بعدما كانت الشائعات تسري عن عملية نهب واسعة للآثار المصرية، أتى تصريح واسع على موقع زاهي حوّاس، المدير السابق العام للهيئة العليا للآثار المصرية، على الإنترنت لتأكيدها. وقد أكد أن «المقابر الفرعونية في سقارة نهبت، والمقابر في أبو قير والجيزة نهبت وتضررت. مخازن الآثار في موقع سقارة تعرضت لعملية سرقة واسعة، ولا نستطيع أن نحدد بعد حجم الأضرار وكمية القطع التي اختفت. كذلك الأمر بالنسبة إلى مخازن في شرق القنطارة والمقبرة الفرعونية الوحيدة في منطقة الدلتا تعرضت للتخريب. بدأ المواطنون يتعدّون على الآثار ويبنون منازلهم عليها ويسرقون حجارتها». وبما أن الوضع في مصر سيّئ إلى هذه الدرجة، قرر رجل الآثار المصرية القوي، الذي لم يتأخر يوماً في الظهور على التلفزيونات العالمية على أنه «إنديانا جونز» الفراعنة، قرر تقديم استقالته. اليوم وفيما مصر بحاجة إليه، قرر حوّاس أن يترك منصبه. هو أُهين شخصياً حينما «صرّح مديرون سابقون بأنه تلقى أموالاً من تجارة الآثار، وأُهين أكثر حينما تظاهر علماء الآثار في الباحة أمام مكتبه مطالبين بوظائف! والغريب أن حوّاس، حينما سمع صراخهم، تذكّر أن لديه أموالاً تكفي لتوفير 2000 وظيفة». وهو يرى «أنه لا يستطيع اليوم أن ينقذ الآثار المصرية لأن الجيش لا يحميها، وشرطة السياحة لا تستطيع أن تقوم بهذه المهمات. ولأن الوضع خطر للغاية وهو لا يعرف كيف يعمل في هذه الظروف، قرر تقديم استقالته، لكنه، ومحبةً منه بالآثار المصرية، كتب رسالة إلى المدير العام لمنظمة اليونسكو أطلعه فيها على خطورة الوضع، وحثّه على ضرورة العمل للمحافظة على الآثار المصرية ومنع الاتجار بها». رجل الآثار المصرية القوي يشبّه نفسه بذاك الكاتب في زمن الفراعنة الذي شهد على خراب مصر أيام الحرب الأهلية، وأرّخ ما أبصرته عيناه من تغيّر في طبقات المجتمع، وهو لم يستطع أن يعايش ذلك الواقع. ويعد نفسه ضحية مؤمنة بقضيتها ولا تعرف كيف تعيش من دونها، ولا كيف تكون الحياة في زمن الأوغاد. فقد نسي محب الشاشات أنه لو كان يعرف الشغف الحقيقي للآثار لبقي اليوم في مكتبه وكافح لحماية آثار بلاده، لكن «الناشينول جيوغرافيك» لن تصور هذا الكفاح، فبطل أفلامها الوثائقية لا يعرف كيف يكون العمل من خلف الستار. فهو إما على خشبة المسرح بشروطه، أو خارجها. يريد أن يؤدّي دور الضحية وهو المدرك تماماً أنّ الوضع الحالي في مصر يُعدّ جنة لتجار الآثار ومهرّبيها، إذ ليس عليهم أن ينبشوا حتى الآثار، بل يكفي أن يفتحوا أبواب المخازن التي تحوي عادةً آلاف القطع التي لم تدخل بعد في الجرد العام، ولا تحوي أرقاماً ممّا سيحوّل المطالبة بها مستحيلة.

يعرف حوّاس أكثر من غيره أن علاقاته الدولية تستطيع ان تسرع حالة من الاستنفار الجمارك العالمية لرفض إدخال كل القطع المصرية، ويدرك أيضاً أنّ اتصالاته بالإنتربول والمنظمات العالمية تكفل أن يُطلق العنان لحملة عالمية ضد الاتجار بالقطع المصرية، ويعرف كذلك أن الطريق السريع للوصول إلى عملية الحد من بيع الآثار وتهريبها تمرّ به، كيف لا وقد احتكر لأكثر من عقد العلاقات الدولية لمصر؟ كيف لا وهو لم يدع أحداً في مصر يصل إلى مناصب عليا وعالمية، ولطالما كان الآمر الناهي، هو ديكتاتور الآثار بلباس ممثلي الأفلام الهوليوودية. لقد انكشف وجهه الحقيقي، لم تكن الآثار تهمّه يوماً، همّه كان نفسه والوصول إلى القمة... في زمنه كان الفساد حكراً عليه، ومن بعده، هل سيبدأ الطوفان؟