نبيل عبدو

«حرقة القلب بتجمعنا»، يقول ناجي راجي وجيورجيو طراف من «التجمع للحفاظ على التراث اللبناني». شابان عشرينيان يعرّفان عن نفسيهما بأنهما من سكان شارع لبنان في الجميزة سابقاً. لم يتركوا منزليهما التاريخيين طوعاً. فعائلة راجي طُردت من بيتها القديم المؤجَّر في شارع الجميزة بعدما أراد مالك العقار أن يهدمه. أما عائلة طراف، فاضطُرّت الى بيع بيتها القديم نتيجة عدم تمكنها من إعادة تأهيله كما طلبت بلدية بيروت فور انتهاء الحرب الأهلية. ويذكر طراف أن «البلدية أصدرت في حينه قراراً يقضي باعتبار البيت غير صالح للسكن، وذلك من دون تفحّصه. ولم نتمكن من إعادة تأهيله لأننا فقدنا متجرنا في وسط بيروت بعد عملية استملاك الأراضي غداة انتهاء الحرب الأهلية، فاضطررنا إلى بيع البيت»، يقول لنا جيورجيو بمرارة.
كان بيتا هذين الشابين على وشك الزوال، لكنّ التجمّع الذي أسّساه نجح في استصدار أمر من وزارة الثقافة بوقف عملية الهدم. فالتجمّع الذي يضم حوالى عشرين شاباً وشابة يحملون في جعبتهم قصصاً مشابهة، يعمل على حث وزارة الثقافة على وقف تدمير الأبنية التراثية من قبل المقاولين. يتقصى التجمّع عن الأبنية التي ستهدم في الشوارع ذات الطابع التراثي، ويعدّ ملفاً بها ليرسله إلى المديرية العامة للآثار التي ترفعه بدورها الى وزارة الثقافة أملاً بإنقاذها. وقد تمكن التجمّع لغاية اليوم من إنقاذ أكثر من عشرين مبنىً أثرياً، ويناشد جميع المواطنين تبليغه بالأبنية التراثية التي تواجه خطر الهدم، وذلك عبر مجموعة الفايسبوك: «Save Beirut Heritage!».
يشرح طرّاف المشكلة قائلاً: «مالكو البيوت القديمة يقبلون ببيعها للمقاولين بسبب قانون الإيجارات القديم الذي يورّث عقد الإيجار دون تعديله أو إبرام عقد جديد مع الورثة. فيصبح بذلك المستأجر عبئاً على المالك الذي يفضّل أحياناً بيع البيت للتخلص من خلوّ الإيجارات». ويضيف إن هذا يمثّل «أول المطالب المطروحة في المسيرة: تعديل قانون الإيجار بحيث يكون حلاً وسطاً بين المالك والمستأجر. أما المطلب الثاني فيكمن بإنشاء صندوق لإعادة تأهيل المناطق ذات الطابع التراثي، يُغذى من مداخيل رخص البناء من أجل إعادة ترميم تلك المباني لتصبح آمنة ومحميّة من جشع المقاولين. وترميمها من الصندوق يعدّ حافزاً كبيراً للمحافظة عليها من دون تكبّد أكلاف الترميم العالية. أما المطلب الأخير فهو تحديد مناطق بناء الأبراج التي تخنق البيوت التراثية الصغيرة وتحول حياة سكانها الى جحيم».
بهذه المسيرة، يحاول «التجمع للحفاظ على التراث اللبناني» دقّ ناقوس الخطر. فتاريخ العاصمة الحالي يكتبه مقاولون متحالفون مع بعض المصارف. هوية المدينة تُسخَّر لخدمة الثقافة الاستهلاكية المتمثلة بالمجمعات التجارية الكبرى. فهل سيهبّ سكان بيروت لنجدتها، أم لا حياة لمن تنادي؟