«أنا أحاسب وأحاكم كل يوم، ولكن أهم حكم لي هو حكم الأسواق (...) 24 سنة، منحوني ثقتهم، وهذه الثقة تزداد».

رياض سلامة (2017)

■ ■ ■

أنهى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ربع قرن في وظيفته، وهو سيستمر 6 سنوات إضافية، بعد التجديد له في بداية عهد رئيس الجمهورية ميشال عون. وبالتالي أصبح سلامة صاحب الرقم القياسي لأطول فترة متتالية يقضيها الموظّف نفسه على رأس أيّ بنك المركزي، تاريخياً وعلى مستوى العالم كلّه. وهي فترة توازي الفترة التي قضاها الرئيس نبيه بري في رئاسة مجلس النواب، صاحب السلطة التشريعية والرقابية، التي تقع عليها المسؤولية الأولى في محاسبة الحكومة ومساءلتها، ولا سيّما مصرف لبنان.
في هذه الفترة، تبدّلت عهود (الياس الهرواي، إميل لحود، ميشال سليمان، ميشال عون) وتبدّل رؤوساء حكومات (رفيق الحريري، سليم الحص، نجيب ميقاتي، عمر كرامي، فؤاد السنيورة، تمام سلام، سعد الحريري) وتبدّل وزراء مال (رفيق الحريري، فؤاد السنيورة، جورج قرم، الياس سابا، دميانوس قطّار، جهاد أزعور، محمد شطح، ريّا الحسن، محمد الصفدي، علي حسن خليل) وحصلت 5 دورات انتخابية (1996- 2000- 2005- 2009- 2018)، وانطلقت عملية مدريد لتحقيق التسوية في الشرق الأوسط وسقطت واندلعت حروب البلقان الجديدة (1995- 1999) وتحرّر الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي (2000) ووقعت أحداث 11 أيلول (2001) وتم غزو أفغانستان والعراق (2003)، واغتيل رفيق الحريري (2005) وخرج الجيش السوري (2005) وانقسمت البلاد بين 14 آذار و8 آذار، ووقعت حرب تموز (2006) وأحداث 7 أيار واتفاق الدوحة والأزمة الرأسمالية العالمية (2008)، وانفجرت الانتفاضات الشعبية في تونس ومصر والبحرين واندلعت الحروب في سوريا واليمن وليبيا (2011)، وظهرت دولة داعش، وانهارت ونشبت أزمات مصرفية في قبرص واليونان وإسبانيا وإيرلندا وآيسلندا ووو... انتخب الأميركيون دونالد ترامب رئيساً لأكبر قوّة عسكرية في العالم وصعدت الشعبوية في كل مكان وبدأ ما يسمى الحرب التجارية العالمية... إلخ.
سرد هذه الأمثلة ليس بهدف التهكّم أو السخرية، أو للدلالة فقط على الحالة الاستبدادية التي يعبّر عنها بقاء «حاكم» في منصبه كل هذا الوقت وفي ظل كل هذه الأحداث والتحوّلات والتغيرات والأزمات والصراعات. بل الهدف من التذكير بها هو طرح سؤال مهم اليوم عن السبب الحقيقي الذي جعل من سلامة «أيقونة»، يجري صبغها بطابع القداسة، وجعله فوق السلطات الدستورية وخارج أيّ قانون، ويتمتع بحصانة مطلقة من أيّ مساءلة أو محاسبة على أفعاله ونتائج أفعاله.
لم يحصل على مدى ربع القرن الماضي أن تم توجيه أيّ سؤال يتعلّق بالسياسة النقدية وعمليات مصرف لبنان وتدخّلاته وهندساته المالية. لم يُستدعَ أيّ مسؤول في مصرف لبنان إلى أيّ جلسة لمجلس النواب أو مجلس الوزراء، ولم يخضع أيّ مسؤول لأيّ استجواب علنيّ أو سريّ عن صحّة ما يتردّد عن عمليات إثراء غير مشروع تستغل «سلطة» البنك المركزي المباشرة وغير المباشرة، ولم يضطر مصرف لبنان في أي يوم من الأيام إلى تقديم أيّ كشف حساب يبيّن ما يقوم به، ولم يتم تحريك أيّ ملف قضائي يخصّ جرائم مالية موصوفة، يُتهم مصرف لبنان أو حاكمه أو موظفوه أو لجانه وهيئاته بالضلوع فيها أو التورّط أو التغطية أو غضّ الطرف: من ملف المضاربات على الليرة في