إن ملاحقة عملاء إسرائيل في لبنان، كما غيرها من الملاحقات القضائية، تتطلّب التزام الضابطة العدلية الأصول القانونية. فلا شكّ في أن تجاوز المعايير العدلية يتيح للعدو الإسرائيلي والدول والمؤسسات الدولية التي تقف خلفه والهيئات الحقوقية والإنسانية المحلية والدولية، التشكيك المُبرَّر في صدقيّة المسار القضائي من لحظة انطلاق التحقيق لحين صدور الحكم.

إن نشر اعترافات مشتبه فيه بالتعامل مع العدو قبل انعقاد المحكمة، لا بل قبل صدور القرار الاتهامي، خطأ فادح يفترض تصحيحه، إذ إن ذلك يسهم في نسف مبدأ قرينة البراءة عبر استباق قرار المحكمة المستقلّة، وما بُني على باطل فهو باطل.
إن مبادرة فرع أو «شعبة» أو وحدة تابعة للسلطة التنفيذية إلى تعميم ونشر بعض تنائج التحقيقات الأوّلية يعدّ تجاوزاً لمعايير العدالة، ويمكن اعتباره أيضاً تجاوزاً لمبدأ فصل السلطات، إذ إن توزيع بيان على وسائل الإعلام يذكر أن المشتبه فيه «زوّد استخبارات العدو بمعلومات تفصيلية تضمّنت ما يأتي: دراسات عامة عن الوضع في لبنان وعلاقة مختلف الطوائف بحزب الله ونظرتهم لمفهوم المقاومة، ودراسة شاملة عن خصوصية الوضع في مدينة صور من حيث التكوين والتقسيم الطائفي وعلاقة المواطنين بحزب الله ومدى تعاونهم معه ...» وغيرها من المعلومات، إنما يعدّ إدانة واضحة وحاسمة للمشتبه فيه، وهي بمثابة حكم مبرم علناً بحقّه.
لا يحقّ لرتيب التحقيق ولا للعقيد أو اللواء أو الوزير أو حتى رئيس الحكومة أو رئيس الجمهورية إصدار الإحكام على الناس، مهما كانت الدلائل والإثباتات التي بحوزتهم. فالمحكمة العادلة التي يتمتّع قضاتها بالنزاهة والكفاءة والاستقلالية وحدها مخوّلة، بحسب الدستور والقانون، إصدار الأحكام بحق المشتبه فيهم بارتكاب جرائم.
إن فرع المعلومات في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي تمكّن من تحقيق إنجازات هامة على صعيد ملاحقة عملاء إسرائيل في لبنان، وبالتالي لا يفترض أن تضيع تلك الإنجازات من خلال استباق القرارات القضائية عبر نشر وقائع التحقيقات الأوّلية، حتى لو سمحت له النيابة العامة بذلك. وإذا كان الهدف تلميع صورة «شعبة» بعدما تعرّضت للتشويه في بعض الوسائل الإعلامية وفي أوساط شعبية واسعة، فلعلّ أفضل السبل لتحقيقه هو التشدد في احترام القانون والأصول القضائية.
ألم يكن من الأفضل أن يقتصر بيان شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي على الجملتين الأولى والأخيرة الواردتين فيه؟ «بتاريخ 21/3/2011 وفي جنوب لبنان – مدينة صور، وبناءً على إشارة النيابة العامة التمييزية، أوقفت قوة من فرع المعلومات المدعو (ح. ب. لبناني) للاشتباه بتعامله مع العدو الإسرائيلي» و«ما زالت التحقيقات جارية مع المذكور بإشراف النيابة العامة التمييزية».