يقود رئيس الجمهورية ميشال عون تحرّكات ضاغطة من أجل عودة أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين إلى سوريا. يُردّد في اتصالاته ولقاءاته أن «عودة النازحين السوريين إلى بلادهم لا يمكن أن تنتظر الحلّ السياسي للأزمة السورية، الذي قد يتطلّب وقتاً، وأن إمكانات لبنان لم تعد تسمح ببقائهم على أرضه إلى أجل غير مُحدّد، نظراً لما سبّبه ذلك من تداعيات سلبية على الصعد المختلفة، لا سيّما الوضع الاقتصادي».

تترافق هذه التحرّكات مع «المتغيرات التي تحصل ميدانياً (في سوريا)»، وفق ما صرّح به الرئيس عون أمام ممثلي «مجموعة الدعم الدولية من أجل لبنان» (14 حزيران/ يونيو 2018). برأيه، أن «عودة النازحين السوريين باتت مُمكنة، على مراحل، إلى المناطق التي باتت آمنة ومستقرّة في سوريا، وهي تتجاوز بمساحتها خمس مرات مساحة لبنان، ومعظم النازحين في لبنان يقيمون في هذه المناطق التي أصبحت آمنة».
تعكس هذه المقاربة طوراً «جديداً» من أطوار الصراع الجاري في سوريا. فمع التقدّم المتواصل للنظام السوري وحلفائه على الأرض، تزداد مسألة اللاجئين حضوراً على طاولة المفاوضات ولعبة تعديل التوازنات، بوصفها «ورقة» مهمّة يريد كل طرف أن يلعبها بما يخدم مصالحه ويحسّن شروطه في «الحل السياسي». هذه اللعبة متوقّعة، ويشترك فيها معظم اللاعبين الدوليين والإقليميين والمحلّيين على جبهتي الصراع، كل وفق موقعه وموقفه وأهدافه. وبالتالي، ليس مفاجئاً أن يتحوّل «اللاجئون» إلى ما يشبه «الرهائن». ولكن ذلك لا يعني أن تدفّق أكثر من 5 ملايين لاجئ من سوريا إلى الدول المجاورة (لبنان وتركيا والعراق والأردن) لم يمثّل عامل ضغط مؤثّراً ومهمّاً وحقيقياً، يفرض نفسه على جدول الأعمال، ولا يمكن مواصلة التعامل معه بالإنكار فقط.
تفيد التقديرات المُتداولة حالياً أنه لا يزال في لبنان أكثر من مليون لاجئ سوري، يشكّلون أعلى نسبة لاجئين في العالم قياساً إلى عدد السكان في البلد، وفق تصنيفات الأمم المتحدة، ويمثلون «طفرة سكانية» مُفاجئة، ساهمت بزيادة عدد السكّان المقيمين من نحو 4.3 مليون نسمة في عام 2010 إلى نحو 6 ملايين نسمة في عام 2016، وفق تقديرات البنك الدولي، أي إن ثلث المقيمين في لبنان في عام 2016 كانوا من نتاج التحرّكات الديموغرافية السريعة جداً، التي حصلت في غضون 6 سنوات فقط، وهذا بذاته يجب أن يكون مبعثاً للقلق لدى اللبنانيين واللاجئين على حدّ سواء.
حتى الآن، طغى خطابان يساهمان في ترسيم انقسام وهمي: واحد يكتفي بالخطاب «الأخلاقي» أو «الإنساني»، وهو خطاب ضروري يجدر التمسّك به، ولكنه لا ينجح وحده في بناء قاعدة اجتماعية يمكن أن تتولّى تحييد اللاجئين السوريين في لبنان. في المقابل، يزدهر خطاب شعبوي، يستقطب قاعدة اجتماعية واسعة، يحمّل اللاجئين كل المسؤولية عن التدهور الحاصل في الاقتصاد اللبناني وسوق العمل ومستوى معيشة الأسر. وهذه طريقة تقليدية معروفة للتنصل من المسؤولية عبر رميها على «المتطفّل الأجنبي».
