على الرغم من أن الناس «العاديين» لا يمتلكون أي صوت في المسائل العامّة المطروحة أمامهم، إلا أنهم مدعوون اليوم إلى «الخوف» الشديد من «شبح» يُخيِّم فوق رؤوسهم، هو شبح «انهيار الليرة». يجري التلاعب بهذا «الخوف» سياسياً وإعلامياً، لدفع الناس، ومعهم بعض أصحاب القرار المتردّدين، إلى الشعور بوجود «تهديد مُحتمل» أو تصوّر «خطر ما»، ولو بدا مُبهماً، ما يجعلهم يتجمّدون في مواجهته ويطلبون تجنّبه ويبدون استعدادهم لتحمّل كلفة تفاديه أو تأجيل وقوعه.

ما عدا «كاسبر»، الشبح الصغير اللطيف، تظهر «الأشباح»، في الثقافة الشعبية، كأطياف غير مرئية بوضوح، تمتلك قوى خارقة فتّاكة. تكمن وظيفتها الرئيسة في استثارة «توتر عصبي»، وبالتالي إيجاد حالة خوف غير مُحدّد مع توقعات تشاؤمية، تماماً مثل شعور المرء عند الوقوف عند حافة مرتفَع شاهق أو فوق بئر بلا قرار. وهذا النوع من الخوف ليس طبيعياً، بل يتعلّمه الناس من تجاربهم، وعبر الثقافة والأيديولوجيا والأفكار المُسيطرة أيضاً... وهو خوف يتحوّل مع الوقت إلى ما يشبه «التأنيب المُتكرّر»، الذي يمارسه «أولياء الأمر» على أطفالهم: نحن ندرك دائماً أن الآباء مخطئون، ولأنهم كذلك، نخاف منهم ونتفادى عقابهم!
اليوم، يتراءى شبح «انهيار الليرة»، الذي يبثّ الخوف في قلوب الجميع، كطيف آتٍ من ذاكرة أليمة تعود إلى حقبة سوداء امتدت على عقد من الزمن، بين منتصف ثمانينيات القرن الماضي ومنتصف تسعينياته. إذ أدّت موجات مُتتالية من المضاربات على سعر الصرف إلى خسارة اجتماعية كبيرة، أسهمت بتعظيم خسائر الحرب وانهيار الدولة كُليّاً، وإعادت هندسة المجتمع برمّته وطوّعته في خدمة نموذج اقتصادي باهظ الكلفة وغير قابل للاستمرار. أُوهم الناس بأن هذا النموذج هو الخيار الوحيد لاستقرار سعر الصرف، وأن مصرف لبنان يُمكن أن يلعب، كل الوقت، دور «صائد الأشباح»، على غرار أفلام الخيال المُخصّصة للتسلية، حيث يجري استخدام «التقنيات»، تُسمّى حالياً هندسات مالية، لحبس «الأشباح» وحفظها.
