كلما كان الشعب قديماً في أرضه، كانت عاداته كثيرة. لذا، تعدّ العادات والتقاليد في علم تطور الفكر الإنساني دلالة واضحة على الهوية والانتماء. وعيد القديسة بربارة يكرس هذه النظرية، ويبرز الفرق بين العادات المتوارثة وتلك المستوردة حديثاً. ففي زمن العولمة، قرر أصحاب الفنادق والمطاعم دمج عيدي القديسة بربارة و«هالويين» الغربي. فأتت حفلات التنكر للتسابق مع بعضها البعض، ولأن هالويين يحظى بدعم من هوليوود، ومن كل أفلام الرعب الأميركية، يكاد هذا العيد المستورد أن يقضي على موروث ثقافي عمره 1700 سنة. والفرق بين العيدين مهول، فصلة الوصل الوحيدة بينهما هي التنكر. عيد بربارة هو عيد شعبي على أساس ديني مسيحي، لكن «هالويين» هو عيد لديانات ما قبل المسيحية. فهالويين هو ذكرى إيرلندية لليوم الذي تخرج فيه الأرواح الشريرة من الغابات، وتطوف الأرض بحثاً عن أحد تختطفه. وأشكال هذه الأرواح بشعة وغريبة تثير الخوف في النفوس. من هنا، كان الالتجاء الى المنازل في ايرلندا ضرورة، ولم يكن أحد يخرج من منزله في تلك الليلة، لكن، مع دخول المسيحية الى ايرلندا، جرى تحديث هذه الذكرى وتطويرها، فبات البشر يلبسون الأقنعة ويخيفون بعضهم بعضاً. وخاصة الأطفال منهم.

أما عيد القديسة بربارة، فهو عيد شرقي تقليدي ومحدود جغرافياً. فأحداث القصة التي جرت في بعلبك، لم تدخل في الطقوس الدينية المسيحية في تركيا او العراق، بل هي عادة محلية بامتياز، وترتكز على واقع جغرافي وآخر تاريخي. وإذا كان من النادر جداً أن تقطع العادات الزمن محافظة على طابعها بأكمله، فإن بقاء بربارة حتى عصرنا على حالها سببه صمود الحضارة المسيحية الشرقية على تقاليدها كل هذه المدة، كما أن الإرساليات الغربية التي عملت، وجهدت منذ 300 سنة، على تلاقي المسيحية الشرقية بالمسيحية الغربية لم تعتبر أن التقليد بحاجة الى تغيير، فتركته يسير بسلام عبر الأجيال، علماً أن بربارة تقليد ديني واحد وصلنا، فيما ضاع الكثير غيره. فالمسيحية الشرقية اليوم لا تشبه نفسها قبل 400 عام، بل تغيرت وتطورت وتخلت عن موروث ثقافي لا يتماشى مع العصر ومعتقداته. من هنا تكمن ضرورة المحافظة على عادة بربارة بشكلها التقليدي، وضرورة عدم تحويلها الى سلعة تشبه هالويين. ويجب أن يبقى الطواف في الأحياء سائداً، ومن الضروري أن يعرف الأطفال العدية التي هي قصة القديسة، وإن كان لا بد من تطوير العادة وإدخالها في عالم القرن الحادي عشر، فسيتحول العيد الديني الى حفل تنكري واسع يُحتفل به في المطاعم.