بينما يرزح المزارع العكاري تحت وطأة عوامل الإنتاج والتصريف، ينفرد أحدهم، أحمد أبو كدل، بنوع مميز من الزراعة جعله مقصد التواقين لغذاء لم تلوثه سموم العصر: الزراعة العضوية التي تخصّص هو وعائلته بإنتاجها


عكار ـــ روبير عبد الله
يقعد صبيحة كل يوم على مصطبة تطل على مزرعته. لا تحلو له القهوة إلا وهو ينظر إلى أبنائه وقد بدأوا العمل لإنتاج «أوسع تشكيلة من منتجات الزراعة العضوية في لبنان». هكذا يصنف أحمد أبو كدل، الشهير بكنيته «أبو ربيع»، مزرعته في بلدة ببنين. منزل أبي ربيع عبارة عن ثلاثة طوابق يسكن فيها مع أبنائه الخمسة عشر. جميعهم يعملون معه في المزرعة. المتزوج كما العازب، الموظف أو غير الموظف، من أكمل تعليمه ومن لا يزال يتعلّم.
على بعد أمتار من المبنى المذكور، يجهز أبو كدل مبنى آخر، لأنه لا يفكر في ترك أحد من أبنائه يبتعد عن المزرعة. حتى عام 2001 كان يمتلك مع إخوته جرافات وجرارات يستخدمونها في مجال استصلاح الأراضي الزراعية. وفي تلك الأثناء كانت وزارة الزراعة معنية بإعادة إحياء الزراعة التقليدية الخالية من المواد المصنعة أو المعدلة جينياً، وبما أن الوزراة كانت تشكو نقصاً في المختبرات والتجهيزات، كما في الطاقم البشري المؤهل للقيام بتلك المهمة، فقد أوكلت إلى كلية الزراعة في الجامعة الأميركية مهمة إجراء الأبحاث والدراسات في مجال الزراعة العضوية. وبينما كان وفد من الجامعة الأميركية يستطلع الأمكنة المناسبة في عكار، وقع الاختيار على قطعة الأرض التي يملكها أبو كدل، بالنظر إلى ما تتمتع به من مواصفات، أهمها بعدها عن الطريق العام ووجود حواجز طبيعية تفصلها عن غيرها من الأراضي التي تستخدم فيها أنواع الزراعات الحالية.
في عام 2002 وقّع أبو ربيع عقداً مع الجامعة الأميركية مدته سنة ونصف سنة. ثم مُدّد العقد المدة نفسها. بموجبه، تستخدم الجامعة خمسة آلاف متر من أرضه كحقل اختبار وتجارب. كانت النتائج مدهشة في النوع والكم معاً، ما دفع أبو كدل لزيادة مساحة الأرض المستخدمة في الزراعة العضوية لتصل حالياً إلى نحو ثلاثة وعشرين دونماً بالقرب من المنزل. يزرع فيها كل أنواع الخضار والحشائش، كما الفواكه والحمضيات وسائر الأشجار المثمرة. بالإضافة إلى قطعة أرض أخرى بمساحة عشرة دونمات يزرع فيها الزيتون واللوز والتين والعنب.
«ليبان سرت»، الشركة التي تشرف على عمل أبي ربيع، هي إحدى الشركات التي تمنح المزارع أو المصنع أو التاجر شهادة إثبات العمل في مجال المنتجات العضوية. يبدأ من فحص التربة وكامل البيئة الزراعية، حتى اختيار البذار العضوي، غير المعدل جينياً، بالإضافة إلى الأسمدة العضوية والأدوية الخالية من السموم، كما أنها ترسل فجأة مفتشين للتأكد من سلامة العمل في سياق الموسم الزراعي.
ويوضح أبو ربيع أن الزراعة العضوية ليست مجرد عودة إلى البيئة الزراعية التقليدية، بل إنها تحمل دمجاً للخبرات العلمية الحديثة في إطار العملية الزراعية، مثل فرض حراثة تقتصر على عشرة سنتمترات تحت التراب حيث المواد العضوية المغذية والخالية من المواد المضرة. الزراعة العضوية ليست عالية الأرباح، لكن الربح الحقيقي يأتي من خلال مساهمة أفراد العائلة في عملية الإنتاج. فأبناء الأسرة يبدون حرصاً أكبر في عملهم لأنهم في النهاية «أصحاب الرزق» بخلاف «المأجورين الذين لا يهمهم سوى قبض أجورهم في آخر النهار». لذلك لم يستخدم أبو ربيع سوى أجير واحد في السنة الحالية بعدما شغل الوظيفة أحد أبنائه، ما أعاق جزئياً هذا الأخير عن القيام بواجباته تجاه المزرعة. انتسب ربيع الابن الأكبر لأبو كدل إلى المدرسة الزراعية في العبدة وكان الأول في صفه طوال أعوام الدراسة، لأنه كان يدرس من ناحية ويعمل في الزراعة من ناحية أخرى. تخرّج ربيع مهندساً زراعياً، وتعمّقت خبرة العائلة في مجال الزراعة العضوية، فانتقلوا إلى تصنيع منتجاتها، من الزيتون وزيت الزيتون، إلى ماء الزهر وماء الورد، وورق العنب والصعتر ودبس الرمان، ورب البندورة وصلصة البندورة ومكدوس الباذنجان. وكل تلك المصنوعات الخفيفة تحظى على شهادة من الشركة المذكورة أعلاه، يذكر فيها طبيعة المنتج ومكوّناته وطريقة إنتاجه.
منتجات تلك المزرعة تباع في محل طرابلس قرب السيتي كومبلكس، وفي بيروت في «بيت السلام الصحي» وفي مؤسسة «سلة الصحة»، كذلك في المشرفية في الضاحية الجنوبية في محل اسمه «زاوية الصحة» وإلى جانبه محل آخر «البدائل العلاجية». كما يسوق باقي ما ينتج في سوق الطيب في وسط بيروت.
في رحلة تطوير الإنتاج العضوي جرت استضافة أبي ربيع في أكثر من ندوة متلفزة، كما تلقى أكثر من ثلاثين شهادة حضور في غرفة الصناعة والتجارة. لعلّ تجربته تمثّل مرجعاً في مجال زراعة المنتجات العضوية وتصنيعها.