«(في الرأسمالية) الوقت هو كل شيء، الإنسان هو لا شيء؛ هو على الأكثر جثة الوقت»

كارل ماركس

في 31 تموز الماضي، أصدر صندوق النقد الدولي تقريره حول اليونان، وهو البلد الذي خضع في 2010 لأصعب تجربة انكماش (deflation)، وليس فقط تقشّف، منذ ثلاثينيات القرن الماضي. هذا الانكماش المفروض من قبل الترويكا، وأحد أعمدتها الصندوق، فُرض على اليونان من أجل ضمان بقائها في منطقة اليورو، على أثر تفجّر الأزمة المالية في المنطقة في ذلك الوقت. كان خيار اليونان واحداً من اثنين: إما الخروج من اليورو، أو الخضوع للانكماش، لأن الحل الثالث، أي إنقاذها مالياً من قبل الترويكا وأوروبا بشروط مُخفّفة لاقى معارضة شديدة، خصوصاً من ألمانيا. اختارت اليونان، وحتى حكومة اليسار، الخيار الأول، وخرج وزير المالية يانيس فاروفاكيس. فكان ما أراده الرأسمال الأوروبي والعالمي من انكماش، وهو ما وصفه كينز في عشرينيات القرن الماضي بأنه كالماحقة الاقتصادية التي تخفض الأجور من أجل إعادة التوازن الاقتصادي.
بعد أعوام عدّة، أتى (إلى حد ما) يوم الحساب على المستوى الرسمي. طبعاً، الذي يعرف النظرية الاقتصادية ودروس التاريخ، كما المتتبع لكتابات فاروفاكيس، كان يعلم أن حسابات الحقل لن تكون متطابقة مع حسابات البيدر. الآن، يبدو الصندوق كأنه يعترف بذلك، على الرغم من مفرداته المُعقّمة التي يستعملها عادة في تقارير المادة الرابعة، ولا سيّما أن التقرير حول اليونان صدر عشية خروجها رسمياً من مرحلة «الإنقاذ المالي». يقول التقرير إن توقّعات النمو الاقتصادي في اليونان في السنوات المقبلة غير مشجّعة، وإن ذلك سيلقي بظلاله على درجة استدامة الدين العام في المستقبل. إلا أن الصندوق، بالطبع، لا يوصي بغير العموميّات، حتى إنه يصرّ على «إصلاحات» سوق العمل، على الرغم من تحذيره من البطالة المرتفعة.

ماريلندا ناردي ــ إيطاليا

لكن الإدانة الفعلية لعمل الصندوق، كانت قد صدرت في عام 2016، من قبل «مكتب التقييم المستقل»Independent Evaluation Office التابع للصندوق، الذي عدّد الأخطاء التي ارتُكبت بسبب الإيمان المطلق بمنطقة اليورو وعدم تقييم المخاطر الفعلية الموجودة فيها، ما جعل الصندوق يتعامى عن الأخطار المُحدقة قبل 2007. والأسوأ من ذلك، يقول تقرير المكتب المذكور، إنه عند حصول الأزمة لم يقدّر الصندوق فعلياً درجة التأثير السلبي لسياسات الانكماش (أي خفض الأسعار الداخلية أو الأجور التي يقدّرها البعض بـ20 إلى 30%) التي فرضت من الترويكا على النمو والبطالة، بل كان متفائلاً جداً بأنها لن تكون ذات آثار عميقة. كذلك أخطأ الصندوق في حسابات تأثير خفض الإنفاق الحكومي على النمو والبطالة في ما سمّاه فاروفاكيس «الإغراق المالي» fiscal water-boarding نسبة إلى أساليب التعذيب عبر الإغراق بالمياه التي استُعملت من أجهزة الولايات المتحدة بعيد 11 أيلول/ سبتمبر وحربي أفغانستان والعراق.
حتى من دون هذه «الأخطاء» في الحسابات التي تكلّم عنها تقرير المكتب، فإن ما يحكم سياسات الصندوق وغيره هو النظريات نفسها التي عارضها كينز في فترة ما بين الحربين، وهي تُخْتَصر بأن التقشّف و/أو «الانكماش» لن يكون لهما تأثير يُذكر في النمو أو البطالة، وإن حصل تأثير فسيكون مرحلياً جداً، لأن الأسواق تصحّح نفسها بنفسها. فإذا أخذنا مثلاً خفض الأجور بـ20 إلى 30% في اليونان، فهو في هذه النظرة يُصَحِّح عدم التوازن الموجود (أي إن الأجور مرتفعة)، ولكن في الوقت نفسه لن يؤدي إلى بطالة بسبب توظيف الرأسماليين لهؤلاء العمّال بسبب انخفاض أجورهم. في هذه النظرة، التقلّبات الاقتصادية ما هي إلا عارضة، وسرعان ما تقوم الأسواق بإنهاء مفاعيلها. هل هذا صحيح؟

