الأزمة هذه المرة أزمة بيض. فخلال السنوات الأخيرة، بدأت الأزمة تشتد: مزارع دواجن أقفلت نهائياً، بعدما تكبد أصحابها خسائر عالية جداً، والبعض الآخر اضطر إلى إبقائها مرغماً، لسببين: أولهما عدم إيجاد بديل لمهنة أتتهم بالمال الوفير سابقاً، وثانيهما «المثابرة» للحفاظ على استمرارية هذا القطاع المهم على صعيد الإنتاج المحلي، حسب ما يقول محمد مجيد، صاحب مزرعة لتربية الدجاج «البياض» في البقاع.

أبقى مجيد على مزرعته للسبب الأول، وهو أنه لا يملك مورداً آخر للرزق. لا يجد هذا الرجل مفراً من الحفاظ على «ما بقي» من طيور لأجل لقمة العيش، لكنه يخاف من اليوم الذي يصل فيه إلى اليوم «اللي ما بعود عندي ولا طير»، والسبب؟ هو نفوق الطيور بسبب مرض الطاعون «نيوكاسل». يقول مجيد إنه «لم يبق من طيور المزرعة سوى 4800، بعدما كان العدد 6200، فضلاً عن تدني إنتاج الأعداد الباقية بنسبة 30%». لكل هذه الأسباب، لم يعد لدى الرجل المال الكافي لاستبدال «أفواج» الدجاج القديم بآخر جديد، ويوضح أن «ارتفاع كلفة التربيّة وعدم قدرتنا الماديّة على استبدال الفوج القديم، الذي بلغ من العمر نحو 20 شهراً، بآخر جديد، دفعنا إلى اتباع طريقة تشليح الدجاج»، وهي الطريقة التي تتلخص باستبدال الطيور لريشها القديم بآخر جديد، بعد قطع مياه الشرب عنها بشكل تام لمدة 48 ساعة، والعلف لفترة 10 أيام متتاليّة. وأفاد بأن الهدف من ذلك «هو التخلّص من التهابات يتعرض لها عادةً جهاز المبيض مع تقدّم عمر الدجاجة، وتجديد نشاطها بعد ارتفاع نسبة الكالسيوم وزيادة كميات إنتاجها من البيض تدريجاً بنسبة 80%، وذلك بعد فترة انقطاع تراوح بين 40 و45 يوماً». وتساعد هذه الطريقة «في الحفاظ على مستوى الإنتاج لفترة 6 أشهر إضافيّة تزيد على 20 شهراً، وهي المدة القصوى لعمر الدجاج البيّاض قبل بيعه».
لكن، كل هذه «المصائب» انعكست إيجاباً على أسعار البيض في السوق. وهنا، يشير رئيس نقابة منتجي الدواجن في لبنان الدكتور رضا الميس إلى أن «أسعار البيض في السوق ارتفعت»، لافتاً إلى أن «هذا الارتفاع فرضته عوامل عدة، أبرزها تدني نسبة إنتاج البيض المحلّي بنسبة 30%، وازدياد الطلب عليها بعدما تراجعت كمياتها من 4000 إلى 2000 صندوق يومياً، وذلك بعد نفوق نحو 600 ألف طير من الدجاج البيّاض بسبب مرض نيوكاسل الذي انتشر في بلدان شرقي البحر المتوسط». وأشار إلى أن ارتفاع أسعار البيض في الأشهر الأخيرة، «كان محور اللقاء الذي جرى قبل 3 أسابيع بين وزير الاقتصاد والتجارة نقولا نحاس ووفد من كبار منتجي البيض في لبنان». وخلص الوزير إلى ضرورة «إيجاد السبل المناسبة لخفض الأسعار بما يتناسب مع أوضاع ذوي الدخل المحدود والأسر الفقيرة». وبحسب الميس، «حذّر الوزير خلال اللقاء من أن عدم التجاوب مع مطلبه، واستمرار الوضع على هذا المنوال، سيضطره إلى اتخاذ عدة خطوات، من بينها السماح باستيراد كميات كبيرة من الخارج»، وقد قابلت هذه التحذيرات «توضيحات من أصحاب الشأن، تثبت بالوقائع الأسباب التي تدفعنا إلى رفع الأسعار، فضلاً عن ارتفاع كلفة إنتاج 12 كرتونة من البيض، أو ما يعرف بالصندوق، التي تراوح بين 33 و37 دولاراً أميركياً». وتُضاف إلى كل هذا «نسبة أرباح تتوزّع بين المنتج وتاجر الجملة وأصحاب محالّ البيع بالمفرق». وعن احتمالات استيراد كميات من الخارج، أشار الميس إلى «أن الوزير تفهّم وجهة نظر الوفد الذي شرح صعوبة اللجوء إلى هذا الخيار؛ لأن الدول المجاورة تعاني الأزمة نفسها؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر، تباع كرتونة البيض في سوريا بأكثر من 185 ليرة سوريّة، أي ما يوازي ثمنها بالجملة في لبنان، وهو 5500 ليرة لبنانيّة، فضلاً عن تكاليف النقل وأجور العمال ونصيب التجّار من الأرباح». وتوقع «أن تتراجع الأزمة خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، بعد انحسار مرض الطاعون، وازدياد الطلب على شراء الآلاف من صغار الدجاج (الصيصان)، التي ستبدأ بإنتاج البيض». ومن خلال جولة قامت بها «الأخبار» على أصحاب مزارع الدواجن في البقاع الأوسط، أجمع هؤلاء على أن الأرباح التي حصلوا عليها في الآونة الأخيرة لا تغطي جزءاً من الخسائر التي كانوا قد تكبدوها سابقاً، مشددين على ضرورة عدم ربط ارتفاع أسعار البيض بالغلاء التصاعدي للمواد والسلع الاستهلاكيّة الأساسيّة.