لم تكن الجولة الميدانية على طول خط الحدود مع سوريا في مرتفعات سلسلة جبال لبنان الشرقية، من جبل الشيخ جنوباً وحتى عرسال شمالاً، سهلة وآمنة. فالاستطلاع الميداني لحال الحدود الوعرة وما يجري في أوديتها وتلالها وجبالها العالية، في زمن الحراك الشعبي والأمني والعسكري في الداخل السوري، يبقى محفوفاً بالمخاطر والقلق من أن «تندس» فجأة داخل الأراضي السورية من دون انتباه، أو أن تثير ريبة عناصر الجيش السوري المستنفرين، الذين لا يجدون حرجاً في مطاردة أي مشتبه فيه، ولو شكلاً، على المقلب الآخر من تخوم خط الحدود الضائعة المعالم. الاستنفار العسكري السوري الذي أنهى شهره الرابع يتابع عن كثب كل حركة «تدب» على حدوده المفتوحة مع لبنان، ومناظير المراقبة وانطلاق الآليات العسكرية وفرق «الهجانة» أصبحت، جميعها، سريعة الحركة بعدما كانت بطيئة طوال السنوات الماضية.

النشاط العسكري السوري على الحدود مع لبنان لا يقل شأناً عن التحرك العسكري اللبناني؛ فقد نجح الجيش اللبناني في ترميم السواتر الترابية التي كانت مرفوعة سابقاً على أكثر من 360 معبراً أو منفذاً غير شرعي منتشرة على طول خط الحدود الشرقية، إضافة إلى رفع سواتر ترابية جديدة داخل أودية وهضاب يعتقد أنها قد تصلح للاستخدام في أعمال تهريب متنوعة، ولقطع الطريق مسبقاً على مهربين مفترضين بين لبنان وسوريا، فضلاً عن زرع كمائن وتسيير دوريات راجلة ومؤللة على أكثر من محور. وأكد مصدر أمني لـ«الأخبار» أن الوحدات العسكرية التابعة للجيش اللبناني نجحت، بنسبة كبيرة، في ضبط خط الحدود البرية مع سوريا على طول مرتفعات وجبال سلسلة جبال لبنان الشرقية. ولفت إلى أن الأحداث في سوريا رفعت من مستوى العمل العسكري اللبناني وإجراءاته الأمنية والاستخبارية، موضحاً أن تنسيقاً «يجري بين الجيشين اللبناني والسوري في أكثر من نقطة حدودية، وأن تبادل المعلومات ليس سراً لما فيه مصلحة أمن البلدين». وتابع المصدر قائلاً إن التهريب التقليدي تراجع كثيراً، و«يمكن القول إنه معدوم نهائياً في هذه الأيام»، لافتاً إلى أن من يعمل في التهريب التقليدي «يرفض القيام اليوم بمغامرات مصيرها السلبي معروف سلفاً. فالتوتر داخل سوريا لا يسمح للمهربين على جانبي الحدود بحرية الحركة أو «الزعبرة»؛ لأن الأمر الآن ليس لعبة أو تسلية»، مؤكدا أن «القرار هنا وهناك واضح جداً: قمع هذه الظاهرة بشدة، وتحديداً في هذه الأيام، والغلط ممنوع».
الاستنفار العسكري والأمني على جانبي الحدود اللبنانية ـــــ السورية على طول الخط الشرقي منها، ألحق الضرر الكبير بمهربين يعتاشون من هذه المهنة. يقول شاب من بلدة عرسال كان يقطف الكرز في جرد بلدته، إنه كان يقوم بين يوم وآخر بعملية تهريب لمواد غذائية وكميات قليلة من المازوت و«لكن منذ بدء الثورة الشعبية على النظام السوري توقفت عن العمل حتى تتضح الأمور». ويتابع: «الإجراءات العسكرية السورية قوية جداً. أصبح صعباً علينا الدخول أو حتى دفع رشوة للهجانة من أجل غض الطرف عن عبورنا». ويضيف الشاب ضاحكاً: «هلق ما في مزح. القصة ما بدها بطولات. الرصاصة ببيت النار على راسك دغري». وينفي الشاب الثلاثيني علمه بأي أعمال تهريب أسلحة عبرت من جرد عرسال إلى سوريا، فـ«الجيش اللبناني يدقق كثيراً. وهون ما حدا بيسترجي يهرّب سلاح».

