ورشة كبيرة تأخذ مجراها في شارع زقاق البلاط. إنها عملية تشويه للقصور القديمة والعريقة التي لا يزال الشارع يحافظ عليها. أول عملية هدم هي لمبنى دار عكر (الواقع على تقاطع زقاق البلاط ــــ القنطاري) والتي بدأت ليلة السبت ــــ الأحد. حينها، ولسبب مجهول، قُطع التيار الكهربائي عن المنطقة، وبدأت عملية الهدم للمبنى من الداخل، ومن الزاوية البعيدة عن الطريق العام، بحيث لا ينتبه المارة إلى ما يجري.

ولكن، ما إن علمت المديرية العامة للآثار بالأمر حتى أبلغت المحافظ الذي أمر بوضع نقطة حراسة أمام المبنى، فتوقفت الأعمال. ويأتي تدخّل القوى الأمنية لأن وريث العقار لم يحصل على إذن بالهدم طالب به عدة مرات. فالقصر المصنّف على لائحة الأبنية التراثية لمدينة بيروت بدرجة «ت» يمنع هدمه على نحو قاطع، وذلك تبعاً لقرار مجلس الوزراء منع الهدم الذي صدر في التسعينيات، والذي جدّد في السنة الماضية. ولكن صاحب العقار قرّر الضرب بكل هذه القرارات عرض الحائط، وبدأ الهدم لكي يضع السلطات أمام الأمر الواقع، ويعمل من بعدها على إيجاد حل وسطي يسمح له باستبدال القصر الذي يزيد عمره على المئة سنة ببرج حديث، مع بعض التعديلات. وهذا ما حدث فعلياً في السنة الماضية حين جهدت الوزارة لإيجاد حل وسطي لمبنى مسرح الأنجا في طرابلس، بعد أن غضّت النظر عن المخالفات القانونية التي جرت. ولكن، تعد وزارة الثقافة هذه المرة بأنه ستكون هناك ملاحقات قانونية بحق مالك العقار. وبانتظار ذلك، يبقى عناصر السرية أمام الباب وأعينهم صاحية على دار عكر من جهة وقصر حنينة من جهة ثانية.
فالقصر المعروف ببيت داهش أدرج في السنة الماضية على لائحة الجرد العام، ولكن في الأيام الماضية وقعت واجهته الشمالية. تقول الشائعة إن ونش الورشة التي تعمل بالقرب من القصر ضرب خطأً الواجهة الأساسية للبيت، فوسّع الشق القديم وهدم أجزاءً كبيرة من الحائط، مسبّباً انهيار الحجارة إلى الداخل. ولا تزال الرقعة تتّسع يوماً بعد يوم، فتبرز من قصر، قلّما تحافظ العاصمة على مثيل له، ثلاث قناطر في البهو الأساسي، ورسومات وزخارف رائعة تزيّن السقف. ورغم الأوساخ والأغراض التي تغطي الأرض، لا يزال البلاط الإيطالي القديم يبهر بجماله. قصر حنينة يسكنه منذ أكثر من سنتين عمال سوريون، يستحمّون في داخله ويطبخون في البهو ويتركون المياه تتسرب إلى أساسات جدرانه، نزولاً عند رغبة المالك الجديد (سعد الدين الوزّان) الذي يجهد منذ أشهر لهدم هذا المعلم التاريخي. ولكنّ وزارة الثقافة تقف له بالمرصاد، وهي تطلب منه الآن أن يعيد بناء الجدار المهدوم.
هل سينصاع أم سينتظر انتهاء فصل الشتاء ليكون الضرر الكبير قد حدث للدار؟ وحدها الأسابيع المقبلة ستكشف عن إرادة وزارة الثقافة في المدافعة عن تراث بيروت وتاريخها.