قرر أهالي سان بياترو، وهي جزيرة صغيرة في جنوب إيطاليا، (تابعة لسردينيا)، التنقيب عن الآثار في جبالهم. وراحوا، لهذه الغاية، يبحثون عن عالم آثار لبناني للقيام بهذه المهمة. لكن، لماذا لبناني؟ لأنهم مؤمنون بأن الآثار الدفينة في باطن جزيرتهم فينيقية. قصة قد تبدو مغامرة للبعض، لكن الدكتور وسام خليل، من قسم الآثار والفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية، قرر أن يخوضها، بعد أن تعرف إلى أصحاب المشروع في البلدة وشاركهم شغفهم. يقول خليل إن «العمل في هذا المشروع كان يشبه الحلم. نحن هنا أمام سكان قرية يريدون إحياء ماضيهم والمحافظة عليه والعمل على وضعه على الخريطة السياحية... في العادة، تكون الأمور معكوسة؛ إذ يذهب علماء الآثار إلى البلدات ويعملون على إقناع سكانها بأهمية مشاريعهم».

والغريب أنه ليس لسكان الجزيرة هذه الجزيرة أي رابط تاريخي بهذا الماضي البعيد؛ إذ إن أصلهم، كما يروون بفخر، من مدينة جنوى، التي أرسلهم حاكمها في القرن السادس عشر لاستعمار مدينة طبرقا التونسية، ففعلوا. لكن في القرن الثامن عشر خاضت المدينة التونسية معركة استقلالها فربحتها، ما جعل محتليها مشردين، فأعطاهم ملك إسبانيا سنة 1738 جزيرة سان بياترو ليعيشوا عليها. ولم تكن الجزيرة في حينه مأهولة، فأرسل الملك باحثاً يدعى أغوستينو تايلافيكو ليكشف على الأرض ويتأكد من صلاحيتها للسكن. ويقول خليل إن تقرير تايلافيكو أهم وثيقة تاريخية عن الجزيرة؛ «لأنه يصف الآثار المنتشرة عليها من أبراج وقبور محفورة في الصخر. لكن مع الأسف، لم تؤخذ تلك البقايا في الاعتبار حينما شيد سكان الجزيرة الأوائل مدينتهم، بل حددوا أسوارها وبنوا منازلهم وكنيستهم وساحتهم داخلها، وأطلقوا عليها اسم كارلو فورتي، وتمثّل هذه النواة الآن ما يعرف بوسط البلدة التاريخي».
هذا البحث الأثري ليس الأول من نوعه على الجزيرة؛ ففي أربعينيات القرن الماضي، عملت بعثة إيطالية على تحديد تاريخ الجزيرة الأثري، وعثرت على مخلفات أبنية تعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، وهي أبراج دائرية ضخمة معروفة بآثار الحضارة الموراجية (muragique) الخاصة بسكان جزر جنوب إيطاليا. وعثر العلماء أيضاً على قطع من الفخار تعود إلى القرنين الثامن والتاسع قبل الميلاد، أي الفترة الفينيقية، وكذلك عثروا على آثار رومانية. لكن ما ليس معروفاً بعد، هو السبب الذي دفع سكان الجزيرة إلى إخلائها، علماً أنها تعرضت (كبقية مدن الامبرطورية الرومانية) في القرن الخامس إلى هجمات شعوب الفاندال، ويرى خليل أن إخلاء السكان ربما بدأ حينها، وخصوصاً أن المراجع التاريخية تشير إلى الجزيرة، بين القرن الخامس والقرن الثامن عشر، كأبراج للمراقبة، أو كمقر مؤقت
للقراصنة...
لكن مع بناء كارلو فورتي والتكاثر السكاني، تغيرت الحركة الاقتصادية التي كانت تتركّز أساساً على صيد الأسماك والعمل في المناجم. ومع النهضة السياحية التي بدأت في سبعينيات القرن الماضي والتي وصلت إلى سردينيا، تغير النمو الاقتصادي في سان بياترو؛ إذ إن العائلات الإيطالية الآتية من الشمال، التي تتميز بدخلها المرتفع، عثرت بين أزقتها على ما ترغب فيه من الشمس والبحر والسمك الطازج، والحياة القروية البسيطة. فبدأت عملية بيع البيوت على الجزيرة للسياح الذين يقصدونها صيفاً، ويوفّرون للسكان دخلاً معتبراً.
ويقول خليل إن العمل لتحديد المعالم الأثرية وتاريخها بدأ أخيراً، وجرى الكشف على 50 معلماً ما بين آبار وقبور منحوتة في الصخر وطرقات معبدة (لا تزال تحافظ على حجارتها)، وجسور وأفران قديمة. وعن تاريخ هذه المعالم، يشير إلى «أن المشكلة تكمن في السرقات التي تعرضت لها هذه المعالم سابقاً، فأفرغتها من القطع الأثرية الظاهرة، ولكن الحفريات التي ستجري في السنتين المقبلتين مع فريق متعدد الجنسيات ستوفّر لبلدية كارلو فورتي المعلومات التي ستسمح لها بتقديم الممرات الأثرية للسياح».
أهالي سان بياترو التي لا تزيد مساحتها على 50 كيلومتراً، ولا يتجاوز عدد سكانها 6500 شخص، عرفوا النهوض الاقتصادي من باب السياحة الثقافية، ودخلوا خريطة السياحة العالمية، ليس من باب مرافئ اليخوت والمنتجعات، بل من باب مطبخهم الشعبي وأحيائهم الضيقة، وابتداءً من السنة المقبلة من آثارهم.