مؤشّر بروست
في عام 2012، وبُعيد أزمة 2008 في الولايات المتحدة وامتداداتها إلى أوروبا، نشرت مجلة «إيكونوميست» البريطانية مؤشّر بروست لقياس «الزمن الضائع»، الذي أنتجته الأزمة في بلدان عدّة (سُمّي مؤشّر بروست نسبة إلى قصة مارسيل بروست «البحث عن الزمن الضائع»). المؤشّر مركّب من سبعة مؤشّرات اقتصادية، منها البطالة والأجور الفعلية والناتج المحلي. في حساب «إيكونوميست» آنذاك، إن الزمن الضائع في 2012 كان كالآتي: اليونان ( 12 سنة)، بريطانيا (8 سنوات)، الولايات المتحدة (10 سنوات) وبعض الدول في اليورو (أكثر من 7 سنوات).
إذاً «الزمن الضائع» طويل الأمد وصعب، وعلى الرغم من استطاعة الاقتصاديات اللحاق بالزمن واستعادة بعض مواقعها كما قبل 2007، إلا أنه في حالة اليونان من المرشّح أن يستمرّ لمدة طويلة بعد أن كان الركود فيها أسوأ ركود في التاريخ الاقتصادي، وخسارتها نحو 25% من الناتج. في اليونان أيضاً هناك توقّع بخسارة 35% من السكّان العاملين بين 2020 و 2060، مع ما يعنيه ذلك من خسارة كبيرة على الاقتصاد في المستقبل. كذلك فإنه حتى في الاقتصاديات التي استطاعت الخروج نهائياً من الأزمة عبر فترة انتعاش طويلة، كما في الولايات المتحدة، بقيت الأجور خاسرة لمواقعها، على الرغم من هذا النمو غير المسبوق. فكما قالت «إيكونوميست» بالنسبة إلى البعض، فإن الزمن الذي ضاع خلال الأزمة لن يعود مجدداً.

تيه لبنان
هذا في العالم واليونان، فماذا عن لبنان؟ ما العمل اليوم بعد أطول عملية تثبيت نقدي في التاريخ، ما جعل لبنان كأنه ينتمي إلى «منطقة الدولار» كما تنتمي اليونان إلى «منطقة اليورو» (وذكرت «كأنه» لأن التشبيه ليس في محلّه تماماً إذا كان المصرف المركزي قادراً على طباعة النقد اللبناني وشراء السندات الحكومية بالليرة اللبنانية، ما أعطى المصرف مرونة غير موجودة في الدول المنتمية إلى «اليورو»). لكن في النهاية، وحين يواجه لبنان تعثّراً أو تباطؤاً في تدفّق العملات الصعبة، فإنه يصبح تماماً كالمنتمي إلى اليورو، فهو لا يستطيع طبع الدولار الأميركي. نحن أمام وضع كهذا اليوم. لذلك يلجأ المصرف المركزي إلى عمليات التبادل أو «الهندسة المالية» (أو أفضل «الخيمياء المالية») وكأنه «يطبع الدولار اصطناعياً». هذه السياسة، بكلفتها العالية على صعد عدّة، هي لشراء الوقت بانتظار صدمة إيجابية خارجية لإعادة محرّك النموذج القديم للدوران. لكن واقعياً، وإذا أردنا ألا نكون فقط في حالة انتظار، فنحن أمام أربعة خيارات للحل: أولها التخلّي عن التثبيت أو الـdevaluation وهذا أمر لا يجد له مؤيدين. فضلاً عن ثلاثة خيارات أخرى إذا أردنا المحافظة على التثبيت.
ما العمل اليوم؟ فبعد أطول عملية تثبيت نقدي في التاريخ بات لبنان كأنه ينتمي إلى «منطقة الدولار» كما تنتمي اليونان إلى «منطقة اليورو»


