قد يتمكن قاضٍ ماروني من إصدار حكم عادل بحقّ متّهم درزي، وقد يتمكن مدّعٍ عام سني من اتخاذ إجراءات عادلة بحقّ مشتبه فيه شيعي، وقد تتمكّن هيئة اتهامية تتألف من أغلبية أرثوذكسية من توجيه اتهام يتناسب مع معايير العدالة بحق موقوف عَلَوي. ولا شكّ في أن بعض المحامين الشيعة قادرون على الدفاع عن متهم سنّي، وقد تفوق كفاءتهم القضائية كفاءة بعض زملائهم المحامين السنّة. والعكس صحيح.

لكن على الرغم من ذلك، يفرض النظام الطائفي في لبنان تعيين القضاة وتشكيلهم بحسب الطوائف والمذاهب التي ينتمون إليها. ويخضع ذلك للمحاصصة بين زعماء الطوائف أو زعماء لما وصلوا الى مناصبهم لولا رمزيتهم الطائفية أو المذهبية. وقد تتأخر التشكيلات القضائية، أو تتعطّل، بسبب عدم رضى قوى سياسية تمثّل طائفة أو مذهباً معيّناً وتضامن قوى سياسية تمثّل طائفة أو مذهباً آخر معها بوجه قوى سياسية منافسة تمثّل بدورها طائفة أو مذهباً ثالثاً.
وقد لا يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، فعدد الطوائف والمذاهب في لبنان يفوق عدد أعضاء مجلس القضاء الأعلى، وقد تشكو بالتالي قوى سياسية تمثّل طائفة أو مذهباً معيّناً من عدم إشراكها في عضوية هذا المجلس أو المجلس الدستوري أو مجلس شورى الدولة. فبينما «لا شرعية لأيّ سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك»، ألا يفترض أن تتمثّل كلّ من الطوائف والمذاهب اللبنانية في تلك المجالس؟
هذا القاضي للأرمن، وذاك للكاثوليك، أما المستشاران في المحكمة فأحدهما للشيعة والثاني للسنّة. حدّث ولا حرج. المدعي العام في تلك المحافظة يجب أن يكون درزياً، وزميله في المحافظة المجاورة شيعياً، لكن يقول البعض إن ذلك لا يعني شيئاً لأن زوجته سريانية. يا سلام.
المباشر القضائي في قصر العدل إنجيلي، وزميلته يجب أن تكون أرثوذكسية، أما رئيس القلم العدلي فسنّي، لكن يقول البعض إن ذلك لا يعني شيئاً لأن شقيقته متزوّجة بقاضٍ ماروني. وقد يشكو البعض أخيراً: لماذا بدأ هذا المقال، وانتهى بذكر قاضٍ ماروني؟ ما المقصود؟ هل للكاتب مشكلة مع الموارنة؟ هل هي إشارة لتشجيع الموارنة على الهجرة؟ هل هذا استهداف للكنيسة؟ لماذا لا يكون القاضي شيعياً أو أرثوذكسياً أو سنياً أو كاثوليكياً أو علوياً أو أرمنياً أو إنجيلياً أو .... ؟
معقول؟