في كتابه «هسهسة اللغة»، يخصّص المفكر الفرنسي رولان بارت فصلاً عن تجربة ارتياد السينما. هناك، يتشارك بشر غرباء بعضهم عن بعض لحظات واحدة


رنا حايك
في الصالة الغارقة في العتمة، أنت وحيد. يحيط بك كثيرون، تتشارك معهم عزلتك وتتقاسم وإياهم انفعالات متشابهة. في جنة المراهقين تلك، تمتد الأيادي في لمسات مسروقة آمنة تتلحف العتمة، فيها يتاح لعاشقي الوهم البصري والخيال أن ينفلتوا من وطأة الواقع وأعبائه لبرهة من الزمن، وأن يشردوا بعيداً في عوالمهم الساحرة. هي فرصة لمن يعيشون على الهامش بأن يعيشوا لحظات آخرين وأن يخوضوا حيوات آخرين على الشاشة من دون أن يتورطوا بأي موقف أو مسؤولية.
بالنسبة إلى الشباب، يتنافس مشوار السينما مع مشوار العشاء على قائمة الدعوات الأولى التي من الممكن توجيهها للحبيبة. هي فرصة لخوض تجربة حميمة وسط جمهور يعني مجرّد وجوده أن العلاقة خرجت إلى العلنية.
كانت السينما قبلة الصبايا الشرقيات الممنوعات من الخروج في ستينيات القرن الماضي، ما أفضى إلى نكتة لا تزال متداولة حتى اليوم على سبيل المشاكسة: «بعد ناقص تروحي عالسينما!».
لم تعد هذه هي الحال. اليوم، أصبحت السينما مسموحة للصبايا. كما أصبحت السينما العادية، منذ أوائل القرن العشرين، بديهية، بشكلها الكلاسيكي، فوجب تطويرها لتلائم متطلبات العصر. تطوير رافقه ارتفاع نسب الجوانب الفلسفية والحالات النفسية التي تحيط بالصالة المعتمة: هكذا، راجت السينما «Drive Inn» في الولايات المتحدة منذ عام 1933، تاريخ افتتاح أول شاشة عملاقة في الهواء الطلق. تحررت السينما من حميمية الغرف المغلقة فازداد منسوب العزلة، إذ استتبعت حميمية على نطاق أضيق: شخصان، أو أكثر بقليل، يتابعون الفيلم من السيارة. لم تنجح هذه التجربة في بيروت، لأسباب مجهولة لا يستبعد أن تكون متعلقة بالحفاظ على «الأخلاق العامة». في السياق التطوري ذاته، وبعد ذلك بعقود، جاءت «السينما الثلاثية الأبعاد»، بنظاراتها السوداء التي توزّع على الداخلين إلى الصالة، فتعزلهم ليس عن محيطهم فحسب، بل عن رفيقهم أو صحبتهم


يفضل الشباب شراء دي في دي مقرصن لمشاهدة الفيلم

أيضاً. أما على المستوى الجماعي، فقد شهدت تطوراً مشابهاً، منذ أعلنها لينين عام 1920 «أداة ثورية» يجب على السوفيات الإفادة منها، ولبّاه مخرجون مثل أيزنشتاين وبودوفكين، مروراً بسلسلة الأفلام التي أنتجتها هوليوود خلال سبعينيات القرن الماضي لتبرير حرب الولايات المتحدة في فيتنام، إلى يومنا هذا حيث تعبّر الانتليجانسيا الفلسطينية من خلالها عن تشبثها بأرضها وبقضيتها.
رافق ذلك التطور التقني ـــــ الوظيفي تطور آخر، نفسي، لدى الشباب. لم يعد الكثيرون منهم يرتادون السينما. فالقرصنة تتيح لهم شراء الفيلم حتى قبل نزوله الصالات بسعر أدنى من بطاقة الدخول. وبما أن مساحة الطقوس والاستمتاع بأدائها تراجعت أمام هوس الاستهلاك، فغلب الـ«fast food» اليخنة، وتقدم الأسبرسو على كوب الشاي الساخن، بينما انتصر الإنترنت على الكتاب، في هذا السياق ذاته، تراجع طقس دخول السينما أمام شراء «دي في دي» مقرصن، ومشاهدة الفيلم «اللي عامل ضجة» لأجل مشاهدته فحسب. لنكون «inn» فحسب. هل نشهد اليوم موت طقس ارتياد السينما كما اعتدناه؟