كان لفكرة ترشيد الإنتاج الزراعي دور رئيس في نشأة شبكة تعاونيات كرَم الجنوب، رغم أن الانطلاقة الحقيقية كانت تحت مظلّة مساعدات الدول الأوروبية المانحة التي أتت بعد عدوان تموز وآب عام 2006، لتساعد القرى المنكوبة على استعادة نشاطها الزراعي. في ذلك الإطار، قدّمت جمعية “جي في سي” الإيطالية مساعدات عينيّة وتجهيزات لعدد من التعاونيات في القرى الحدودية تحت شعار “خلق بدائل إنتاجية تتلاءم مع الواقع الجغرافي والمناخي، وتكون ذات جودة عالية”.

وكانت تعاونيات حولا وعيترون والحلوسية ومجدل سلم ودبل وعين إبل، إضافة إلى الطيبة قد ارتبطت بشبكة علاقات وتعاون مع جمعية “إنماء قدرات الريف” (ADH) بعد التحرير في عام 2000، ما ساهم في منحها الأولوية في تلقّي المساعدات الإيطالية. هكذا تلقّت تلك التعاونيات تجهيزات ومعدّات للإنتاج، (آلات تقطير وتعقيم وجرش وغيرها) وبرّادات، فضلاً عن خدمات إرشاد وتدريب على الزراعة والإنتاج.
ثم جاءت فكرة إنشاء شبكة تعاون مع عدد من التعاونيات المتعاملة مع الدول المانحة، برعاية جمعية “جي في سي”؛ فاستجابت “الجمعية التعاونية الزراعية العامة في حولا”، وانضمّت إلى “التعاونية الزراعية لزراعة وتصنيع الأعشاب الطبية والعطرية في منطقة بنت جبيل”، ومركزها قرية عيترون، لتتوسع الحلقة لاحقاً بانضمام “الجمعية التعاونية الزراعية للإنتاج والتصنيع الغذائي في عين إبل”، “الجمعية التعاونية للإنتاج والتصنيع الزراعي في دبل”، “الجمعية التعاونية الزراعية في الحلّوسيّة وجوارها”، و“تعاونية جبل عامل للنحّالين” التي تتخذ من قرية مجدل سلم مقرّاً لها.
شجّعت تلك الشبكة المؤسسة المانحة “جي في سي” على “مدّ يد المساعدة، مرة ثانية، إنما في عملية التسويق” كما يقول أمين سر تعاونية حولا محمد عبد الحسين رزق، شارحاً “اشترت تلك المؤسسة، من خلال جمعية إنماء قدرات الريف، سيارة خاصة لجمع النتاج الزراعي والبلدي ونقله إلى المعارض، كما تكفّلت هي بدفع أجرة السائق ومصاريف النقل وواجهات العرض، لتشجيعنا على الإنتاج الدائم”.
لم يكن من المقبول أن تنتج التعاونيات المنضوية ضمن الشبكة الأصناف عينها “لكي لا تواجه سلبيات المنافسة. لذلك وزّعنا المهمات: انفردت حولا بتصنيع الصابون؛ بينما كان الصعتر ومختلف أصناف الحبوب البلدية من نصيب تعاونية عيترون (تعمل أيضاً على تقطير الزعرور و“قرص العنّة”)؛ أما العسل الطبيعي، فلتعاونية النحالين في مجدل سلم (نحو 500 نحّال)، ومجففات البندورة وبعض المقطرات والزيتون المحشي والمجرّح لتعاونية الحلوسية؛ تعاونية دبل حظيت بالمقطرات أيضاً كما المربيات والكبيس؛ بينما حافظت عين إبل على اختصاصها بإنتاج دبس الخرّوب من دون إضافة مادة السكّر إليه” يقول رزق. صحيح أن ثمّة تضارباً حصل بين المواد الإنتاجية لتعاونيات الحلوسية ودبل وعين إبل، إلا أن الحلّ كان بتوزيع عملية النتاج على قاعدة ألّا تنتج هذه التعاونية الصنف الذي تنتجه الأخرى، ضمن اتفاق ودّي، أدّى إلى مشاركة هذه التعاونيات جميعها بمنتوجات مميزة وخالية من المواد الكيماوية، في معرضي “سوق الطيب” و“سوق الأرض” في بيروت.
لكي يأخذ اتحاد هذه التعاونيات صبغة قانونية، خصوصاً أن التمويل قد توقف خلال الشهر الأخير من العام المنصرم 2010، أطلق رئيس تعاونية حولا السابق علي فاعور (توفي منذ أسبوع نتيجة مرض عضال) فكرة إنشاء اتحاد تعاوني مرخّص من الدولة اللبنانية. هكذا، تألّفت هيئة تأسيسية من التعاونيات الست، وتقدمت بتاريخ 26/10/2010 بطلب ترخيص إلى وزارة الزراعة وحصلت عليه باسم “الجمعية المتحدة لشبكة تعاونيات كرم الجنوب”. ووضعت الهيئة التأسيسية شروطاً لانتساب التعاونيات إليها، أهمّها أن تستوفي التعاونية مستنداتها القانونية لجهة انتساب الأعضاء إليها وحيازتها الرخصة، وإجرائها انتخاباتها الإدارية القانونية. حالياً، يتضمن الاتحاد ثلاث تعاونيات مستوفية الشروط هي حولا وعيترون والحلوسية، بانتظار أن تستكمل التعاونيات الأخرى أوراقها القانونية. غاية الاتحاد تنفيذ المهمات عينها التي كانت تتولاها الشبكة المدعومة بالمنح الإيطالية، أي أن يتولّى هو عملية جمع النتاج المحلي ونقله إلى معارض العاصمة وتحمّل تكاليف النقل والعرض، لقاء مردود من عملية البيع لا تتجاوز نسبته عشرة بالمئة. تتوزع الرئاسة بالمناوبة بين التعاونيات الأعضاء، وهي سنوية، يكون خلالها مركز الاتحاد هو التعاونية التي يتولى رئيسها رئاسة الاتحاد.