ثمة ورشة بناء في منطقة الأوزاعي، مخالفة طبعاً، ترتفع قبالة مخفر قوى الأمن الداخلي. يمكن عمّال الورشة، وصاحبها القاطن قربها، أن يلوّحوا بأيديهم لرجال الأمن الواقفين على شرفات مخفرهم. يختصر هذا المشهد الجرأة التي صار عليها بعض الناس، وهم يعلمون أنهم يرتكبون مخالفة صريحة للقانون. مشهد يفصح، من ناحية ثانية، عن عدم اكتراث الناس لهيبة ـــــ مفترضة ـــــ عائدة لرجال قوى الأمن.


يكفي الاستماع قليلاً إلى بعض أصحاب تلك المخالفات، قبل أن يتضح للمستمع أنه لا خلفية ثورية على واقع اجتماعي لدى هؤلاء، وأنهم ليسوا فلاسفة أو منظّرين لعقد اجتماعي جديد. جعفر، أحد هؤلاء، يُشارك العمّال الأجانب عملهم في ورشته يومياً، بغية إنجازها سريعاً قبل وصول يد الدولة إليها. «أنا شاب بدي اتزوج، صرلي خاطب 3 سنين. أنا موظف ومعاشي ينتهي مع كل منتصف شهر، فمن أين يمكنني أن أشتري منزلاً فيما أرخص شقة في لبنان بات سعرها أكثر من 100 ألف دولار؟». هكذا، يضرب جعفر على وتر الحاجة الملحّة، مُطعّماً كلامه بكمية من العاطفة، آملاً نيل تعاطف المستمع إليه. مطلب جعفر محق، حتماً، لكن ما هو غير محق أن يصبح أخذ الحق باليد، بحيث يحصل التعدي على أملاك عامة يشترك فيها مع آخرين، أو أملاك خاصة هي تماماً ملك لآخرين. طبعاً، في لبنان لم تضع أيّ حكومة سياسة إسكانية، وبالتالي أصبحت مناقشة جعفر في قانونية ما يفعل مهمة صعبة. حجته، وإن كانت غير قانونية ولا حضارية، إلا أنها قوية. ليس كل أصحاب المخالفات هم «جعفر». فثمة «أبو محمد» يملك 8 منازل في منطقة الرمل العالي. بناها كلها بناءً مخالفاً. لا يريد أن يتكلف أيّ قرش في إطار القانون، ولديه 7 أولاد أصغرهم عمره 5 سنوات. أبو محمد طويل الأمل، بنى لنفسه منزلاً وسبعة أخرى لأولاده، ولم ينسَ أن يبني لطفله الصغير منزلاً «سيحتاج إليه عندما يكبر». هكذا، في معظم المناطق التي تشهد مخالفات بناء، يمكن إيجاد نماذج عن جعفر ونماذج أخرى عن أبو محمد. نماذج تحتاج فعلاً إلى أبسط مقومات الحياة، وأخرى يملأها الجشع والطمع، فـ«طالما أن الشيء ببلاش فكُلْ وكثّر منه». طبعاً، يتفق جعفر وأبو محمد على مسألة واحدة: «المسؤولون والزعماء يسرقون أكثر بكثير، فهل وقفت علينا نحن؟».
م. ن.