يجب عليك أن تجعل كل ما تملك قابلاً للبيع، أي: مفيداً. فإذا ما سألتَ عالِم الاقتصاد السياسي: «هل أكون مُلتزماً بقوانين الاقتصاد إذا ما كسبت المال عن طريق عرض جسدي للبيع بتسليمه لشبق إنسان آخر؟ أم أنني لا أكون مُلتزماً بتلك القوانين إذا ما بعت صديقي (عبداً) للمغاربة؟». عندها سيجيبني عالم الاقتصاد السياسي بالقول: «إنك لم تتجاوز بهذين العملين على قوانيني؛ ولكن راجع ما يقوله ابن عمّنا «الأخلاق» وابن عمّنا «الدّين» بصددهما. أما منظومة أخلاقي الاقتصادية وديني الاقتصادي فلا يؤاخذانك عليهما بشيء».

ولكن بمن ينبغي لي أن أؤمن الآن: بالاقتصاد، أم بالأخلاق؟ إن أخلاق الاقتصاد السياسي هي الامتلاك، والعمل، والبخل، والتقشّف – ولكن الاقتصاد السياسي يَعِدُني بتطمين حاجاتي؛ وأخلاقيات الاقتصاد السياسي هي الوفرة في الضمير الخيِّر، وفي الفضيلة. ولكن كيف يتسنّى لي أن أحيا فاضلاً إذا ما تعذّر عليَّ أن أحيا أساساً (قوانين النظام الاقتصادي تفرض عليَّ الموت من الجوع إن لم أبِع نفسي)؟ وكيف يتأتى لي أن أمتلك ضميراً خيِّراً إذا كنت جاهلاً بكل شيء (قوانين النظام الاقتصادي تفرض عليّ الحرمان من العلم)؟ إن من أخص طبائع الاغتراب هو أن كل منظومة تطبِّق عليَّ مسطرة مختلفة ومتضادّة: مسطرة للأخلاق، ومسطرة أخرى للاقتصاد؛ وكلتاهما تكرّسان غربة الإنسان، وتركّزان على فصم نشاط حيوي أساسي؛ وكلتاهما تقف على علاقة فصامية مع الآخر؟ وهكذا، فإن السيد ميشيل شيفالييه (ويرمز إلى مُثُل الفضيلة) يوبِّخ ريكاردو (ويرمز إلى قوانين الاقتصاد) لكون الأخير يتجاهل المُثل الأخلاقيّة. ولكن كل الذي يفعله ريكاردو هو أنه يسمح للاقتصاد السياسي بأن يتكلّم بلغة الاقتصاد نفسها. فإذا ما كانت هذه اللغة لا تنطق بالأخلاق، فإن الذنب في ذلك ليس هو ذنب ريكاردو. فمثلما كان السيد شيفالييه لا يضع بالاعتبار الاقتصاد السياسي كلّما انهمك في الوعظ الأخلاقي، فإن عليه فعلاً وبالضرورة أن يتجاهل المُثل الأخلاقية عندما يمارس الاقتصاد السياسي.
إن العلاقة بين الاقتصاد السياسي والأخلاق – إن لم تكن علاقة اعتباطية ومشروطة، أي بلا أي أساس ولا أي علمية؛ وإذا لم يتم عرضها من أجل المظاهر، بل يُراد لها أن تكون جوهرية – لا يمكن إلا أن تكون بصيغة العلاقة التي تربط قوانين الاقتصاد بالمنظومة الأخلاقيّة (وليس بالعكس). فإذا لم تكن هناك مثل هذه العلاقة، أو إذا كانت الحالة هي بالعكس، فهل بمقدور ريكاردو تفادي ذلك؟ وعلاوة على هذا، فإن التعارض بين الاقتصاد السياسي والأخلاق ليس إلا تعارضاً سطحياً، بل هو في الواقع ليس تعارضاً أبداً بمعنى المعارضة؛ كل الذي يحصل هو أن الاقتصاد السياسي يُعبِّر عن القوانين الأخلاقية على طريقته الخاصة.

كارل ماركس
المتطلّبات البشرية وتقسيم العمل تحت سلطة الملكية الخاصّة ـــ 1844