استضاف «سجن رومية المركزي» زواراً تابعوا نشاطاً مسرحياً يشارك فيه سجناء، العرض التفاعلي مثّل حلقة جديدة، بعد مسرحية «12 لبناني غاضب» التي اعتُبرت من أهم الأعمال المسرحية الجديدة في لبنان


بيسان طي
... وأنت تخطو إلى قلب سجن رومية، تتوالى الصور الكثيرة في مخيلتك، صور نسجتها بنفسك وأخرى صنعتها لك القراءات والأحاديث عن السجن، وثالثة تشبه أفلاماً كبرت عليها.
تتقدم مثقل الخطى، يسيطر عليك شيء من القلق، شعور هو بالتحديد مزيج من الخوف والرغبة في اكتشاف ذلك العالم المجهول رغم كل الصور.
إنه التحدي، نعم الشعور بالتحدي هو كالروبوت المسمر وراء ظهرك يدفعك بقوة، لا يقرأ أفكارك ولا يأبه لمشاعرك، يزيحك إلى الأمام فتسير آلياً نحو الحبس، ترسم للذين ينتظرونك وجوهاً لا تشبههم، ترسم صورة القاعة التي ستلتقيهم فيها بشكل لا يشبهها أبداً... باختصار أنت ذاهب إلى مكان ستكتشف منذ أن تطأه قدماك بأنه لا يماثل كل ما تعرفه أو تتخيله أو تتحدث به أو...
«أهلاً بضيوفنا»، يقف أبو عبدو قرب الباب، رجل واثق من نفسه، مبتسم، أنيق، نظارته السميكة وحدها تشي بالفقر أو بالمعاناة أو بالمأساة، أو... سمِّ حالته بما شئت فهو في نهاية الأمر سجين.
نحن في المبنى د، في القاعة التي تستضيف نشاطات برنامج «العلاج بالدراما» وفق التسمية الشهيرة للبرنامج، أو الورشة، التي تديرها الفنانة زينة دكاش.
تُصف الكراسي على نحو متلاصق حول مساحة دائرية ستتحول إلى «خشبة»، العرض تفاعلي إذاً، يلتف نحو 30 سجيناً حول زينة ومساعدات اجتماعيات، يرحبون بالزوار: سفيرة بريطانيا في لبنان فرنسيس غاي وسفيرة النروج أغليز نورهايم وصحافيات.
«الريح بتعصف» عنوان التمرين الأول، يبدو أقرب إلى لعبة تشي بما يريد اللاعب أن يعرفه عن الآخرين، وأحياناً برغبة في تعريف هواجس سجناء و«هوياتهم» بحسب ما ارتكبوه من جرم أو جناية.
يقف أحدهم في قلب «خشبة العرض» المفترضة، وعليه أن يحدد على من تعصف الريح، فيختار مثلاً أن تعصف على من ارتكب فعل السرقة، يقوم المعنيون من أمكنتهم ويحاول كل منهم أن يجد بسرعة كرسياً جديداً له، وبطبيعة الحال سيبقى أحدهم في الوسط لأن الكراسي الموضوعة أقل من عدد الموجودين بواحدة. «الممثل» الجديد سيقرر وفق هواجسه أو خياراته على من تهب العاصفة، وهكذا دواليك...
يلفت التمرين إلى تداخل بين عاملين، الحدود بينهما هي تلك الأسوار المرتفعة حول السجن، ستكتشف قلقاً مثلاً على الحصار المفروضة على أطفال غزة، والتهم التي يواجهها الموقوفون المشاركون في النشاط، واهتمام بنصوص قانونية عن السجون والعقوبات والتوقيفات، تدرك فوراً أن السجن لم يحد قدرة العقل على متابعة نقاشات متنوعة، تدور في تلك الحلقة، تتنقل بين الكراسي، يشدك التمرين، تتسمر عيونك لاكتشاف على من تهب العواصف، وما هي تلك العواصف، هنا، وفي إطار هذه اللعبة «الغش» ممنوع، لا يمكن سجيناً أن ينكر تهمة موجهة إليه، وفي هذا الأمر تحديداً ما يختلف عن عالم الخارج، داخل السجن تسقط حرمة الكلام عن الأخطاء أو الجنايات أو الجرائم. لكنك وأنت مشارك في اللعبة لن تتنبه إلى هول الصدمة التي كنت ستشعر بها لو وقف أحد خارج السجن معترفاً بأنه كان لصاً، ثم مضى ليكمل اللعب، ويستمر جو المرح.
بعد الحركة جاء وقت الكلام، فرغت المساحة الداخلي، كل واحد على كرسيه، حكواتي الأنا، يحكي عن ماضيه والحاضر والمستقبل.
سيتغير المشهد قليلاً، أنا من كنته وما جنيته وما فعلته وما أتمناه... عبارات ترددت كثيراً، على معظم الألسنة.
الحكايات التي رواها المشاركون في اللعبة تمحورت حول ثلاثة أسئلة: ماذا كنت أو فعلت قبل 5 سنوات؟ ما هو حاضري؟ وكيف أتخيل مستقبلي بعد خمس سنوات؟
حفلت بعض «الحكايات» باعتراف بالذنب، آخرون قالوا إن «الماضي» الوسخ سهل «لصق تهم بهم»، وثمة موقوفون منذ شهور أو سنوات في انتظار النطق بالحكم ضدهم، اليوم هو نتاج الأمس، أما الغد فمظلم لا أفق له في نظر قلة، فيما آخرون يحلمون بالعائلة التي سيلتقونها أو سيبنونها، عصمت نشر كتاباً ويحضّر آخر، زميل له يدرس الإنكليزية لسجناء، ثالث يريد تحسين أوضاع الطبابة والأكل و... في السجن، يوافقه الجميع، عند هذه النقطة تعود إلى الواقع المر، أنت في أحد سجون لبنان، وهؤلاء المشاركون في اللعبة، وهم مسجونون أو موقوفون بتهم مختلفة، وجدوا من خلال مشروع العلاج بالدراما متنفساً وإطاراً إصلاحياً، على أي حال هم لا يخفون تعلقهم بهذا المشروع وبمديرته ومحركته، ويبدون حاجة أكثر من ماسة للاستمرار فيه.