تقاعس» الدولة عن تنفيذ القرارات القضائية ليس أمراً جديداً. تُقدم مبررات للرأي العام بحنكة وذكاء. أخيراً، بادرت الجمعية اللبنانية لفلسفة القانون إلى طرح تعديل في القانون للحد من «استنسابية» الدولة


محمد نزال
لماذا لا تنفّذ إدارة الدولة القرارات القضائية؟ سؤال طرحته الجمعية اللبنانية لفلسفة القانون في ندوة عُقدت أخيراً في فندق «كراون بلازا» حملت عنوان «شهادات في موضوع تقاعس الإدارة عن تنفيذ القرارات القضائية». تحدث في الندوة وزير الدولة السابق لشؤون التنمية الإدارية إبراهيم شمس الدين، ورئيس مجلس شورى الدولة السابق القاضي يوسف سعد الله الخوري، والرئيس السابق للجامعة اللبنانية محمد المجذوب، والمستشار السابق لوزارتي الصحة والداخلية كمال عرب، إضافة إلى المحامي سعيد علامة، ممثلاً نقيبة المحامين وعدد من القضاة والمحامين والأساتذة الجامعيين.
«التقاعس» هو السبب الرئيسي لعدم تنفيذ الدولة قرارات قضائية. هذا ما أجمع عليه الحاضرون الذين تحدثوا عن أسباب أخرى، أهمها:
ـــــ عدم وعي المواطنين لحقوقهم، إذ إنهم يهملون هذه الحقوق، ولا سيما حقهم في مقاضاة الإدارة، لحثّها على تنفيذ القرارات القضائية.
ـــــ التذرع بإمكانيات الإدارة المتواضعة، وتالياً بالأزمة الاقتصادية.
ـــــ تواطؤ بعض الموظفين.
ـــــ عدم صلاحية القاضي الإداري لناحية إلزام الإدارة بتنفيذ مترتبات القرار القضائي، فكل ما يستطيع عمله حالياً هو إصدار القرار القضائي، وعلى الإدارة أن تنفذ من تلقاء نفسها.
انطلاقاً من هذا الواقع، اقترحت الجمعية اللبنانية لفلسفة القانون إجراء تعديل في النصوص القانونية، بغية تحسين تنفيذ الإدارة اللبنانية للقرارت القضائية، وتحديداً تعديل المادة الـ93 من نظام مجلس الشورى اللبناني، التي في نصها أنّ «على الشخص المعنوي (إدارات الدولة مثلاً) من القانون العام أن ينفّذ في مهلة معقولة الأحكام المبرمة الصادرة عن مجلس شورى الدولة تحت طائلة المسؤولية، وإذا تأخر عن التنفيذ من دون سبب، يمكن بناءً على طلب المتضرر الحكم بإلزامه دفع غرامة إكراهية يقدرها مجلس شورى الدولة، تبقى سارية لغاية تنفيذ الحكم». في فقرة أخرى من المادة المذكورة، ثمة إشارة إلى معاقبة الموظف المخالف، حيث جاء في النص أن «كل موظف يستعمل سلطته أو نفوذه مباشرة ليعوق أو يؤخر تنفيذ القرار القضائي يُغرّم أمام ديوان المحاسبة، بما لا يقل عن راتب 3 أشهر ولا يزيد على راتب 6 أشهر».
أما التعديل المقترح، بحسب ما قال أحد مؤسسي جمعية «فلسفة القانون» في حديث مع «الأخبار»، فيتخلص بإضافة موجبين ملزمين للإدارة هما:
ـــــ في ما يخص القرارات القضائية الإدارية التي تقرر دفع مبلغ من المال للمستدعي من الإدارة، فإنه يفترض وضع نصّ يُلزم الإدارة دفع مبلغ للمستدعي بمجرد إبراز الحكم القضائي للمحتسب العام. وفي هذه الحالة المحتسب العام ملزم جزائياً بدفع المبلغ بصورة فورية.

