عصر أمس، خرج نعش من المستشفى اللبناني الإيطالي. حُمّل في سيارة إسعاف والتفّ حوله موكب سيارات خرج منها شبان غاضبون يرفعون صوراً لشاب كُتب عليها «الشهيد وسام الطويل». بصعوبة، تجاوز الموكب محيط المستشفى، حيث تجمهر أشخاص غاضبون ومذهولون. في المكان أيضاً سيارة يقال إنها كانت آلية لقوى الأمن الداخلي، طمس الحريق الذي أتى عليها ملامحها بالكامل وصغّر من حجمها الضخم. سار الموكب الغاضب باتجاه مفترق بلدة البرج الشمالي، قبل أن يستدير سريعاً إلى زقاق ضيق يتوافد إليه الناس. في آخره، كان قد شيد شادر بسيط على عجل احتمى تحته المتجمهرون من المطر، أُنزل النعش في بيت متواضع ارتفعت من حوله أسقف لم ينجز تشييدها بعد. في كل زاوية، تتكوّم الأتربة والرمول والحديد وألواح الخشب على أسطح كل البيوت في الزقاق، ما عدا بيتاً واحداً، هو بيت صاحب النعش.

الفلسطيني وسام الطويل (35 عاماً) أب لطفلة صغيرة، كان يحاول صباح أمس إبعاد عناصر الجيش والقوى الأمنية عن أهالي حي المساكن في مشاعات ضواحي صور الذين تجمهروا لمنعهم من التقدم باتجاه ورش البناء المخالفة وهدمها، ولم يتورط في خرق النظام. هو يملك بيتاً في منطقة قدموس الراقية في خراج العباسية، أما عائلته فقد ارتضت ببيتها المسقوف بألواح الزينكو، ولم تحذُ حذو جيرانها لتضيف إليه سقفاً جديداً أو غرفاً. ابنها وسام سقط قبالة بيت الزينكو دفاعاً عن أهالي الحي الفقراء المنحدرين من المخيمات الفلسطينية ومن القرى الحدودية الذين تهجروا إثر الاحتلال الإسرائيلي. في الوقت ذاته، كان موكب اللبناني علي ناصر، أب لأربعة أطفال، يسير بالاتجاه المعاكس صعوداً نحو بلدته حداثا في قضاء بنت جبيل.
يقول شهود عيان إن دورية من القوى الأمنية حضرت إلى محيط الحي صباحاً كما جرت العادة، لكن الفارق أمس أنها أحضرت معها دورية من الجيش اللبناني الذي تقع ثكنته على بعد أمتار قليلة. تجمهر الناس لتشكيل درع بشرية تحول دون تقدم الدورية نحو الورش المخالفة، فيما جهز آخرون إطارات لإشعالها في منتصف الطريق لقطعه. السيناريو حتى الآن كان لا يزال مكرراً منذ اندلاع انتفاضة البناء، ليس في المساكن فحسب، بل في سائر البلدات الأخرى في الزهراني وصور. إلا أن التطور الذي لم يكن في الحسبان كان مع رفع المواطنين سقف التمرد الذي واجهه عناصر الجيش سريعاً، الذين قال الشهود إنهم أطلقوا النار في الشارع العام على الصف الأمامي من الناس. يملك كثيرون مقاطع فيديو «تبرهن» أن الجيش قام بذلك فعلاً في مقابل الأنباء التي تحدثت عن مبادرة الأهالي إلى إطلاق النار، ما استدعى رد الجيش. وسام الطويل أُصيب إصابة مباشرة في قلبه، فيما أُصيب ناصر برصاصة في رأسه. أما اللبنانيان جهاد حمود وإبراهيم طالب، فقد أُصيبا إصابات متفرقة، ويتلقيان العلاج في مستشفى جبل عامل. يشير الشهود إلى أنه فور إطلاق النار المفاجئ ووقوع الإصابات، وصل رد فعل الأهالي إلى حد اقتياد سيارة لقوى الأمن في منتصف الطريق وإشعال النيران فيها، فما كان من العناصر العسكريين والأمنيين إلا الانسحاب سريعاً من المكان والعودة إلى مراكزهم. بعد نقل جثمان الطويل إلى المستشفى اللبناني الإيطالي، تجمهر أهالي الحي مجدداً أمامه وأشعلوا النيران في آلية أخرى لقوى الأمن تابعة لفوج الطوارئ كانت متوقفة في المكان. أما بجوار مستشفى جبل عامل، عند مقر سرية صور الإقليمية، فقد حاول بعض الغاضبين مهاجمتها في رد فعل منهم، لولا أن هدّأت القوى السياسية المحلية من روعهم. الأمر ذاته كاد يحصل لمقر فصيلة صور في ساحة البوابة ولمخفر المخيمات القريب من مكان الحادث، التي فرض الجيش حولها طوقاً محكماً.
