في فترة الصوم المسيحي الكبير، تدقّ عقارب ساعات نهار الشيف أنطوان الحاج وهو برفقة تلاميذه محاطاً بالمأكولات والأطباق. ربما كانت الرائحة الذكية في مطبخه السبب وراء اعترافه بصعوبة الصوم فترة الخمسين يوماً. لكنه وجد حلاً، وقرّر أن يصوم يومين كاملين، في أوّل الفترة وفي نهايتها. ويواصل، طوال أيام السنة، امتناعه عن تناول اللحوم كلّ يوم جمعة، ما يجعل من السؤال عن وصفات مأكولات «القاطع» التي يطلبها الصائمون بديهياً وممتعاً بالنسبه إليه.


في صالون المدرسة الفندقية الواسع، يحاول الشيف أنطوان الإجابة عن جميع الأسئلة، غير أن تولّيه منصباً إدارياً فيها يتيح دائماً خرق الموظفين والزملاء للجلسة. الجميع هنا يسألون عنه، ينتظرون منه إشارة لمباشرة عمل ما، أو الاستعلام عن وصفة محددة. في حين يختصر هو ما يريده بـ«تسهيل حياة الطهاة على اختلاف مراحل خبراتهم ومواهبهم». «الشيف» الذي يربط نجاحه بحبّ المرأة اللبنانية لأسلوبه، لا تفوته ملاحظة أن الطهو لا يقتصر اليوم على النساء، مسجلاً خرقاً ذكورياً في قاعدته الجماهيرية التي تتابعه، إذ إن «الرجل أيضاً يحب الطعام ويريد تحضير ما لم تستطع شريكته طبخه له».

الطبخ للجميع

يبدو الحاج كمن يسير على مقولة «الطبخ للجميع». فيقدّم وصفات سهلة يمكن أن يلتزم بها كثيرون. وفي حين يخشى طهاة المنازل من الغرق في التكرار، بما أنهم لا يتقنون الكثير من المأكولات الصيامية، فإن الشيف أنطوان يقدّم لهم أفكاراً متنوعة تغني العين بألوانها الشهية.
يعرض في حديثه أبرز هذه الوصفات، ويساعده زميل له في تذكر بعضها، فيقول: «محشي سلق بالزيت، ضلوع سلق بالطحينة، فاصوليا متبلة، حمص بالطحينة، باذنجان الراهب، حمص بيروتي أو بالحب، ورق عنب، مجدرة، وطبعاً السلطات المتبلة على أنواعها». ويذكّر بأن مكوّناً واحداً من أطباق الصوم يمكن عرضه بطرق مختلفة. ففي الحديث عن القرنبيط، «يجوز تقديمه مقلياً، متبلاً بالزيت، كبة القرنبيط، سلطة القرنبيط، ويخنة القرنبيط».
لكن طبق «الشيف» المفضل هو «الحمص المتبّل»، الذي ينصح جميع الشباب والطهاة الجدد بتحضيره نظراً إلى سهولة هذه العملية. يقول: «إنني أعشق هذا الطبق، شرط أن يكون قد طبخ بشكل ممتاز». ويتوجه بحديثه إلى الفئة الشابة، وخصوصاً أولئك الذين سكنوا منازل بعيدة عن بيت الأهل لأسباب مهنية وتعليمية، سارداً وصفته الخاصة لتحضير طبقه المفضل: «تبدأ العملية مع وضع حبوب الحمص في المياه فترة 12 ساعة، ثم تصفيتها ورشّ كربونات لمدة عشر دقائق، فمعاودة غسل الحمص في المياه مرة أخيرة قبل طبخه على نار متوسطة مدة 45 دقيقة». أما عن عملية التتبيل، وهي الأهم لإعطاء النكهة للطبق، فيجب إضافة «حص ثوم، كمون، زيت زيتون، وعصير الحامض لمن يحب فوق حبوب الحمص والمياه التي طبخت فيها».
وكيف ينصح «الشيف أنطوان» من التزم حمية غذائية وهو يريد الصوم؟ يجيب «سهلة جداً، يمكن تناول جميع المأكولات شرط تفادي الزيوت والمواد الدهنية أو المعجنات التي تحوي مواد دهنية». كذلك، يشير إلى إمكان هذه الفئة من الناس تناول وجبات التونا أو السردين، واختراع وجبات بواسطة هذا النوع من المعلبات. ينصح الشيف باختيار التونا المحفوظة في الزيت، لا المياه، نظراً الى المواد الحافظة التي يحتويها هذا النوع الأخير.
يسمح الصوم المسيحي بأن يمتنع المؤمن عن نوع معين من المأكولات ولا يرتكز على قواعد موحدة محددة. من هنا، لا يمتنع الجميع عن تناول الحلويات، غير أنهم يحافظون على نظام غذائي خال من مشتقات الحيوان. لهؤلاء، ينصح «الشيف» بتحضير «الصفوف» و«النمّورة». كما يستبدل الحلويات المصنوعة من حليب وبيض بالمربى المصنوع في البيت كـ«تحلية» بعد الوجبة الرئيسة، وإن كان «الشيف» يتمسّك بفكرة أن الصوم يقوم على الامتناع عن الاستمتاع بالطعام، أي بمعنى آخر عدم تذوّق الحلويات.

نجم «تلفزيون لبنان»

هذه الوصفات، التي تشكل جزءاً يسيراً من مطبخ الشيف أنطوان صدرت العام الفائت في كتاب يضمّ نحو 600 طبق لبناني في الغالب، وتتنوّع بين الأطباق الرئيسة والسلطات والمعجنات والحلويات. وجاء هذا الكتاب بعد سنوات من الظهور التلفزيوني، جعلت من «الشيف أنطوان» نجماً محبباً للرجال والنساء على حدّ سواء. ويعيد السبب إلى الجهد الذي بذله بالتخطيط والتحضير لوصفاته.
تحدّى «الشيف أنطوان» ذاته، عارضاً خبرته في فن تحضير الطعام على الهواء مباشرة متفاعلاً مع المتلقي. ونجح في الحفاظ على قائمة طعام المطبخ اللبناني الكلاسيكية، إلا أنه أضاف عليها الكثير. اخترع وصفات متنوعة، استورد بعضاً منها من الخارج، إلا أنّه قدم ابتكارات على الصعيد المحلي أكثر منه العالمي. وهو يبرّر خطة عمله هذه بكونها واحداً من عوامل نجاحه، إذ «لا يبحث هواة الطهو في لبنان عن مكوّنات تعجيزية، بل عما هو سهل وقريب».
ينظر الحاج الى المرأة اللبنانية ككائن ذكي ولا يمكن خداعه، وخصوصاً في ما يتعلق بمطبخها. وإذ يرى أن مهنة الطهو «رائعة في لبنان، وحلوة كثير» يعتبر أن غياب المرأة اللبنانية من الصفوف الأمامية فيها سببه صعوبة العمل في المطبخ والفنادق. ويختم حديثه ويتوجه صوب تلاميذه في المطبخ بعدما قرّر زيارتهم خلسة، مشيراً الى العنصر النسائي فيه مبتسماً وقائلاً بلهجته الجبلية المحبّبة: «ألف صحتين، بأمر عيونكم!».