هناك مؤشّر مبكّر تراقبه أسواق المال عن كثب لتوقع الركود الاقتصادي في أي بلد، ألا وهو منحنى العوائد. لكثير من الاقتصاديين إن تسطّح منحنى العوائد يشكّل مصدر قلق كبير على النشاط الاقتصادي، وخصوصاً في الولايات المتحدة. ما هو منحنى العوائد؟ وعلى ماذا يؤشّر؟

في مثال بسيط، لنفترض أن هناك ادخاراً ما، يمكن استثماره تفضيلياً على أساس المخاطر، بما يتناسب مع رغبة كل مستثمر. منهم من يفضّل الاستثمار في سندات قصيرة الأجل لمدة ثلاثة أشهر مع مخاطر قليلة. ومنهم ممّن يفضّل المخاطر على مدة زمنية طويلة، فيستثمر في السندات لعشر سنوات. في المبدأ، وبعيداً من تأثيرات المديونية المرتفعة، إن أسعار الفائدة على السندات الطويلة تكون في المطلق أعلى من السندات القصيرة الأجل نظراً إلى المخاطر التي تتعلّق بالتضخّم والتقلّبات الاقتصادية الطويلة الأمد.


إن الفارق بين العائدين، والذي يتمثّل في المخاطر، يُسمّى منحنى العوائد (أي عائد 10 سنوات - عائد 3 أشهر = منحنى العوائد). يفسر المنحنى على الشكل الآتي: إذا كان تصاعدياً، أي أن العوائد الطويلة أعلى بكثير من العوائد القصيرة، فهذا يعني أن المخاطر أخذت في الاعتبار ولا يوجد أي مشكلة. إذا كان المنحنى مُسطّحاً أي أن أسعار الفائدة الطويلة الأمد توازي معدّلات الأسعار القصيرة، هنا تبرز مشكلة جذرية، أي أن تسعير المخاطر الطويلة الأجل لم يؤخذ في الاعتبار. وفي بعض الحالات، يصبح منحنى العوائد معكوساً، أي أن الفوائد على الأجل القصير أعلى منه على الأمد الطويل، إذ يصبح عائد الاستثمار أعلى منه في القصير من الطويل الأجل. هذه الظاهرة غالباً ما يليها ركود اقتصادي. ولكن السؤال الأهم: لماذا يتسطّح منحنى العوائد؟ ولماذا يصبح سالباً؟

أين تكمن المشكلة؟
هذا السؤال يأخذنا الى المدرسة الفكرية للاقتصادي السويدي فيكسل، الذي يعتبر أنه لا يوجد في الاقتصاد سعر فائدة واحد، إنما سعران. الأول هو سعر الفائدة على الاقتراض القصير الأجل، والذي يُسمّى عادةً سعر السوق والمفهرس على سنتين. والثاني هو سعر الفائدة الطبيعية (naturel)، الذي يتمثّل في نسبة نمو أرباح الشركات في الاقتصاد، وعموماً ما تكون ملازمة لنسبة نمو الناتج الوطني (croissance de PIB).
يفسّر فيكسل: إذا كان الاقتراض أعلى من نسبة نمو الشركات، فلا مصلحة للاقتراض نظراً إلى التأثير الكارثي على الاقتصاد. أما إذا كانت كلفة الاقتراض موازية لنسبة نمو الشركات، فلا مصلحة للمستثمر في الاستثمار نظراً إلى الخطر المُرتفع والمُتعلّق في السداد. وأخيراً، إذا كانت كلفة الاقتراض أقل من العائد، هنا تبرز أهمية الاقتراض للشركات بهدف الاستثمار ورفع الإنتاجية.
أنقر على الرسم البياني لتكبيره