ولكن، هل شبح «انهيار الليرة» هو المخيف حقّاً؟ أم أن الخوف يكمن في مواصلة «صائد الأشباح» بإيهام الناس بأن «تقنيّاته» تحبس هذا الشبح، ويُجبرهم على دفع كلفة باهظة تدمّر عيشهم؟ أليس ما يشعر به الناس اليوم من خوف شديد على الليرة دليلاً على أن «الأشباح» ليست محبوسة أبداً، بل تتكاثر بفضل هذه التقنيات نفسها؟
ماذا يحصل اليوم؟ ففيما يخاف الناس بالفعل من تحميلهم كلفة خفض سعر الصرف، نتيجة ارتفاع درجة المخاطر في توظيفات القطاع المالي وتحوّل عجز ميزان المدفوعات إلى عجز بنيوي، ينجح رأس المال في تحويل أزمته إلى أزمة للناس ودولتهم، ويسعى إلى نقل كلفة مخاطره إلى المجتمع، وبالتالي تحويل احتمالات الخسارة إلى مكاسب جديدة وأرباح خيالية... هذا ما يعنيه العلاج بالتقشّف الذي يُردّده معظم المعلّقين، ويوصي به صندوق النقد الدولي وتتبنّاه الحكومة وتلتزمه، ولا يتردّد هؤلاء في الإفصاح عن مآرب من نوع «أن هذه الطريقة هي الوحيدة لتفادي وصول الدولة إلى حالة عجز عن سداد دينها». وهذا ما يعنيه طرح زيادة الضرائب على الاستهلاك حفاظاً على امتيازات رأس المال الكثيرة والسخيّة، بحجّة أن «الضرائب تمنع تدفق رأس المال الخارجي وتضعف القدرة على حماية سعر الصرف». وهذا ما يعنيه أيضاً اللهاث خلف الخصخصة والشراكة مع القطاع الخاص، إذ علينا أن نتذكّر دائماً أن من يستحوذ على الثروة والدخل هو نفسه المُعفى من عبء الضريبة، وهو نفسه الذي يُقرض الدولة ويربح الفائدة، وهو نفسه من يستطيع اقتناء أصول الدولة وشراء أملاكها والاستحواذ على مصادر دخلها وريوعها. وهذا ما يعنيه إصرار مصرف لبنان على تنفيذ هندسات مالية، حوّلت عملية خلق النقد إلى عملية إعادة توزيع ضخمة من المال العام إلى رساميل المصارف وودائع الأثرياء.
إذا كان الشبح المطلوب اصطياده اليوم هو شبح «انهيار الليرة»، فهل هناك من يجروء على مصارحة الناس بأن كل هذه «التقنيات» لا تصطاد هذا الشبح بالذات، بل تحبس الناس في خدمته وتجعلهم رهينته؟
لفترة طويلة من تاريخه، يقف المجتمع اللبناني على «حافة الهاوية»، وفق التعبير الإعلامي الدارج، ويعيش خوفه المتواصل من السقوط، إلى درجة «الشلل الكلي» و«العجز الدائم» في مواجهة أشباحه. هذه «الحالة» ليست طارئة أو مُستحدثة، بل تكاد تُشكّل «النظام» الذي تأسّست عليه «الدولة» وتطوّرت. ولا غلو في هذا التوصيف، ما دام «اللبنانيون» تعلّموا الخوف نفسه في كل تاريخ محاولة بناء اجتماعهم، وهم يعيدون تأكيد صحّة «الدرس» بعد كل حدث عنيف أو تهديد بالعنف، متجاوزين الأكلاف الباهظة جدّاً التي يتحمّلونها هرباً مما يعتبرونه «المجهول». هذه «الحالة» المعروفة، ترسي وترسّخ ما يُسمّى «استبداد الوضع القائم»، وهي ممارسة سياسية تجد جذورها حتى في التراث والفقه، حيث يجري تسويغ «الخضوع» لـ«درء الفتنة» أو الدعوة إلى «التقية» لـ«درء الضرر» أو التحذير من الوقوع في «الخطيئة» فـ«لا تدخلنا في تجربة، ولكن نجِّنا من الشرير»... وهي أيضاً منظومة ثقافية تجد تعبيراتها في الكثير من الأدوات والوسائل والنظم التعليمية، كالأمثال الشعبية (مثلاً) التي تردّد أن «الباب يلي بيجي منو الريح سدّو واستريح»، وأن «العين بصيرة واليد قصيرة»... وأن «هيدا لبنان»، هكذا وُلد وهكذا يموت. فماذا يعني أن يردّد بعض السياسيين والاقتصاديين والمصرفيين على مسمع الناس أن انهيار الليرة أو إفلاس مصرف أو خسارة مودع لبعض أرباحه هي بمثابة مسائل وجودية: إذا انهارت الليرة انهار لبنان! المصارف ولبنان صنوان ينوجدان معاً ويزولان معاً... فما هذا اللبنان؟ وأي دولة تلك التي تُخبر شعبها كل يوم أن وجودها ووجودهم مرهونان بمدى خدمتهما لمصالح أصحاب الثروات الكبيرة؟