يُحدّد صندوق النقد الدولي 39 دولة هشّة في العالم، وهي تشكّل نحو 20% من أعضائه، تستحوذ القارة الأفريقية على العدد الأكبر منها بمعدّل 20 بلداً هشّاً، تليها القارة الآسيوية التي تتضمّن 16 بلداً هشّاً، فيما تتضمّن أوروبا بلدين هشّين، وأميركا بلداً واحداً.


ومن ضمن هذه البلدان، تبرز 9 بلدان عربيّة تتوزّع بين قارتي أفريقيا وآسيا. هذه التصنيفات، يستعرضها «مكتب التقييم المستقل» التابع لصندوق النقد الدولي، في تقرير تحت عنوان «صندوق النقد والدول الهشّة – تقييم 2018»، يتناول عمل الصندوق في البلدان الهشّة والمتأثّرة بالصراعات، ويستند فيه إلى «لائحة الصندوق للبلدان الهشّة الصادرة عام 2015، وهي القائمة الوحيدة المنشورة، على الرغم من قيام الصندوق بتحديثها سنوياً، وذلك لاعتبارات داخلية متعلّقة بهذه البلدان».

كيف تصنّف البلدان الهشّة؟
يستند الصندوق في تصنيفه إلى تعريف البنك الدولي ومنهجيته المُعتمدة، التي تصنّف هذه البلدان وفقاً لمعدّلاتها المُسجّلة في مؤشّر «السياسة القطرية والتقييم المؤسسي» (CPIA). وهو مؤشّر يتضمن 16 معياراً متعلقاً بالإدارة الاقتصادية والسياسات الهيكلية وسياسات الشمول الاجتماعي وإدارة القطاع العام والمؤسسات العامة، وبالتالي يصنّف البلد هشاً إذا كان منخفض الدخل ومؤهّلاً للحصول على مساعدة من مؤسسة التنمية الدولية وحصل على 3.2 نقطة وما دون على المؤشّر، أو في حال وجود قوات لحفظ سلام تابعة للأمم المتحدة خلال السنوات الثلاث السابقة، أو لتعذّر قياس معدّلاته بسبب وجود نزاعات فيه.
أيضاً، ووفق التقرير تتسم البلدان الهشّة بـ«مواجهتها عقبات راسخة في تعزيز التنمية البشرية والاقتصادية، وعدم القدرة على إدارة ماليتها العامة، وهي تميل إلى أن تكون أقل تنوّعاً في البنية الاقتصادية وأكثر عرضة للصدمات، بالإضافة إلى معاناتها من عدم استقرار سياسي، وضعف المؤسسات العامة، ونقص شرعية الدولة، وتفشي الفساد، فضلاً عن تسجيل أداء اقتصادي كليّ أضعف من غيرها، ومستويات معيشية أدنى».

التضارب في تحديد الهشاشة
تتشابه التحدّيات التي تواجه الدول الهشّة مع التحدّيات التي تواجهها الدول المصنفة «منخفضة الدخل»، إلّا أن «هناك 4 بلدان متوسطة الدخل مُدرجة ضمن اللائحة التي تتضمّن بغالبيتها بلداناً منخفضة الدخل وتشكّل نحو 45% من مجمل البلدان المنخفضة الدخل الأعضاء في الصندوق»، كما أن هناك معايير تتوافق مع التعريف المُعتمد وتنطبق على بلدان معيّنة ولكنها غير مُدرجة، والتي تدلّ على تضارب في كيفية تصنيفها، فوفقاً للتقرير إن «سمات الهشاشة ليست محصورة في هذه البلدان فقط، وقد تتشاركها مع بلدان أخرى غير مُدرجة ضمن القائمة، بحيث أن هشاشة البلد غالباً ما يكون لها أبعاد إقليمية وثابتة، وهناك بلدان قد تُدرج ضمن القائمة أو تخرج منها سنوياً».
فرض الشروط والسياسات يخضع لموافقة الدول الكبرى المؤثّرة في الصندوق، وبالتالي إن إدراج بلد ما في قائمة الهشاشة أو إخراجه منها خاضع للترتيبات السياسية الدولية والإقليمية


في الواقع، لا يوجد تعريف عالمي موحّد للبلدان الهشّة. يقول رئيس التحرير السابق للنشرة العربية من «لوموند ديبلوماتيك»، سمير العيطة، إن «تصنيف البلدان الهشّة يخضع لمعيار أساسي ورئيس وهو قدرة بلد ما على إدارة المال العام، وهو أمر لا يرتبط بقلّة الموارد، بدليل أن العراق بلد غني بالموارد ولكنه هشّ لعدم قدرته على إدارتها، بل هو يرتبط بقدرة هذا البلد على تحصيل المال العام وإعادة توزيعه بما يخدم احتياجات المواطنين. ويضاف إلى هذا المعيار الأساسي مجموعة من المعايير النمطية مثل انعدام الاستقرار السياسي، وعدم إقرار موازنة صحيحة ومصدّق عليها، وارتفاع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي، وتفشي الفساد. وهناك أسباب عدّة للهشاشة مثل الحروب والكوارث الطبيعية والفساد، وهي تصيب دولاً غنية لا تجيد إدارة المال العام ودولاً فقيرة غير قادرة على تحمّل الصدمات».