هذه الحلول الثلاثة هي: أولاً، فرض الانكماش والتقشّف الداخلي كما حصل في اليونان، وهو سيكون كارثياً. لكن حظوظ هذا «الحل» في لبنان ضعيفة جداً (انظر "التقشّف مرّة أخرى أو مرّة أخيرة"). ثانياً، حل الإنقاذ المالي الخارجي من دون شروط قاسية (مثل «باريس 2 و3») ولكن يبدو حتى الآن أن «باريس 4» هو حل طويل الأمد بكمّيات قليلة مع شروط أصعب. ثالثاً، استعمال النموذج الريعي واستغلاله عبر فرض الضرائب على الريع والفوائد والأرباح الاحتكارية ومداخيل الأرباح والأجور العالية المحقّقة في الخارج، من أجل تأمين مداخيل للدولة بالعملات الأجنبية. وهنا أيضاً يمكن إضافة زيادة الضرائب الاستهلاكية (TVA) وبعض التقشّف (زيادة أسعار كهرباء لبنان من دون خصخصة، في مقابل خفض فائض قطاع الاتصالات). هذا الحلّ الثالث يمكن وصفه بعملية «مساومة تاريخية» تُوازن بين الضرائب على الثروة والمداخيل العالية، وبين الضرائب على الاستهلاك ذات الطبيعة التراجعية التي تصيب الطبقات الوسطى والعاملة بشكل أكبر من غيرها ( إن كانوا أغنياء أو فقراء).

مواجهة الخوف
إذاً، في حالة لبنان هناك حلول، لكن لبنان يبدو في وضع تائه. فالرحلة التي بدأت في عام 1993 لا بدّ من تصحيح مسارها، وذلك يتطلّب خيارات وسياسات اقتصادية تأخذ بالاعتبار أمرين: من ناحية الخوف اللبناني من تغيير سعر النقد، كما كانت ألمانيا تخاف من التضخّم (ولا تزال)، ومن ناحية أخرى المتطلّبات الحقيقية لدرء مخاطر هذا التغيير. والخوف هذا مشروع بسبب تجارب البلدين السيئة: ألمانيا في أوائل العشرينيات ولبنان في الثمانينيات. ولكن ألمانيا الفدرالية بعد الحرب كما ألمانيا الموحّدة بعد اليورو لم تعتمدا فقط على سياسة نقدية محافظة من أجل وقف التضخّم، بل على قيام اقتصاد صناعي متطوّر وعلاقات عمالية متطوّرة تربط زيادة الأجور بالإنتاجية وسلطة للعمّال في الاقتصاد في ما سمّي اقتصاد السوق الاجتماعي بعد الحرب العالمية الثانية؛ واليوم تعتمد على الإنتاجية العالية والفوائض مع العالم. بالمقارنة، على ماذا يعتمد لبنان غير السياسة النقدية؟ حتى الآن بالتأكيد ليس على نفسه؛ وقد آن الأوان لتغيير ذلك حتى لا يطول زمن بروست الضائع، وإذا ما أردنا الإبقاء على ما يخاف كل اللبنانيين ألا يبقى.