توالت الاجتماعات الأمنية والسياسية والحزبية لتدارك الأمر. قيادتا حزب الله وحركة أمل نزلتا إلى الميدان وحاولتا تهدئة الأمور وحلها بالتعاون مع القوى الأمنية وتخفيف أجواء الحذر التي طغت وضبط غضب المواطنين الذين حاولوا ترصد مرور آليات عسكرية لمهاجمتها. أما في ثكنة صور المقابلة لحي المساكن، عُقد اجتماع أمني حضره مدير الاستخبارات في الجنوب العميد علي شحرور وممثل عن قائد الدرك في الجنوب العميد منذر الأيوبي وقائد منطقة جنوبي الليطاني في الجيش العميد صادق طليس وعضو قيادة «أمل» محمد زراقط وعن حزب الله جهاد شري.
من الذي استدرج الجيش إلى النزول إلى الشارع لقمع المخالفات، رغم أنه شوهد لمرة وحيدة عند بداية اندلاع الانتفاضة وهو يؤازر القوى الأمنية في قمع المخالفات في حي يارين في خراج البيسارية، علماً بأنه كان ظهوراً هادئاً وشكلياً للغاية؟ تناقل البعض أن قائد الجيش كان قد وعد مراراً بإنزال قوات من الجيش لمؤازرة القوى الأمنية لاحقاً.
ما استجد، وفق متابعين، أن قراراً صدر عن قوى الأمن الداخلي ليل أول من أمس يقضي بتأليف مجموعة أمنية من عدد من عناصر الفصائل الأمنية في الجنوب، مهمتها إطلاق الدوريات المشتركة بمؤازرة الجيش، لقمع كل مخالفات البناء ضمن النطاق الإقليمي لمنطقة الجنوب، وخاصة الأملاك البحرية. هنا، يطرح البعض السؤال الآتي: إذا كان نزول الجيش المفاجئ صباح أمس امتثالاً لقرار رسمي، فمن الذي أعطى الأوامر للجيش بإطلاق النار؟ مسؤولون أمنيون قالوا إن تصرف الجيش جاء بناءً على توصيات اجتماع مجلس الأمن الفرعي الذي عقد قبل أيام وأعلن فيه الوزير زياد بارود اتخاذ قرار حاسم بهدم المخالفات الواقعة على الأملاك البحرية والعامة.
الرواية الرسمية لما وقع أمس تشير، بحسب شعبة العلاقات العامة في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، إلى أن «مجموعة أمنية من قوى الأمن الداخلي، بمؤازرة قوة من الجيش، خرجت بمهمة قمع مخالفات بناء على الأملاك العامة في المساكن الشعبية ـــــ صور، فتجمهر عدد كبير من الشبان لعرقلة مهمتهم، حيث عملوا على رشق القوة الأمنية بالحجارة، وفي الوقت نفسه تعرضت هذه القوة لإطلاق نار من داخل شوارع منطقة المساكن، ما اضطر عناصرها إلى إطلاق النار في الهواء ترهيباً بغية رد المحتجين ومنعهم من الوصول إلى العناصر». وتحدث البيان عن «تأليف لجنة تحقيق مشتركة من الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي بإشراف القضاء العسكري لجلاء الحقيقة وتحديد المسؤوليات».

