طوال أربعة أشهر، نادى حاجب محكمة جزاء صور 16 مرة أصحاب قضية إصدار شيك بلا رصيد، للشروع بالنظر فيها. رقم كاد يُدخل القضية في كتاب «غينيس»، لا بسبب وقائعها الاستثنائية، بل بسبب تعذر تبليغ الأطراف كافة من قبل فصيلة قوى الأمن الداخلي المكلَّفة ذلك. ففي 20 نيسان الماضي، أوقف سامر (الاسم مستعار) وجاهياً، فيما تعذّر توقيف شقيقه الذي صدرت بحقه مذكرة توقيف غيابية. ومطلع السادس من آب، أحالت النيابة العامة الاستئنافية في الجنوب الملف على محكمة جزاء صور التي حددت تاريخ أولى جلسات المحاكمة بعد ثلاثة أيام وكلفت فصيلة تبنين تبليغ إبلاغ المدعي والمدعى عليه الثاني الموقوف غيابياً. هنا، بدأ مسلسل طويل من تأجيل عقد الجلسات بنحو أسبوعي، لم يقع ضحيته المتقاضون فحسب، بل هيئة المحكمة والدرك أيضاً. فضلاً عن أن الموقوف نفسه يعاني خلال عملية سوقه التي تكلّف بدورها كلفة نفقات النقل والآلية المستخدمة والجهد الجسدي والمعنوي لعناصر الأمن الذين يواكبونه.

وفي التفاصيل، لم يُسَق في الجلسة الأولى المدعى عليه الموقوف، ولم تعد ورقة دعوة المدعى عليه غير الموقوف. كرر قلم المحكمة الطلب إلى الفصيلة بتبليغ المتغيب (المدعى عليه غير الموقوف) للحضور في جلسة حدد موعدها بعد أسبوع. مشهد الجلسة الأولى تكرر. سيق الموقوف ولم تعد ورقة تبليغ غير الموقوف. في الجلسة الثالثة التي حددت بعد أسبوع، قررت المحكمة إبلاغ المتغيب لصقاً بعد أن تبلغت من شقيقه الموقوف بأنه موجود خارج لبنان. في الأسبوع الرابع، أحضر الموقوف ولم تعد ورقة تبليغ غير الموقوف. ولما تكرر المشهد في جلسة الأسبوع الخامس، قررت رئاسة المحكمة تكليف القلم الاتصال بفصيلة تبنين لسؤالها عن سبب عدم حصول التبليغ. تبرير العنصر الذي تلقى المكالمة أنه «حارس الثكنة حيث تقع الفصيلة ولا يعرف شيئاً»، متعهداً الاهتمام بالتبليغ.
لم يثمر التعهد في جلستي الأسبوعين السادس والسابع حين أحضر الموقوف ولم تعد الورقة المنشودة التي كانت ترسل بواسطة البريد. في الجلسة الثامنة، أحضر الموقوف ومعه وكيل دفاعه الذي تعهّد الاهتمام بإبلاغ المدعى عليه غير الموقوف. في الجلسة التاسعة، تعذر سوق الموقوف ولم تعد الورقة. في الجلسة العاشرة، أحضر الموقوف ولم تُعَد الورقة. أما في الجلسة الحادية عشرة، بعد أن تكرر المشهد، فصرح وكيل الدفاع بأن عناصر الفصيلة أفادوه لدى مراجعتهم عن سبب عدم عودة ورقة التبليغ بأنهم أرسلوا التبليغات بواسطة البريد. علماً بأنها لم تصل إلى قلم المحكمة، خلال مدة أربعة اشهر.
في الجلسة الثانية عشرة، أحضر الموقوف ولم تعد الورقة. وفي الثالثة عشرة، تعذر سوق الموقوف ولم تعد الورقة. وإزاء تكرار الأمر في الجلسة الرابعة عشرة التي دعي إليها في العاشر من الشهر الماضي، قررت رئاسة المحكمة تكليف القلم تسطير برقية إلى قيادة الدرك بوقائع التبليغات والاتصال بالفصيلة لإبلاغها بوجوب إتمام التبليغ والإعادة قبل موعد الجلسة المقبلة التي حددت بعد خمسة أيام. قبيل الجلسة الخامسة عشرة، تولى وكيل الدفاع عن الموقوف تسليم ورقة التبليغ باليد لعناصر الفصيلة الذين أبلغوه بأن «لا عديد كافياً لديهم للاهتمام بالتبليغات المرمية على الأرض، ولم يصر إلى إبلاغ أصحابها. لذا، لم يتغير المشهد في الجلستين الخامسة عشرة والسادسة عشرة اللتين لم تتمكن المحكمة من الشروع بالمحاكمة فيهما للسبب ذاته.
