عندما ترى ضابطاً رفيع المستوى، مكلّفاً بإزالة مخالفات البناء في منطقة حسّاسة، لكنه لا يملك لذلك جرافة واحدة، فلا مناص من الشعور بغياب الدولة. وعندما تراه يكاد يبكي نتيجة وقوعه بين نارين: نار مطالبته، لكونه مسؤولاً من قيادته، ونار خوفه من بعض أصحاب المخالفات المستعدّين للمواجهة، فلا غرابة عندئذ في قول البعض إنه لا أمن في لبنان وإن «البقاء للأقوى». هكذا كانت حال رجال الأمن، أمس، في منطقة الأوزاعي التي ما زالت «فورة» مخالفات البناء فيها مستعرة.


كان يمكن أي مارّ على الخط البحري في منطقة الأوزاعي، خلال الأيام الماضية، أن يدرك أنّ القوى الأمنية قد استسلمت، أو ربما دخلت في هدنة مؤقتة مع أصحاب ورش «السقالات». أعمال البناء هناك مستمرة على قدم وساق، في وضح النهار، وبعض الورش لا تبعد عن المخفر سوى بضعة أمتار. لم تعد دوريات قوى الأمن تتصادم دائماً مع أصحاب المخالفات، خصوصاً بعد الحوادث الدامية التي شهدها الأسبوع الفائت، فأصبح رجال الأمن مسالمين، تماماً كجباة الضرائب. يأتي العسكري ويطلب الإزالة بكل هدوء، وحين يجد أن لا أحد يأبه لطلبه، يُحرر محضر ضبط ويعود أدراجه خائباً. من المضحك المبكي في الأوزاعي، التي كانت تُعرف قديماً باسم «حبتوس»، أن الضابط المسؤول عنها قد أدخل قبل أيام إلى المستشفى نتيجة إصابته بإرهاق في الأعصاب، فتسلّم مكانه المقدّم جوزف النداف، الذي أصيب أمس بضربة «بوكس» على عينه أثناء محاولته إزالة إحدى المخالفات.
حضرت إلى الأوزاعي ظهر أمس قوة من الجيش، إضافة إلى قوة من مكافحة الشغب، بغية إزالة بعض المخالفات. حصل تضارب بالأيدي وهرج ومرج، فكانت النتيجة إزالة بعض المخالفات القريبة من سور المطار، ولا سيما تلك التي قيل إنها تهدد السلامة العامة للطيران المدني.
ولأننا في لبنان، حيث ثمّة من هو على استعداد دائم لركوب الموجات، حتى ولو على حساب دماء الناس وأوجاعهم، أطلّ نائب الأمة اللبنانية عمار حوري أمس مطالباً بـ«إعداد مطار القليعات، لأن مطار بيروت قد يقفل خلال فترة قصيرة». ولفت حوري، الذي لم يُعلم إن كان قد زار منطقة الأوزاعي بعد، إلى أن «المعتدين لا يمكن أن يفعلوا ما يفعلونه من دون غطاء سياسي». طبعاً، لم ينس حوري أن يدعو إلى تغليب منطق القانون والدولة، فيما لم يُعلم إن كان قد سعى إلى توفير جرافة لقوى الأمن، علّه يسعف بها المؤسسة التي تحفظ الأمن في الدولة.
من جهة ثانية، رأى النائب نواف الموسوي، المعني وحزبه باتهامات حوري، أنّ الأخير وحزبه «هم من أشعلوا النار في ملف مخالفات البناء، بغية إيجاد شرخ طائفي نتيجة حسرتهم على خروجهم من السلطة». وأضاف الموسوي: «بذلنا جهدنا لتهدئة التوترات بعد الحادث الدامي في صور، علماً أن النار في وجهنا، فهذه المخالفات تضرنا نحن أولاً ومن مصلحتنا ألّا تحصل أي مخالفة للقانون. الفريق الآخر يفتح الجرح، ثم يدس السكين فيه ويحرّكه بلا رحمة أو وزاع. يتحدثون عن بناء الدولة، فيما هم بالأصل أرباب سرقة الدولة ونهب خيراتها، من سرقة الأملاك في سوليدير وصولاً إلى فضيحة عدم وجود قطع حساب منذ عام 1993 في وزارة المال».
أمنياً، لا غرابة إن بدا المدير العام لقوى الأمن الداخلي، اللواء أشرف ريفي عاجزاً عن وضع تصوّر حاسم وشامل لقضية مخالفات البناء. بالنسبة إليه، الأهمّ الآن «تلك المخالفات القائمة قرب سور المطار». أما عن الاستغلال السياسي، والدعوة إلى إعداد مطار آخر، فلا يرى حلّاً «لإسقاط كل الحجج» إلا بإزالة تلك المخالفات.




ضغوط سياسية؟

أكّدت أوساط في وزارة الداخلية أن نحو 60 شخصاً أوقفوا لدى القضاء أخيراً، في قضايا مخالفات البناء، بيد أن «المؤسف في الأمر إطلاق سراح جميع هؤلاء نتيجة ضغوط سياسية، جاءت من مختلف الجهات». وتضيف الأوساط نفسها أنّ على القضاء «مسؤولية رئيسية في هذا الموضوع، وبالتالي لا يحقّ لأحد تحميل المسؤولية لقوى الأمن فقط أو لجهة بعينها، خصوصاً أنّ الاعتداء على الأملاك العامة والخاصة يُعدّ جريمة موصوفة ويُعاقب عليها القانون».
من جهة ثانية، تشير الأوساط نفسها إلى «خطأ ارتكبته قيادة قوى الأمن عندما قبلت مع بعض البلديات بإصدار تراخيص بناء على مساحة 120 متراً مربعاً، وفقاً لقانون قديم غير معمول به».