بداية التسعينيات إلى فضيحة بنك المدينة. ومن تنفيذ قانون دمج المصارف إلى الهندسات المالية، التي انطوت على عمليات شفط للمال العام إلى المال الخاص وإثراء لعدد محدود من المساهمين في المصارف وكبار المودعين... ومن سياسات رفع سعر الفائدة إلى سياسات دعم فوائد القروض وأخيراً سياسات دعم فوائد الودائع، التي مثّلت أكبر عملية إعادة توزيع للثروة والدخل من فئات الدخل الأدنى إلى فئات الدخل الأعلى، بما يفوق كثيراً العملية التي أسفرت عن نقل الملكيات العقارية في وسط بيروت إلى شركة «سوليدير». لقد جرى نشر وثائق وتقارير رسمية وشكاوى ومعلومات (لا تحصى ولا تعد) عن مخالفات كثيرة لقانون النقد والتسليف، وتجاوزات لأحكامه وأحكام قوانين أخرى أساسية، وعمليات مربحة لا يجيزها القانون، واختلاسات ومنح تسليفات لبعض الأشخاص وشطبها أو منح تسليفات بقيمة تتجاوز كثيراً الرهن العقاري بهدف التنفيذ على الرهن وجني الأرباح الطائلة على حساب المال العام... وأخيراً، جرى التداول بمعلومات عن شركات مُنحت قروضاً سكنية مدعومة، من ضمنها شركات يملكها أغنى أغنياء لبنان (مجموعة ميقاتي) بقيمة تصل إلى 28 مليون دولار. وقبلها فضح برنامج على تلفزيون الجديد عن وثائق «سويس ليكس» التي تؤكد ضلوع حاكم مصرف لبنان بمخالفات مالية خطيرة. وفضحت تقارير الهندسات المالية المختلفة كيف تم تحويل حجة تعزيز موجودات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية إلى مصدر ربح غير مسبوق، فقد حقق عدد قليل جداً من المصارف وكبار المودعين أرباحاً بقيمة 5.6 مليار دولار في 6 أشهر فقط من عام 2016، وجنت مصارف معينة أرباحاً استثنائية طائلة في هندسات مالية خاصة، من ضمنها 5 عمليات مع بنك «سيدروس» (مثلاً)، 3 منها قبل التجديد لحاكم مصرف لبنان واثنتان بعد التجديد له، إذ أجريت هذه العمليات بطريقة مثيرة، فقد باع مصرف لبنان لبنك سيدروس أوراقاً مالية وأعاد شراءها في اللحظة نفسها بأسعار أعلى من سعر بيعها! فضلاً عن عمليات أخرى جرت مع بنك البحر المتوسط وبنك الموارد وسوسيتيه جنرال (على سبيل المثال لا الحصر).
يحتاج حصر كل هذه «الارتكابات» إلى أكثر من هذا المقال، لا سيّما أن المعلومات المسرّبة من داخل مصرف لبنان والمصارف لا تزال غير كافية لإعطاء الصورة الشاملة، ولكن ما بات معروفاً ومفضوحاً يكفي للقول إننا أمام الحاصلة القصوى من دولة تتشكّل فيها نظم الحكم «الملكي» أو «الأميري»، القائمة على سلطة مطلقة لطبقة «أوليغارشية» مسيطرة تزيد حصتها من الدخل والثروة عبر رأسمالها الوهمي.
رويداً رويداً، صار حجم المصرف المركزي في لبنان يساوي ضعفي حجم الاقتصاد المحلي السنوي، وبات يسيطر على الاقتصاد كلّه، ويسيطر على الدولة وسياساتها لإعادة التوزيع. ووفق حسابات الاقتصادي توفيق كسبار، يعمد مصرف لبنان، من خلال خدمة ديونه البالغة 65 مليار دولار، إلى إعادة توزيع نحو 6.3 مليار دولار في السنة من المال العام إلى المصارف وكبار المودعين وتجار العقارات والمستوردين، منها نحو 4 مليار دولار تُسدّد بالدولار ، أي أكثر من كلفة الدين الحكومي (5.4 مليار دولار).
يهمس العارفون بوصف بالغ الدلالة، يقولون إن سلامة بات «أغنى حكام المصارف المركزية" لأنه نجح نجاحاً باهراً في جعل فئة ضئيلة تزداد ثراءً كلّما ازدادت الأزمات، وتزداد تحكّماً بالدولة وسيطرة على الاقتصاد.