يستخدم الخطاب الشعبوي «الأرقام» لإثارة ذعر مبالغ فيه، سواء بهدف توسّل المساعدات الخارجية أو بهدف حشد التأييد الداخلي. وتوجد طريقة بسيطة مُعتمدة لتضخيم الأرقام وتضخيم أثر اللاجئين الفعلي، إذ يجري الخلط، عن سابق تصوّر وتصميم، بين الآثار المترتبة على الصراع في سوريا والتغيّرات الإقليمية وأزمة الاقتصاد العالمي وبين الخسائر أو الأكلاف التي ترتّبت على زيادة عدد السكان، وأنماطها والفئات المُتضرّرة منها حقاً، وهي في الأساس فئات الدخل الأدنى التي تقيم خارج المناطق المدينية الرئيسة على الساحل اللبناني بين طرابلس وصيدا. ففي وثيقة رئاسة الحكومة إلى اجتماع «باريس 4» مثلاً، تمّ تحميل مسؤولية تنامي العجز المالي وارتفاع المديونية العامة إلى الضغوط الناتجة من اللاجئين السوريين، أمّا رئاسة الجمهورية فقد سلّمت المشاركين في اجتماع «مجموعة الدعم الدولية من أجل لبنان» إحصاءات تفيد أن الاقتصاد اللبناني تكبّد نحو 10 مليارات دولار، كخسائر مباشرة على القطاعات، بسبب تدفق اللاجئين السوريين، ومنها خسائر بقيمة 635 مليون دولار للقطاع المصرفي! و7.6 مليار دولار للقطاع العقاري! و4.7 مليار دولار للقطاع السياحي! وكذلك مليار دولار للقطاع الصحي و2.2 مليار دولار في القطاع التعليمي... إن أي قراءة سريعة لمثل هذه التقديرات تُبيّن أنها، حتى ولو كانت صحيحة، فهي لا تمثّل كلفة اللاجئين، بل بالعكس، فقد يكون تدفقهم ساهم، في شكل أو بآخر، بتخفيف خسائر هذه القطاعات جرّاء انخفاض التدفّقات الخارجية والصادرات وإقفال الممرّات البريّة الوحيدة للبنان إلى العالم الخارجي وتراجع تدفّق السياح والتوظيفات في المضاربات العقارية. ففي الواقع، أدّى الإنفاق على اللاجئين إلى تعويض انخفاض الطلب الخارجي، كما شكّل تدفّق نحو 9 مليارات دولار من المساعدات، بمعزل عن كيفية صرفها، دعماً لميزان المدفوعات، الذي يُسجّل عجزاً مستمرّاً منذ عام 2011.
على الرغم من ذلك، يشعر قسم كبير من اللبنانيين أن هناك صلة وثيقة بين أوضاعهم المتردّية ووجود هذا العدد الكبير من اللاجئين. ففي المناطق التي يتركّز فيها اللاجئون (عكار والبقاع الأوسط تحديداً)، عبّرت 44% من الأسر اللبنانية المقيمة هناك أن «التنافس على الوظائف ومصادر الدخل بينها وبين أسر اللاجئين هو العامل الأكبر وراء المخاطر التي تواجهها» (تقييم هشاشة اللاجئين السوريين في لبنان – 2017). وهذه ليست مجرّد «مشاعر»، بل هي النتيجة الفاقعة للنموذج الاقتصادي الذي قام في تسعينيات القرن الماضي، على أساسات نظام الحرب الأهلية، وهو نموذج غير مُنتج، أعجز من أن يكون مهيّأً للاستفادة من وفرة اليد العاملة، حتى بالمفاهيم الرأسمالية الساذجة.
لنتخيّل السيناريو التالي: أنه في الشهور المتبقية من عام 2018، عاد كل السوريين اللاجئين إلى بلدهم (طواعية أو بالإكراه). لم ينتظروا الحل السياسي ولا إعادة الإعمار. حملوا أسرهم ومتاعهم وتركونا لحالنا... والآن، لنطرح السؤال على أنفسنا: هل يعني ذلك أننا في عام 2019 سنكون في وضع أفضل؟
لا حاجة للاستنجاد بالأرقام لإثبات أننا في عام 2010، كنّا في وضع سيئ، وأن تدفّق اللاجئين في سوريا لم يعمل إلّا كمُسرّع لأزمات بنيوية قائمة قبل ذلك بكثير.