يوم كان الجنوب سجيناً، بعدما حكم عليه بالاحتلال 22 سنة بتهمة المقاومة، كانت المعابر المشتركة بين القوات الإسرائيلية والعملاء تشكل بوابة هذا السجن وبداية حدوده. معابر عايش فيها الجنوبيون كل أنواع العذاب والقهر وأيقنوا من خلالها أن العبور إلى النصر لن يتحقق إلا بالمقاومة.


حين تسأل الجنوبيين عما إذا كانوا يذكرون تفاصيل معاناتهم على المعابر أيام الاحتلال، رغم مرور 15 عاماً على التحرير، يأتي الرد سريعاً وغاضباً: «هل ينسى صاحب الوجع ألمه؟ هل ننسى القتل والضرب والسرقة؟ هل ننسى أن السفر إلى بلدان بعيدة كان أسهل وأسرع من دخول قرانا القريبة؟ لا، لم ولن ننسى. النسيان يعني الزوال والموت، ونحن هنا في الجنوب لا نعرف الموت أو نهابه. قضيتنا لا تموت وشهداؤنا أحياء عند ربهم أما ذاكرتنا فصامدة حية لم يتعبها الزمن ولم تنهكها الحروب».
على معابر الشريط الحدودي، التي لا تزال تحتفظ بأسمائها مثل بيت ياحون وكفرتبنيت وباتر والناقورة وكفرفالوس وزمريا، وقف الجنوبيون ساعات طويلة تحت المطر الغزير والشمس الحارقة بانتظار الحصول على تصريح يخوّلهم دخول قراهم. يذكر كثيرون كيف كان العميل المسؤول عن المعبر يغلق البوابة بوجه المنتظرين منذ الصباح، قائلاً لهم بسخرية: «غداً يوم آخر، فاليوم لن نسمح لكم بالعبور». والتصريح هو عبارة عن ورقة صفراء تتضمن معلومات شخصية عن طالب التصريح ونوع سيارته، والمدة المسموحة له بالبقاء داخل الشريط. لكن الحصول عليه لم يكن بالمهمة السهلة. فإضافة إلى الانتظار الطويل، كان الأمر يتطلّب دفع خوّات ورشاوى للمسؤولين عن المعبر، كما لا ينسى الجنوبيون طرق التفتيش المعقدة داخل الغرف الضيقة وما يتضمنها من إهانات لفظية وجسدية عديدة.


في أول أيام التحرير
وقف الجنوبيون على المعابر
طوعاً لا مجبرين

لم تقتصر معاناة المعابر على الانتظار أو دفع المبالغ المالية. يروي أصدقاء للشهيد موسى قبلان كيف تم اختطافه على معبر بيت ياحون وإعدامه ورمي جثته في بئر قديم على أيدي العملاء وهو لم يبلغ السادسة عشرة من عمره. ذنبه الوحيد أنه غطى كتابه المدرسي بصفحة جريدة مناهضة للاحتلال. «لم يكن لدى عملاء لحد خطوط حمراء أو محرمات، حتى الموت لم يكن له اعتبار لديهم»، يقول رضا ذلك في معرض تذكره وقائع دفن والده في بلدته الجنوبية. يومها، وبعدما انتظرت الجنازة ساعات على المعبر، أنزل العملاء التابوت أرضاً، مزّقوا الكفن وفتّشوا الجثة جيداً». يقول رضا إنه «كان بوسع العائلة دفن الوالد في مدافن بيروت أو الضاحية لكنهم صمموا على تحمل الإهانات كافة والصعود بالجثمان إلى البلدة ليؤكدوا تمسكهم بالأرض التي ولدوا بها».
معاناة أخرى على المعبر ترويها زينب (26 سنة). وقتها كانت الطفلة زينب شاهدة على معاكسة أحد العملاء لأمها على مرأى من والدها الذي انتفض وضرب العميل، قبل أن يتكاثر العملاء وينهالوا عليه بالضرب المبرح. لم تقف حقارة العملاء عند حدود إهانة الأم وضرب الأب، ليقوم عميل آخر بصفع الطفلة وسرقة لوح الشوكولا من يدها. تصف زينب تلك الواقعة بالتجربة الأسوأ التي مرت بها.
رغم الظلم والبطش، كان سهلاً على الجنوبيين رؤية الخوف في عيون الصهاينة والعملاء على حد سواء، لعلمهم أن معظم العابرين هم من البيئة المؤيدة للمقاومة، كما أن المعابر كانت تستهدف من قبل المقاومة بشكل متواصل. فمعبر باتر شاهد على العملية الاستشهادية التي قامت بها عروس الجنوب سناء محيدلي، كما تعرضت المعابر الأخرى لعشرات العمليات الجهادية بعد تأكد المقاومين من خلو المعبر من المدنيين.
في أول أيام التحرير، وقف الجنوبيون على المعابر طوعاً لا مجبرين. أزالوا البوابات والحواجز، سجدوا سجدة الشكر ورقصوا بحلقات الدبكة على أنغام أناشيد المقاومة وأغنيات جوليا، وهي أغنيات كانت ممنوعة داخل الشريط أيام الاحتلال. واستبدلت شعارات «جيش لبنان الجنوبي» بأعلام لبنان والمقاومة لترفع على المعابر اللافتة التي تقول: ادخلوها بسلام آمنين.
يوم كان الجنوب سجيناً، لم يفرج السجان عن السجين، بل كسر الجنوب زنزانته منطلقاً نحو الحرية والتحرير، فانسحب العدو الإسرائيلي، وانتهى جيش لحد، وأزيلت المعابر، ليبقى الجنوب لأهله ومقاومته ومحبيه الذين يؤمنون في أكثر من أي وقت مضى، أن زمن الهزائم قد ولى وجاء زمن الانتصارات.