إزاء المماطلة في تنفيذ التبليغات وعدم تنفيذها، ماذا لو طالب سامر بإخلاء سبيله واضطرت المحكمة إلى الاستجابة لطلبه، رغم أنها لم تستجوبه بعد؟ وماذا لو أبقت على توقيفه، ألا يكون استنكاف رجال فصيلة تبنين عن القيام بواجباتهم قد أدى إلى ظلمه من جهة، وإلى عرقلة تحقيق العدالة من جهة أخرى؟ علماً بأن الفقرة الأولى من المادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية تنص على أنه «لا يجوز أن تتعدى مدة التوقيف في الجنحة شهرين، ما خلا حالة المحكوم عليه سابقاً بعقوبة مدتها سنة على الأقل».
سامر ليس حالة فريدة، بل إن له مئات من زملاء التوقيف الاحتياطي الذين تغص بهم السجون. ولتقصّي أسباب تقصير رجال الدرك في تنفيذ التبليغات، استطلعت «الأخبار» رأي آمر إحدى الفصائل الذي أكد وجود تقصير في تأدية التبليغات لأسباب عدة، منها «قلة العديد في المخافر والفصائل» إضافة إلى عوامل طرأت في الأشهر السابقة «أدت إلى تعطيل تنفيذ المهمات على اختلافها، ولا سيما أزمة التعديات على الأملاك العامة التي سبّبت توقفاً قسرياً طويلاً في تنفيذ التبليغات لانشغال العناصر بالدوريات الميدانية». ولأن المحاكم «تحوّل عدداً كبيراً من التبليغات المطلوب تنفيذها في وقت قصير أحياناً، يلجأ العناصر إلى انتقاء التبليغات، فينفذون تلك المتعلقة بالجلسات ذات المواعيد القريبة ويؤجلون البعيدة منها». ومن أسباب التأخير في تنفيذ التبليغات، عدم ورود عنوان صاحب التبليغ بنحو واضح من المحكمة. مع ذلك، يقر بتلقي بعض العناصر الأمنيين رشوة من بعض المطلوب توقيفهم لقاء عدم تسليمهم ورقة التبليغ «بحجة أنهم لم يجدوهم». في المقابل، يؤكد مصدر حقوقي أن المحاكم «ترسل التبليغات إلى الفصائل قبل أربعة أو خمسة أشهر من موعد الجلسة. كذلك إن بعض الأقلام، بناءً على تعليمات جديدة، أصبح يدون رقم هاتف المقصود بالتبليغ على ورقة الدعوة».
إلا أن آمر الفصيلة يشكو الخطر الذي يتعرض له العنصر المكلّف التبليغ. فالفصائل لا تخصص آلية أو قوة حماية خاصة لإجراء التبليغات. بناءً عليه، ينتظر العنصر شغور الآلية ليتمكن من استخدامها. وفي حال وصوله إلى المكان المقصود، عليه أن يتكبد وزر التعرض لأذى محتمل من المطلوب الذي قد يرفض تسلّم التبليغ.




تنص المادة 147 من أصول المحاكمات الجزائية على أن «أوراق الدعوة والمذكرات والأحكام والقرارات الصادرة عن القضاء تبلغ وتنفذ بواسطة مفارز أمنية خاصة تابعة مباشرة للنائب العام ولقاضي التحقيق الأول ولرؤساء الهيئات والمحاكم المختصة، وتكون مسؤولة أمام رئيس الهيئة القضائية الذي يوكل إليها أو يكلفها القيام بأي تبليغ أو إنفاذ أي تدبير في حال تلكؤها عن ذلك». فمتى تبصر هذه المفارز الأمنية الخاصة النور لتقوم بإجراء التبليغات، وتساهم في تسريع المحاكمات؟ وهل يصح الاعتماد كبديل من تلك المفارز على رجال الفصائل في ظل عدم قدرة هؤلاء على إجراء تلك التبليغات؟ وهل يحق لهؤلاء الأخيرين الاستنكاف عن القيام بواجباتهم في إجراء التبليغات لأي سبب كان؟