محمد نزال

طلب مباشر جلسات المحكمة، كما تجري العادة، من الحاضرين الوقوف احتراماً للهيئة القضائية قبل دخول هيئة المحكمة. وقف الجميع، إلّا ثلاثة ظلّوا جالسين على مقاعدهم في قفص الاتهام. لم يُفهم في البداية سبب تمنّعهم، وتوقّع بعض الحضور وقوف الأشخاص الثلاثة، ولو متأخرين، ولكن هذا ما لم يحصل. دخلت إلى القاعة الهيئة المؤلفة من رئيسة محكمة الجنايات في بيروت القاضية هيلانة اسكندر، والمستشارين جمال الحلو وهاني عبد المنعم الحجّار. استغربت القاضية عدم وقوف الرجال الثلاثة، يونس ومحمد وأحمد. وجّهت إليهم أمراً مباشراً بالوقوف للمحكمة «التي تحكم باسم الشعب اللبناني»، فرفضوا الامتثال. كرّرت الأمر أكثر من مرة، لكنها عبثاً كانت تحاول معهم.
ما السبب الذي دفع هؤلاء إلى عدم الوقوف؟ سؤال ظلّ يحيّر الحاضرين في القاعة، إلى أن بادر أحد الأشخاص الثلاثة إلى شرح السبب قائلاً «إن الشرع لا يجيز لنا الوقوف، طالما أن الصحابة لم يقفوا للنبي».
نبّهتهم رئيسة المحكمة إلى أن عليهم الامتثال للقوانين اللبنانية، وأن امتناعهم عن تنفيذ الأمر «يمثّل جرماً معاقباً عليه». ولكنهم تمسكوا بموقفهم.
تدخّل ممثل النيابة العامة في المحكمة، وطلب إدانتهم بجرم «تحقير الهيئة القضائية»، وتدخّل في المقابل أحد الأشخاص الثلاثة طالباً سماع شهادة شاهد من دار الفتوى، فقررت المحكمة ضم الطلب المذكور إلى الملف.


الشيخ البابا: الوقوف احتراماً هو من صلب الدين كما يأمر الرسول

وبناءً على المعطيات الواردة، أدانت المحكمة الأشخاص الثلاثة وأنزلت بهم عقوبة السجن مدّة 6 أشهر، ا ان قانون العقوبات يجرّم التحقير «بالحركات أو التهديد على قاض في منصة القضاء».
لكن نظراً إلى عدم وجود سوابق جرمية بحق المتهمين في هذا المجال، منحت المحكمة الأشخاص الثلاثة الأسباب التخفيفية، فخفضت بالتالي مدّة عقوبتهم من 6 أشهر إلى شهر واحد.
من جهته، رأى إمام جامع الفاروق الشيخ أحمد البابا، أن التبرير الذي قدمه المتهمون الثلاثة «لا يمثّل رأي الدين الإسلامي على الإطلاق، ولا علاقة لدار الفتوى به». وأضاف الشيخ البابا في حديث مع «الأخبار» إن هؤلاء الأشخاص هم من «المتزمّتين والأصوليين، الذين لا يملكون أدلّة وحججاً على أفعالهم، فيأخذون بظواهر النصوص دون علم ودراية، وبذلك هم يشوّهون صورة الدين». وذكر البابا حادثة تاريخية تشير في رأيه إلى أن «الوقوف احتراماً يُعدّ من صلب الدين، فقد وقف النبي يوماً احتراماً لجنازة يهودي، فقال له البعض كيف ذلك وصاحب الجنازة يهودي، فقال لهم نعم، لكنه إنسان».