إبراهيم شمس الدين: الدولة نسيت ولم تعد تعرف القرارات التي اتخذتها
ـــــ في ما يخصّ إعمال القرارات القضائية التي تتطلب من الإدارة اتخاذ قرارات أخرى، مثل إعادة الموظف إلى وظيفته، فإنه يفترض إضافة نصّ قانوني للمادة الـ93 المذكورة، بحيث يُمنح القاضي الإداري حق توجيه الأوامر للإدارة، وذلك لجهة إعمال «المفعول البديهي والطبيعي والمنطقي» للقرار القضائي... مثل إعادة الموظف الذي أبطل مجلس الشورى مرسوم وضعه بالتصرف، إلى وظيفته الأصلية، أو إلى وظيفة مماثلة. وإضافة إلى اقتراح إعطاء القاضي الإداري هذا الحق، فإن ذلك يستتبع إعطاءه حق تحديد فترة زمنية للإدارة للقيام بالعمل المعين (مثل إعادة الموظف خلال فترة أقصاها 3 أشهر».
يُدرك القيّمون على الجمعية صاحبة اقتراح التعديل القانوني «حنكة» الدولة، التي تُبرر تقاعسها دوماً بحنكة وذكاء. لذلك، فإن الاقتراح المُقدم يصبح معه من الصعب بمكان، بل شبه مستحيل، أن تستمر الإدارة في تقاعسها. يقول المسؤولون في الجمعية إنه «لا يمكن الآن شيئاً أن يُلزم الدولة بإعمال القرارات القضائية»، لكن «الحق يقال، فإن الدولة اللبنانية تقر في دستورها بحقوق جوهرية، وهي تتنطح بحق، بأنها الأكثر ليبرالية وديموقراطية بين دول العالم العربي، لذلك لا يمكنها أن تتجاوز حدوداً معينة في عدم احترام القوانين والقرارات القضائية».
في حديث مع «الأخبار»، أشار الرئيس السابق لمجلس شورى الدولة القاضي يوسف سعد الله الخوري إلى أنه في سبعينيات القرن الماضي، استقالت الحكومة الفرنسية بعدما رفض أحد الوزراء تنفيذ حكم صادر عن القضاء الإداري، وذلك بعد دعوى تقدم بها المتضرر. أما في لبنان، فالحال مختلفة، يقول الخوري: «للأسف، السلطة التشريعية لدينا سلطة كلامية، وإلا فلماذا لا تُحاسب الوزير بل ورئيس الحكومة عند تمنعهما عن تنفيذ القرارات القضائية؟ فليطرح النواب الثقة بالوزير المختص أو برئيس الحكومة في مجلس النواب».
أكّد القاضي الخوري، من منطلق خبرته القضائية، أن كل قرار قضائي يكتسب «قوة القضية المُحكمة»، فهو ملزم للإدارة، ومخالفته هي كمخالفة القانون، وتسأل الدولة عن ذلك. وأشار رئيس مجلس شورى الدولة السابق إلى أنه «عندما أبطل القضاء مراسيم وضع المديرين العامين في لبنان بالتصرف، فإنهم يُعَدّون كأنهم لم يوضعوا بالتصرف أساساً، وذلك فإنه عندما تكون الوظيفة شاغرة، وفي حال قرار إبطال الوضع بالتصرف، يمكن الوزير المعنيّ أن يأخذ تدبيراً ويعيد المدير العام إلى وظيفته، ولا علاقة لرئيس مجلس الوزراء، لأن المرسوم قد أبطل وبالتالي كأنه لم يولد».
أما الرئيس السابق للجامعة اللبنانية، محمد المجذوب، فقدّم مداخلة أشار فيها إلى أن لبنان لم يشهد منذ إصلاح الإدارة عام 1959 أي محاولة جدية للإصلاح، وأن الإدارة العامة في وضعها الراهن لا تتناسب مع طبيعة الوظائف الموكلة إليها، فالمواطن يشكو التنفيذ الاعتباطي أو العشوائي والتلكؤ أو التأخر في إنجاز المعاملات وتنفيذ القرارات القضائية. وختم المجذوب مشيراً إلى أن التأخير في عملية الإصلاح الإداري «يهدد بحرمان لبنان منافع البرامج التي تمولها الدول المانحة، وخاصة أن الإدارة العامة اليوم تخضع لضغوط وتدخلات مستمرة عليها».
أما الوزير السابق لشؤون التنمية الإدارية، إبراهيم شمس الدين، فقال معترفاً، من منطلق تجربته في الوزارة، إن الدولة «تتقاعس عن تنفيذ القرارات، وتبدو كأنها تتحرك للتنفيذ، بينما هناك إهمال وتلكؤ، علماً بأنها هي صاحبة الشرعية والحق والتفويض لتنظيم حيثياتها وحيثيات شعبها، فهي نفسها لا تتقيد، وعدم التقيد والتجاهل هذ قرار واعٍ». وأضاف شمس الدين قائلاً: «في تجربتي، الدولة نسيت ولم تعد تعرف القرارات التي اتخذتها، وقد كانت تستغرق الأمور الصغيرة في الجلسات وقتاً طويلاً، رغم وجود القوانين التي تتعلق بها».


لتعديل يتجاوز النص الفرنسيأعطى سعد مثالاً على الموظفين اللبنانيين الموضوعين بالتصرف، حيث صدرت منذ 8 سنوات قرارات إبطال مراسيم وضعهم بالتصرف ولا يزالون في بيوتهم، فيما كان «يجب إعادتهم إلى وظائفهم أو وظائف مماثلة»، منتقداً قرار مجلس الوزراء اللبناني في اجتماعه في 12 نيسان الفائت، الذي ساوى بين جميع الموضوعين بالتصرف. ودعا سعد من لديه بحث في الموضوع المذكور أن يقدمه إلى الجمعية لنشره في الكتاب الذي سيصدر في شهر آب المقبل.