لكن المشكلة تكمن في أن وضع أسعار الفائدة في حدودها الدنيا يؤثّر بشكل جذري على تسعير المخاطر، وبالتالي يصبح عائد المخاطر على الأجلين القصير والطويل موازياً مع تفضيل المستثمرين دائماً للقصير الأجل بهدف السيولة، فترتفع أسعار الفائدة القصيرة الأجل وتنخفض الطويلة الأجل، فيتسطّح منحنى العوائد ويصبح سالباً مع الوقت ويدخل الاقتصاد في الركود. أضف، إن الاستثمار التفضيلي القصير غالباً ما يُترجم في شراء الأصول الموجودة، وليس في الاستثمار في الصناعات ذات الإنتاجية العالية، والتي تضمن النمو المستدام (manufacturers). هذا الأخير، وعند انخفاض أسعار الفائدة، نتيجة توافر الأموال ذات التكاليف المنخفضة (السياسات النقدية والتيسير الكمي المُطبّقة من المصارف المركزية منذ 10 سنوات)، ترتفع أسهم الأصول (البورصة) بشكل كبير مع بقاء الكمية ثابتة، ما يؤدي مع الوقت إلى التضخم في الأسعار من دون تأثير جدّي على الإنتاجية. من نتائج هذه الظاهرة أن الثروة تزداد عند الأغنياء، فيما الفقراء يزدادون فقراً، وهذه من نتاج الكينزية التي تعتمد على أسعار الفائدة المنخفضة وتخلق نوعاً من انعدام التوازن الاجتماعي.
لمنع هذه الظاهرة، التي تؤدي الى أزمة مالية نتيجة المديونية العالية للقطاعين العام والخاص، يجب على المصارف المركزية الحفاظ على أسعار الفائدة عند حدودها الطبيعية الملازمة للنمو، التي تسمح فقط للمستثمرين الذين يتمتعون بالملاءة المالية في الاستثمار، وذلك لتحاشي ما يُسمّى سوء تخصص رأس المال (mauvaise allocation du capital).
أين نحن الآن؟ إن أسعار الفائدة العالمية حالياً مدارة من المصارف المركزية (taux administrée)، فهي لا تشبه أسعار فائدة السوق ولا أسعار الفائدة الطبيعية الملازمة للنمو. إن ما يحاوله الفدرالي الأميركي الآن هو العودة الى أسعار السوق (taux des marchés) عن طريق رفع أسعار الفائدة. وعندما ترتفع هذه الأسعار فوق معدّلات نمو الشركات، تبرز مشكلة السداد.

المعضلة الحقيقية
إذاً، إن ما نلاحظه الآن من تسطّح منحنيات العوائد على الصعيد العالمي ينذر بنوع على الأقل من تباطؤ في النشاط، أو على أسوأ تقدير ركود في الاقتصاد. إذاً، فتّش عن رفع أسعار الفائدة تجد المعضلة الحقيقية التي ستواجه المصارف المركزية حول ماهية قيادتها لسياساتها النقدية وبرامجها الاستثمارية وعن هامش المناورة الذي تمتلكه في خفض السيولة.
ماذا لو لجأت المصارف المركزية الى رفع أسعار الفائدة إلى 3% تقريباً في ظل معدّلات نمو محاذية لـ2%؟ تجد الشركات نفسها في حاجة إلى السيولة المالية، فتلجأ إلى التخلّص من أصولها المكتسبة بالبيع. ولكن البيع لمن؟ عندما تتحوّل الأسواق الى بائعة، ومع غياب السيولة النقدية، تحدث عمليات كبيرة للتخلص من الأصول بأسعار السوق بهدف السيولة القصيرة الأجل، وهذا ما يُسمّى السيولة القسرية (liquidité forcée) فيحدث الانهيار.
الخطر الجدّي هو أن يتسارع التضخّم بشكل غير متوقّع ويجبر المصارف المركزية على رفع أسعار الفائدة بشكل أسرع