قلق وتعاون شعبي

عرسال الهادئة في هذه الأيام، لا يخفي أهلها قلقهم مما يجري في «الشقيقة سوريا». ويقول محمد عز الدين إنه منذ بدء الأحداث هناك «تراجع نشاطنا هنا. لم نعد نعرف العمل»، مؤكداً أن «التطورات السورية تنعكس علينا كثيراً؛ فالتهريب توقف نهائياً، ولا نخفي أننا نعتمد كثيراً على السوق السورية لشراء المواد التموينية وغيرها». ويوضح أن تصنيف عرسال أنها بلدة «معادية» لسوريا «ليس صحيحاً. نحن نحرص على أمن سوريا؛ لأنه من أمننا». ويتابع: «الإجراءات الأمنية اللبنانية على تخوم عرسال وغيابها نسبياً عن مناطق أخرى مجاورة لنا، يوحي أننا جانب غير موثوق به، وهذا مقلق لنا».
الكلام «العرسالي» ليس نابعاً من فراغ. فالنقاش بشأن حجم الإجراءات الأمنية اللبنانية الرسمية، وتشددها في موقع حدودي وتراخيها في آخر، ظاهر للعيان بوضوح. ولا ينفي مصدر أمني لـ«الأخبار» وجود إجراءات أمنية أكثر تشدداً في مناطق حدودية عنها في نقاط أخرى. ويوضح: «الأمر متعلق بالطبيعة الجغرافية. وليس صحيحاً على الإطلاق أن السياسة هي التي تتحكم بإجراءات أمنية كهذه». ويتابع: «المناطق الوعرة هي الأكثر احتمالاً لاستخدامها في أعمال تهريب، بينما الأكثر انكشافاً وسهولة في التحرك لا تستخدم عادة كمعابر تهريب. لذا، تكون مراقبة المناطق الوعرة والأودية النائية وغير المأهولة بالسكان أكثر متابعة».
ويشير متابعون لملف الحدود بين البلدين إلى أن «المناصرين» للنظام السوري في لبنان يراقبون عن كثب خط الحدود، ويمثّلون عنصراً مساعداً للجيش السوري و«قد قمعوا عمليات تهريب أسلحة وممنوعات أخرى، وأوقفوا أشخاصاً شاركوا في تهريب أسلحة إلى الداخل السوري في بدايات التطورات الأمنية هناك». ويضيف هؤلاء أن تعاطف غالبية سكان خط الحدود في شمال سهل البقاع مع سوريا «أحبط أكثر من عملية تهريب أسلحة» وأن الجيش السوري يجد الحدود آمنة على طول الخط الممتد من القاع شرقاً وحتى جرود الهرمل غرباً. ويشير المتابعون إلى أن مناصري حزب الله وحركة أمل والحزب القومي السوري «يؤلفون مجموعات غير منظورة تسهم في ضبط الحدود هناك»، وأن «السلطات الأمنية اللبنانية تعرف ذلك وتبدي ارتياحاً ملحوظاً لهذا التعاون الشعبي غير المعلن».

دير العشاير وأخواتها

التعاون الشعبي المساهم إلى حد كبير في ضبط حدود سوريا في شمال سهل البقاع، لا يختلف كثيراً عن نظيره في دير العشاير وينطا وحلوة في قضاء راشيا. فالبلدات المذكورة لا تبعد عن دمشق سوى رمية حجر، ومنها يرى الأهالي التحركات العسكرية السورية بالعين المجردة، ويبدون اطمئنانهم إلى هذه التحركات التي تقابلها في الجانب اللبناني إجراءات مماثلة لا تقل قيمة أمنية. فالجيش اللبناني يراقب عن كثب خط الحدود في الأودية الوعرة الممتدة من حلوة إلى دير العشاير وخراج ينطا وكفرقوق، واضعاً المزيد من السواتر الترابية وحواجز التفتيش والتدقيق الأمني. ويقول مصدر أمني إن وحدات الجيش اللبناني المنتشرة على أطراف حلوة ودير العشاير وفي أودية ينطا وكفرقوق «كثفت من إجراءاتها التي أسهمت كثيراً في ضبط خط الحدود»، مبدياً تقديره لـ«تعاون السكان وتفهمهم للوضع الجديد».
الارتياح العسكري اللبناني لاستقرار الحدود، و«التفهم» الأهلي رغم الضرر الاقتصادي الذي أصاب بعض السكان في القرى المنسية في جنوب شرق البقاع، لا يخفيان القلق عند الجانب السوري من الحدود هناك. فالانتشار العسكري السوري في وادي ميسلون، وصولاً إلى أطراف دير العشاير كان واضحاً وجلياً. وفرق الهجانة المعززة بمفارز استخبارية تقيم حواجزها على المعابر غير الشرعية المفتوحة نحو لبنان، وهي ناشطة على مدار الساعة خلافاً لما كان سابقاً. ويقول طارق الداوود من قرية حلوة إن الوضع هادئ جداً على محور حلوة ـــــ وادي ميسلون و«نحن هنا لا نميز أنفسنا عن السوريين. مصيرنا من مصيرهم وأمنهم من أمننا». ويتابع: «نفتخر بأننا هنا حراس حدود لسوريا، ولن نسمح لأحد بزعزعة الاستقرار في سوريا، انطلاقاً من لبنان».
«حرس حدود سوريا» في حلوة اللبنانية، قائم أيضاً في دير العشاير التي تعدّ دمشق أقرب إليها من بيروت، ولا تحتاج إلى أكثر من نصف ساعة حتى تكون في ساحة المرجة، بحسب ما يقول رئيس البلدية أحمد نصر الذي يصف أجواء حدود قريته مع سوريا بالطبيعية والهادئة؛ فـ«نحن في تعاطف وانسجام تامين مع سوريا. أهالي دير العشاير حرصاء على أمن عمقنا القومي والسياسي والاقتصادي». ويتابع: «الثقة بيننا وبين الإخوة في سوريا قائمة منذ زمن طويل. ونحن نحمي حدود سوريا من هنا». ويؤكد نصر أن حركة عبور الأشخاص على جانبي الحدود «تراجعت كثيراً، ولكن يسمح فقط للعمال الزراعيين السوريين باجتياز نقاط الحدود للعمل في سهل البلدة المشترك مع سوريا».