الأوزاعي: تشجيع حزبي؟

«لا أريد أن أعلّق على هذا الموضوع»... هكذا، لم يشأ المدير العام لقوى الأمن الداخلي، اللواء أشرف ريفي، الحديث عن موضوع مخالفات البناء في الأوزاعي والضاحية الجنوبية. بيد أن ما رواه بعض الضبّاط العاملين على الأرض، ومعهم عدد من الأهالي، ربما فسر سبب ذلك. أحد هؤلاء الضبّاط لفت إلى أن ما شهدته منطقة الأوزاعي يوم أمس «كان يمكن أن ينتهي بمجزرة، لولا قرار شخصي، بالتنسيق مع القيادة أيضاً، بعدم إراقة الدماء، وذلك بعدما استأنف البعض البناء من دون ترخيص». يوضح الضابط أن ظاهرة وقوف الأهالي في وجه دوريات قوى الأمن ليست جديدة، لكن الجديد في الأمر «هو قرار جهة حزبية وجدت في الآونة الأخيرة أن شعبيتها قد تراجعت، فأعطت بعض الأهالي ضوءاً أخضر بمباشرة البناء غير الشرعي طمعاً بترميم العلاقة مع الناس». يلفت الضابط إلى أن موضوع البناء العشوائي قد أرهق القوى الأمنية في الآونة الأخيرة، حتى إن قائد سرية الضاحية العقيد علي حسونة أُدخل قبل يومين إلى المستشفى بعد إصابته بإرهاق عصبي نتيجة التوتّر.
التقت «الأخبار» أهالي من الأوزاعي، وسألتهم عن سبب الفورة الأخيرة في البناء، بعدما كان الأمر يسير لسنوات بوتيرة أخف. كثيرون أكدوا الرواية التي ينقلها بعض الضباط، لناحية انتشار خبر بين الناس منذ 10 أيام يفيد بأن جهة حزبية قد أوعزت بمباشرة البناء، متعهدة بتوفير الغطاء والحماية. طبعاً، لا يمكن عد هذه الرواية خبراً رسمياً؛ إذ «قد تكون جهات أخرى هي من روّجت لها بغية إبعاد التهمة عنها»، بحسب رأي أحد الأهالي، الذي لا يرى أن القوى الأمنية بعيدة عن ذلك.
يُشار إلى أن بعض الضباط، وبعض الأهالي أيضاً، غمزوا من قناة حركة أمل، لناحية أنها الجهة الحزبية المقصودة بما ذُكر. اتصلت «الأخبار» بمسؤول المكتب الإعلامي في الحركة، طلال حاطوم، وسألته عن الأمر، فقال: «هذا كلام مرود على أصحابه جملة وتفصيلاً، نحن لا نغطّي أية مخالفة، لا بالأمس ولا اليوم ولا غداً، فهذه المخالفة تُعَدّ بالأصل مساً بالأمن الاجتماعي، ونحن لا نغطي أي تعدٍّ على الأملاك العامة والخاصة، وخاصة أن بعضها يُمثّل خطراً على سلامة الطيران المدني؛ لأن بعض المباني ترتفع في مناطق قريبة من المطار».
كلام حاطوم جاء منسجماً مع البيان الذي صدر أمس عن قيادتي حركة أمل وحزب الله، حيث أدانتا «كل أشكال مخالفة القوانين، ولا سيما ما له علاقة بالتعدي على الأملاك العامة والخاصة وجوار حرم المطار». جاء البيان بعد اجتماع عُقد في مركز اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية، حضرته قيادتا حركة أمل وحزب الله عن منطقة بيروت، إضافة إلى النائب علي عمار والمسؤول الإعلامي في الحركة، ورئيس اتحاد بلديات الضاحية محمد الخنسا ورؤساء بلديات: برج البراجنة وحارة حريك والمريجة. أعلن الحاضرون، بحسب البيان، «رفع الغطاء عن أي من المخالفين، وأنه لا حماية لأحد في وجه القانون تحت أي ظرف من الظروف». كذلك دعوا القوى الأمنية إلى القيام بواجبها في منع المخالفات بداية لإيقاف التعديات بالوسائل القانونية، والمسارعة إلى «إزالة أي مخالفة فور وقوعها وعدم الإهمال لتصبح أمراً واقعاً»، مؤكدين أن أبواب الضاحية الجنوبية «كانت وما زالت مفتوحة أمام المؤسسات الرسمية، ولا سيما الأمنية، للقيام بواجبها في حفظ الأمن وتطبيق القانون وحماية مصالح الوطن والمواطنين».
