوردية لمصلحة ما يعرف بنمط الإنتاج المرن lean production ، الذي يقوم أساساً على تحرير الرأسمالي من أي التزام تجاه العمّال (ضمانات اجتماعية، استمرارية العمل، أجور لائقة). عرفت هذه التجربة بالمرحلة التويوتية، نسبة إلى فلسفة شركة تويوتا اليابانية في تحسين الإنتاجية. في المقابل، أصبح الإنتاج الرأسمالي محدّداً بالطلب العام، فلا إنتاج من دون طلب، وأُعيدَت هيكلة العمّال، بعيداً عن مشاغل العمل الكبرى، في فرق عمل صغيرة متخصّصة، وكُلِّف العمّال مهمات مراقبة الإنتاجية وتحفيزها، وجرى تقييمهم بناءً على ذلك. وعلا الحديث عن الحاجة للعمّال المبدعين الذين يحملون قيم الحرية والاستقلالية والمقدرة على حل التعقيدات.
في الشكل، اعطت منهجية الإدارة مزيداً من التحرّر للعمّال. وبالفعل، مزيداً من المقدرة على التحكّم والسيطرة لأصحاب العمل والمتحكّمين كلّياً بدفق المعلومات عن السوق. يطلق دايفيد هارفي على هذه المرحلة مصطلح «التراكم عبر السلب» accumulation by dispossesion، بمعنى أن التراكم الرأسمالي لم يكن ليحصل إلا من خلال سلب العمّال كامل حقوقهم وامتيازاتهم التي حقّقوها خلال الثلاثية الذهبية. هكذا، عبر ابتداع توصيفات وظيفية جديدة غير خاضعة لمعايير العمل، تقوم على ادعاء منح العمّال مزيداً من الحرية والاستقلالية (العاملون بدوام جزئي والعاملين لحسابهم والمتدرّبين والمتعاقدين والمياومين). أُعيدَت هيكلة سوق العمل بما يفرغ مؤسسات وقوانين العمل الخاصة بالحقبة الفوردية (النقابات ضمناً) من جدواها، ويحوّلها إلى هياكل غير مؤثرة بعملية الإنتاج، ويسلب الوافدين الجدد إلى سوق العمل حريتهم النقابية واستقلاليتهم المالية، عبر تكبيلهم بأجور منخفضة وإغراقهم بالديون (القروض) وانتهاك سيادتهم على قوّة عملهم، التي يجبرون على بيعها وحصراً بالشروط التي يفرضها صاحب العمل، في ظل تفكيك أي نظم حماية اجتماعية (كتعويضات البطالة والمساعدات الاجتماعية بحجّة تأثيرها على الإنتاجية العامة للاقتصاد). هذه المرحلة التي يمكن حصرها بالفترة الزمنية ما بين منتصف سبعينيات القرن الماضي إلى الأزمة المالية الأخيرة، أسمّيها «الثلاثية التدميرية» التي أنتجت سوق عمل تهيمن عليه الشركات بنحو مطلق، ويقوم على قوّة عمل مهمّشة ومفكّكة وغير قادرة على التواصل في ما بينها، وهياكل نقابية مفرغة من أي قوة تفاوضية ومقيّدة بحاجتها للعقود الجماعية لضمان امتيازات قُضِمَت بنحو كبير.
أمام هذا المشهد، خرجت الرأسمالية الغربية من الأزمة المالية الأخيرة بمزيد من التحرّر من الالتزامات في العلاقة مع العمّال والحكومات في آن واحد، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ العمل، إذ يُعاد تعريف العلاقات ما بين العمّال وأصحاب العمل بما يعود بالزمن إلى مرحلة الإنتاج ما قبل الصناعي، وتحديداً مع نمط الإنتاج السابق للمصانع putting-out system، مع اعتماد الماكينات وبناها والتكنولوجيات كالتطبيقات والمنصّات الإلكترونية كوسائط أساسية لإدارة العلاقة مع العمّال أو المتعاقدين/ المنتجين المستقلّين كما يُسمَّون.
هكذا، تمكّنت شركات كأوبر وديليفرو وأمازون و Airbnb من إرساء نمط جديد من علاقات العمل، يجمع بين تحكّم التايلورية وسيطرتها وتشييئها للعمّال، وبين حاجة الفوردية البنيوية للتشغيل الكلّي والحرية والفردية التي قامت التويوتية عليها. بمعنى آخر، نجحت الرأسمالية بإعادة تقسيم العمل، عبر اعتمادها المكننة المطلقة لإدارة العرض والطلب وتلزيم عملية الإشراف على الإنتاج وإدارته لبنى تقنية كالخوارزميات، ما يضمن سلب العمّال أي مقدرة عملية للتحكّم في الإنتاج وأسرهم إفرادياً خلف شاشات الكومبيوتر أو مقود السيارة مثلاً. كذلك حقّقت خرقاً أساسياً في مفهوم الإنتاجية والضغط على الأجور، فأوبر على سبيل المثال تتمتّع بحقّ استغلال ملايين العمّال الذين قد يقضون نحو 8 ساعات يومياً منتظرين فرصة بيع قوّة عملهم إلى التطبيق المذكور، فيما لا يدفع لهم إلا المبلغ المرتبط بعدد الرحلات التي يقومون بها. الأمر نفسه ينطبق على العاملين مع أمازون وغيرها من التطبيقات. هنا، يلاحظ أن النموذج الرأسمالي لهذه الشركات يحتّم توافر فائض عمالة في كل لحظة، ولكنه فائض متحرّر من دفع أي تعويض مادي في المقابل. أخيراً، وبالحديث عن السيادة على النفس والممتلكات الخاصة، تقوم هذه الشركات بتغيير جوهري في عملية الإنتاج الرأسمالي. فإذا ما نظرنا إلى شركات كأوبر و Airbnb نلاحظ أن الرأسمال المادي الثابت الذي يُستَغَلّ في عملية الإنتاج تعود ملكيته حصراً إلى العمّال. هنا لا بد من الإشارة إلى نجاح الرأسمالية الحديثة بإحداث خرق إضافي في عملية الضغط على أكلاف الإنتاج، وذلك عبر تحميل العمّال الكلفة الأبرز من الاستثمار بوسائل الإنتاج عبر تحويل ممتلكاتهم الشخصية والخاصة (سيارة، غرفة نوم) إلى وسائل إنتاج تُستغَلّ لمصلحة الشركات.
بالعودة إلى مقولة دايفيد هارفي حول التراكم عبر السلب، نجد أن الرأسمالية الحديثة، عبر مصطلحات الحرية والمرونة والاستقلالية في العامل، تسلب العمّال حقّهم السيادي على ملكيّاتهم الخاصة واستلابها لاستهلاكها في عملية إنتاج فائض القيمة، تحت السيطرة الكلّية لأدواتها التقنية (التطبيقات وخوارزمياتها)، وهذا ما أسمّيه تراكم عبر السلب الثنائي الأبعاد. أولاً، سلب الحقوق، وثانياً عبر سلب العمّال حقّهم السيادي على ملكيّاتهم الفردية. وهذا ما يضعنا أمام حقيقة أن بدع الحرية والسيادة والاستقلال التي تروّج لها الرأسمالية الحديثة ليست سوى رأس جسر لفرض علاقات عمل تعود بنا إلى مرحلة ما قبل الرأسمالية، وهذا ما يحتاج إلى نقاش يفيض عن مساحة هذا المقال وغاياته.