الهشاشة كآلية للتدخل
تنطبق هذه المواصفات على كثير من البلدان التي بقيت غائبة عن لائحة الصندوق، في مقابل إدراج بلدان أخرى ضمن اللائحة مثل ليبيا وسوريا واليمن على الرغم من أن الصندوق لا يتواجد فيها ولا يرسل بعثاته وفرقه إليها، وهذا يطرح تساؤلات حول كيفية تصنيف هذه البلدان ومصدر المعلومات عنها.

60

هو عدد البلدان الهشّة التي حدّدها البنك الدولي، بين عامي 2000 و2017، من ضمنها 17 بلداً هشاً منذ 18 عاماً، و9 بلدان هشّة منذ نحو عقد أو أكثر، في مقابل خروج 24 بلداً من قائمة الهشاشة بعد فترات زمنية مختلفة

في الواقع، ظهر مصطلح «الدولة الهشّة أو الفاشلة» في مطلع التسعينات بعد انهيار الحكومة الصومالية، في دراسة لجيرالد هيرمان وستيفن راتنر (1993) المنشورة في مجلة السياسة الخارجية الأميركية، وهي صفة تلازم الدول العاجزة عن القيام بوظائفها العامة، لاحقاً بات هذا المفهوم أكثر انتشاراً في مطلع الألفية الثانية، بعد أحداث 11 أيلول «لإضفاء شرعية على تدخلات السياسة الغربية في البلدان، فهو مفهوم صاغه صانعو السياسات لوصف الواقع وفقاً لأولوياتهم في ميادين التنمية والأمن، ثم أعادت البلدان المتلقية تفسيره ليتناسب مع أجنداتها الخاصة، وانتشر بفعل الدور الذي قام به البنك الدولي ومنظمة التعاون والتنمية، والاتحاد الأوروبي، وبات يُفهم على أنه عنصر حاسم في الخطاب الجديد حول القضايا الدولية والمساعدات والأمن».
من هنا، تعدُّ الهشاشة بمثابة آلية لفرض قرارات معيّنة، وهذا ما تعبّر عنه مقالة بعنوان «مؤشّر الدول الهشّة معيب بشكل قاتل»، إذ ينتقد هينينج ميلبر (أستاذ العلوم السياسية في جامعة بريتوريا) آلية تصنيف البلدان الهشة، واصفاً إياها بـ«المعيبة»، خصوصاً عند تفسيرها ربطاً بالواقع الاجتماعي والسياسي للبلدان. ويشير الكاتب إلى نامبيا غير المصنّفة ضمن الدول الهشّة وإنّما من أفضل دول جنوب الصحراء الأفريقية، في حين أن كل التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة تشير إلى أن 44.9% من السكان يعيشون في فقر متعدّد الأبعاد، وأن 19.3% من السكان يقتربون للانضمام من هذه الفئة. «فهل النيوليبرالية المتفشية في بلدان استبدادية تقلّل من هشاشتها؟ يدعو ذلك إلى التساؤل حول كيفية تعريف الهشاشة، فهي ليست إلا مدخلاً للتدخل وتحقيق مصالح البلدان الكبرى وتعزيز التصوّرات النمطية، والتي تعدّ من أسباب إضعاف البلدان الأخرى وربما تدميرها».
يقول سمير العيطة: «لا توجد قائمة رسمية بالبلدان الهشة. الدول العربية أغلبها هشّة، لبنان تتوافر فيه عوامل عدّة للهشاشة مثل سوء إدارة المال العام وعدم القدرة على إدارة الدين العام والفساد فضلاً عن أنه يمرّ بأزمة، ولكنّه لم يصنّف كبلدٍ هش. أيضاً تبرز ليبيا التي أدرجت على لائحة البلدان الهشّة على الرغم من عدم وجود أي علاقة بين المصرف المركزي الليبي وصندوق النقد منذ عام 2013 ولا يصدّر تقرير المادة الرابعة حول البلد، فما المعايير التي اتبعها لنشر توقّعاته حولها؟ من هنا نفهم أن كلّ الأمور مرتبطة بالسياسة، وأبلغ تعبير على ذلك عندما يردّد أنه تمّ تقديم الدعم لبلد ما لدعم الحلّ السياسي فيه»، ويتابع العيطة: «تأسس صندوق النقد في مؤتمر بريتون وودز في عام 1947، وشاركت في تأسيسه نصف الدول العربية بهدف فكّ ارتباط نقدها بالدول الاستعمارية، كما وضع أسساً لتنظيم العلاقات المالية بين دول العالم بمعزل عن الدول الاستعمارية، إلّا أنه لم يؤدِّ وظيفته، فالدول التي استفادت منه في تلك الفترة هي الدول الصناعية، فضلاً عن أن قاعدة التصويت فيه المرتبطة بحجم مساهمة الدول الأعضاء وموقعها تُخضع قرارته لمصالح الدول الكبرى فيه، فالسعودية كلمتها مؤثّرة لأنها مساهمة كبرى في الصندوق وكذلك الولايات المتحدة، وبالتالي فرض الشروط والقرارات والسياسات يخضع لموافقة هذه الدول الكبرى المؤثّرة في الصندوق، وبالتالي إن إدراج بلد ما في قائمة الهشاشة أو إخراجه منها خاضع للترتيبات السياسية الدولية والإقليمية».