جسر بركة العروس تحوّل، بعد الاكتشاف وعملية التنظيف والترميم، من خربة تغطيها الأشجار إلى معلم تاريخي مملوكي. وهذا ما حصل أيضاً في قرية الجليلية، فجسرها القديم عمره 600 سنة. يشرح الدكتور وسام خليل أن الاكتشافين الأثريين حصلا خلال تنفيذ مشروع «جسور وممرات وادي الباروك»، الذي أطلقه تحت إشراف المديرية العامة للآثار، وبالتعاون مع اتحاد بلديات منطقة الشوف الأعلى ومحمية أرز الشوف، وبتمويل من الوكالة الإيطالية للتنمية. الهدف الأولي كان ترميم أربعة جسور تاريخية وتأهيلها وتنظيف مطحنتين، لكن ما هي إلا أيام معدودة على بدء الورشة وقطع الأشجار والحشائش النابتة على جسر بركة العروس في قرية عين قنيا قرب المختارة، حتى عثر على لوحة كبيرة كتبت عليها أربعة أسطر باللغة العربية. ويشرح الدكتور خليل، الذي أنهى أطروحته في جامعة السوربون في باريس، بـ«أن الدراسة الأولية التي أعدّها المهندس زاهر الغصيني في منطقة الشوف كانت تؤرّخ جسر بركة العروس من القرن السادس عشر، أي إنه عثماني، لكن الكتابة المكتشفة تؤرخ بناء الجسر في شهر صفار 913 هجري، أي 1507 ميلادي، فهو إذاً مملوكي واستعمل في الفترة العثمانية. ويعدّ ذلك بمثابة اكتشاف أثري مهم جداً»، لكن ما هي إلا أيام معدودة حتى يزداد الاكتشاف إلى اثنين. فيخبر الدكتور خليل أنه ذهب يجوب قرى الشوف بحثاً عن ناحت حجر بالطرق التقليدية، حتى التقى أحدهم في قرية الجاهلية. وفي مجرى الحديث وصف له الناحت جسراً من قنطرتين مبنياً بحجارة ضخمة وعليه كتابة لم «يستطع الكثير من العلماء فك رموزها!»، فما كان من العالم الشاب إلا أن طلب من الناحت أن يوصله إلى الجسر المذكور. فتوجها إليه واكتشف أن الكتابة هي أيضاً بالخط العربي، وتؤرخ بناء الجسر في سنة 915 هجرية، أي 1509 ميلادية.

ثمّة جسر مملوكي ثانٍ على ممر آخر من الوادي. جسر من قنطرتين فوق نهر الحمام. ويقول خليل: «فهمت حينها أن في الشوف جسرين يعودان إلى الفترة المملوكية، فيما كنت أعتقد أنني لن أعبر إلا على جسور عثمانية. ويأتي السؤال الأهم، كيف بدا الشوف في الفترة المملوكية، وما دور هذه الجسور في شبكة الطرقات المملوكية؟».
أهمية الاكتشافين تكمن في أنهما يؤرخان لفترة تاريخية طويلة عاشها الشوف ولم يبق من معالمها الكثير، كما أنهما يسلّطان الضوء على التطورات الاقتصادية والاجتماعية لقرى الشوف في تلك الفترة، فالجسور والطرقات أداة ضرورية لطرق التجارة في فترات السلم. ويقول الدكتور خليل «إن الدراسات السابقة أبرزت أن منطقة جبل الشوف كانت مكتظة بالسكان في الفترة المملوكية، وهذا ما أثبتّه في أطروحتي من خلال دراسة بقايا الآثار الصليبية والمملوكية المنتشرة في الأودية. ويمكن تأكيد تلك النظرية بالمراجع العثمانية، فالجداول العثمانية للسكن في قرى الشوف في بداية القرن السادس عشر، تُظهر أنّ عدد القرى كان كبيراً جداً مع كثافة سكانية عالية، مما يعني أنها كانت مأهولة قبل وصول الجيوش العثمانية، أي في الفترة المملوكية».
أما عن شبكة الطرقات التي كان يشتهر بها الحكم المملوكي، فيمكن اعتبار هذين الجسرين بمثابة مثال عنها. جسر بركة العروس مهم جداً لوادي الباروك، فهو يصل طرفي الوادي بعضهما ببعض، ويضع المار على سكة الطرقات والممرات المعبّدة والمبنية في الوادي، التي تقطعه نزولاً إلى نهر الأولي. فهذه الطرقات والجسور كانت تصل القرى المنتشرة على أطراف وادي الباروك بالساحل على مدخل صيدا. وطرقات نهر الباروك كانت تصل الشاطئ اللبناني بالداخل عبر المرور بقرية الباروك ومن ثم معاصر الشوف التي يعبر منها الى البقاع، لكن مشكلة هذه الطريق أن الثلوج تقطعها شهوراً طويلة. لذا، كان هناك طريق أخرى من مرج بسري عبر وادي عري وبحنين إلى جزين. أما جسر الجاهلية، فيصل الشاطئ عبر برجا بالجبل عبر الجاهلية، التي تصل طريقها إلى بعقلين، التي لا يزال حرجها يحفظ بعضاً من الطرق القديمة المعبّدة بالحجارة. المماليك بنوا جسوراً كبيرة على الشاطئ اللبناني، أشهرها جسرا نهر الكلب ونهر الأولي، اللذان يُعدّان نقطة التقاء أوصال المدن الساحلية.