في الرسم البياني (1) يظهر جلياً أن منحنى العوائد في الولايات المتحدة يتجه نحو التسطّح، والذي من المتوقّع أن يحدث في نهاية عام 2018. أضف أيضاً أن الرسم البياني (2) يبيّن لنا تأثير السياسة النقدية على تطور أسعار الفائدة بين فترتَي 2016 و2018. إذ نلاحظ أن أسعار الفائدة القصيرة (أقل من سنتين) ارتفعت بشكل ملحوظ، مقارنة بنظيرتها الطويلة الأجل، حتى إن أسعار الفائدة الطويلة 30 سنة انخفضت. أي أن سوق السندات أخذ في الاعتبار التحوّل في السياسة النقدية، لكنه لم يأخذ في الاعتبار مخاطر التضخّم الطويلة الأجل.
إذاً، إن تسطّح منحنى العوائد يدلّ على أن الأسواق لا تراهن على تسارع وتيرة النمو على المدى الطويل، إنما على تباطؤ أو ركود في أسوأ الحالات. إن المؤشرات المُرسلة من منحنى العوائد غير واضحة المعالم نظراً إلى السياق الاقتصادي الخاص الذي نحن فيه، وخصوصاً أن منحنى العوائد يمكن أن يعطي مؤشرات خاطئة كما حدث في أواخر الثمانينيات وفي عام 1998. في الواقع، إن عمليات ضخّ السيولة الضخمة من المصارف المركزية أدّت إلى تشويه تقويم الكثير من الأصول عن طريق شراء السندات السيادية وأوراق الدين.

العوامل السلبية
في العودة إلى تطمينات المدير الفدرالي الأميركي بأن تسطّح منحنى العوائد لن يكون له تأثير على الاقتصاد الأميركي نظراً إلى قوة الاقتصاد، فهو أمر مطعون فيه لعوامل عدّة:
1ــ تاريخياً، إن دخول منحنى العوائد إلى الجانب السالب، يليه على أقل تقدير تباطؤ الاقتصاد الأميركي أو دخول في ركود في فترة تلي ما بين 18 و24 شهراً، أي أن هناك احتمالاً كبيراً أن يشهد الاقتصاد الأميركي فترة ركود اقتصادي في عام 2020.
2ــ إن التشدّد في السياسات النقدية سيكون مُقيّداً بالنسبة إلى المستهلكين والشركات. لقد رأينا أخيراً أن ديون الشركات وصلت إلى حدود غير مسبوقة، وأن الائتمان الاستهلاكي في ازدياد سريع. إن ارتفاع أسعار الفائدة على المدى القصير سيؤثّر سلباً على كل منهما.
3ــ في سوق العقارات، إن ارتفاع أسعار الفائدة القصيرة يؤثّر على سماسرة القطاع لأن 50% من تمويلهم يرتبط بأسعار الفائدة القصيرة.
4ــ إن السياسة النقدية المتشدّدة تؤدي إلى ارتفاع معدلات الرهن العقاري التي ستكون مدمّرة للأسر، حيث إن الأجور الحقيقية لا تنمو.
5ــ الخطر الجدي والكارثي هو أن يتسارع التضخّم بشكل غير متوقّع، ما يجبر المصارف المركزية على رفع أسعار الفائدة بشكل أسرع من المتوقّع، الأمر الذي يؤدّي إلى تقلبات حادّة في الأسواق أسوأ من تلك التي شهدها عام 2008، نظراً إلى ضيق هامش المناورة أمام السياسات النقدية واستنفاد الحلول المالية والضريبية، وخصوصاً عند معدلات العمالة الأميركية القصوى.
هذه بعض النقاط الضاغطة على النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة في حال اللجوء إلى سياسات مالية متشدّدة. هذه الضغوط تأتي مع كل سياق تغييري للسياسات الاقتصادية، كما حدث في السابق، مع فارق أن ما يحدث الآن مغاير على صعيد الظروف الاقتصادية المواكبة، وهوامش المناورة، وخصوصاً التحوّلات في النظم والدورات الاقتصادية. إن الحجّة القائلة إن الوقت تغيّر عن السابق، يردّ عليها كل من روغوف وراينهارت في كتابهما الشهير «This Time is Different» بأن الوضع في أسواق المال لم يتغيّر. وإن ارتفاع أسعار الفائدة على المدى القصير يؤثّر سلباً على القطاع الخاص في الولايات المتحدة، وقد يكون مصدراً مهماً لتباطؤ النشاط الاقتصادي.