تقرير تلفزيوني «مندس»؟

يتعاطى سكان القرى المتاخمة للحدود مع سوريا بحذر شديد مع وسائل الإعلام التي تزورهم، ويدققون في أسباب مهمة الزائر. القلق من الإعلاميين ليس نابعاً من «فراغ»؛ فقد أحدث بث قناة لبنانية تقريراً عن تهريب أسلحة من دير العشاير إلى سوريا قلقاً عند الأهالي الذين صدموا من هذا التقرير «غير المستند إلى وقائع حقيقية» كما يقول رئيس البلدية أحمد نصر. ويضيف: «للأسف، سألتني المراسلة عن تهريب أسلحة من هنا إلى سوريا. وحين سجلت نفيي القاطع لهذا الأمر، امتنعت عن بث كلامي واكتفت ببث كلام غير دقيق وإذاعة أسماء تبين أنها وهمية».
ويتابع الرجل: «جاءت المراسلة وبثت قصة خيالية. وحين تابعنا مع الجانبين السوري واللبناني الأمر، تبين أن لا صحة للمعلومات نهائياً، وهذا ما أكده الجيش اللبناني لاحقاً».
ويختم: «ما بث ليس إلا من قبيل التهويل الإعلامي وادعاءات باطلة لها حسابات سياسية جد محلية. لذا، الأهالي حذرون من الإعلاميين».



رقابة مسبقة

تراقب الاستخبارات اللبنانية المتعددة والمتنوعة المهام، حركة دخول وسائل الإعلام المحلية والعربية والدولية الى قرى وبلدات لبنانية على تماس مباشر مع الجوار السوري وتشهد تقليدياً حركة تنقل لأسباب اجتماعية أو اقتصادية محدودة جداً، حيث تمنع هذه الأجهزة الأمنية اللبنانية وسائل الإعلام، وخصوصاً الفضائيات العربية منها، من التصوير أو الدخول الى القرى الحدودية من دون إذن مسبق رسمي تحدد فيه أهداف الزيارة، على أن تواكب دورية عسكرية الفريق الإعلامي منذ لحظة دخوله حتى خروجه من القرية أو البلدة المقصودة لإجراء تقارير إعلامية. وقد أدى هذا الإجراء الى تراجع توجه مؤسسات تلفزيونية عربية ودولية الى المناطق الحدودية لإجراء تقارير إخبارية عن مدى تأثر سكان القرى اللبنانية الحدودية بمجريات التطورات الداخلية السورية. ولوحظ خلال جولة لفضائية عربية داخل بعض قرى الحدودية رفض السكان الإدلاء بتصريحات عن مدى تأثرهم اجتماعياً وأمنياً واقتصادياً جراء ما يجري في سوريا. ولم يخف متابعون لهذا الأمر أن تمنيات من قادة أمنيين لبنانيين كانت قد أرسلت الى وجهاء وفاعليات القرى الحدودية بأهمية الامتناع عن التحدث إعلامياً عما يجري في الداخل السوري أو عن الإجراءات العسكرية والأمنية السورية على تخوم قراهم وبلداتهم، وخصوصاً مع مؤسسات فضائية عربية تعتبر على علاقة غير «ودية» مع دمشق.
هذه الإجراءات الأمنية اللبنانية، وشكل ومضمون التعاطي مع مؤسسات مرئية على وجه الخصوص، أسهمت في الحد من بث تقارير إعلامية تتحدث عن أوضاع سكان الحدود اللبنانية ـ السورية. ويقول مصدر أمني لـ«الأخبار» إن هذا الإجراء ونيل الموافقة المسبقة قبل الدخول الى القرى والبلدات الحدودية، ليس هو الوحيد نسبياً، فهناك شرط إضافي يقضي على كل محطة مرئية تدخل الى مناطق «حساسة» تسليم التقرير المنجز الى الأجهزة الأمنية المعنية قبل بثه على الهواء، «لكن أحياناً يصلنا التقرير المرئي بعد بثه».