هذا البيان، الذي رأى أحد معدّيه أنه يحمل «قسوة وحدّة»، تضمّن دعوة موجهة إلى وزير الداخلية والبلديات والمراجع الأمنية المختصة لأخذ إجراءات بحق المعتدين والمخالفين، «ولتضافر الجهود بين البلديات والقوى الأمنية والجهات السياسية الفاعلة للمساعدة على حماية مصالح أهلنا الذين يستحقون كل تضحية، والحفاظ على الأمن الاجتماعي ومراعاة الأنظمة والقوانين».
نظرياً، وجد أحد ضبّاط قوى الأمن، أن ما يدعو إليه البيان المذكور من تعاون وتضافر جهود هو المطلوب فعلاً. وبناءً عليه، وضع الضابط تصوراً لحل مشكلة البناء العشوائي، وفقاً لخبرته في التعامل مع هذا الملف. أولاً، لا بد من اجتماع موسّع يحضره نواب المنطقة ومعهم الفاعليات واللجان الأهلية، والأهم حضور شخصيات من العائلات التي بات يشتهر بعض أبنائها في مجال «المتاجرة في توفير مواد البناء، إضافة إلى الذين يتعهدون بتأمين الحماية للوقوف في وجه القوى الأمنية مقابل بدل مالي، ثم يصير إلى تفاهم وأخذ عهود بحل المشكلة؛ لأنّ القوى الأمنية، بكل صراحة، لن تستطيع حلها منفردة، وخاصة في ظل الحرص على عدم التصادم الذي لن يخدم أحداً». ثانياً، يمكن وضع لائحة بأسماء الأشخاص المشهورين في مزاولة «مهنة مخالفات البناء» بغية التواصل معهم ووضع حد لهم؛ فهذه الأسماء معروفة ويمكن تزويد المعنيين بها.




الورش مستمرة!

الشهر الماضي، طرأ تحول في علاقة القوى الأمنية والعسكرية مع الجنوبيين؛ إذ لم يعهد تسجيل حوادث ومواجهات بين الطرفين كما حدث في الأسابيع الماضية من إشعال للإطارات وإقفال طرق في وجه القوى الأمنية ورشقها بالحجارة، حيث تطور الأمر عندما حاول عناصر من قوى الأمن تفريق محتجين في المنصوري، ما أدى إلى إصابة ثلاثة عناصر. الكثيرون يتساءلون: من يظهر الجنوب كأنه غارق في الفوضى وخارج على النظام وعصي على الدولة؟ مع ذلك يظهر أن القوى السياسية والحزبية النافذة قد اضطلعت بدور، أقله في عدم ردع المخالفين، إن لم يكن في التشجيع على التعديات، وخصوصاً أن عدداً من العناصر والكوادر الحزبيين، لا بل أحد نواب قضاء صور، متورطون في إنجاز ورش بناء مخالفة في الأملاك العامة والبحرية التابعة لوزارة النقل أو لمديرية الآثار أو للأملاك البلدية. واللافت أن حادثة أمس لم تمثّل رادعاً كما أُريد منها. فالورش استُكملت على نحو اعتيادي في بلدات الزهراني وصور. حتى إن ورش حي المساكن الذي شهد الحادثة الدموية، وعد الأهالي باستكمالها بدءاً من صباح اليوم.