تعبق الرائحة الزكية، هذه الأيام، في أرجاء منطقة جزين. مصدرها كروم التفاح المنتشرة في المدينة الجنوبية ومحيطها على ارتفاع يتراوح بين 1300 و1400 متر. هذا العام، كان الموسم جيداً مقارنة بالأعوام السابقة


كامل جابر
دخلت زراعة التفاح إلى مدينة جزين مع دخولها إلى لبنان نحو سنة 1915، عبر خليل عساف الذي استقدمها من الولايات المتحدة الأميركية. ومنذ ذاك الحين، أصبحت هذه الزراعة هي الرئيسة في المدينة السياحية الأولى جنوباً، وتمثّل رافداً أساساً في المدخول السنوي للسكان، بعد السياحة.
وبما أن بعض أصناف أشجار التفاح تعمّر لنحو مئتي عام، تجد في جزين أشجاراً تعطي من خيراتها منذ 50 و60 عاماً، «وهذا منوط بطرق العناية بالشجرة والاهتمام الدائم بها، لجهة تشذيبها، ومدها بالأسمدة اللازمة ومكافحة الحشرات والأمراض التي تصيبها» كما يشرح رئيس تعاونية مزارعي جزين جميل مقنزح. ولا شك في أن الطقس والمناخ يلعبان دورهما الفاعل في ارتفاع نسبة إنتاج التفاح في جزين أو في تدنيها. فالرياح والعواصف التي تهبّ في فصل الربيع، فضلاً عن تساقط الأمطار المتأخرة، قد تصيب أزهار الشجرة بمقتل. وللحرارة المرتفعة أحياناً دور في تفشي الأمراض في الثمرة. هذا العام، يقدّر مقنزح أن تنتج أشجار جزين أكثر من سبعين ألف صندوقة من التفاح، علماً بأن «هذه النسبة ليست الطاقة القصوى لإنتاج التفاح في بلدتنا، ففي بعض السنوات تفوقت النسبة على مئة ألف صندوقة، بعنا معظمها للجيش اللبناني. التخزين كان المشكلة الأكبر التي تواجهنا في حالات الإنتاج الفائض».
ولحل مشكلة التخزين، استقدمت التعاونية الزراعية، متعاونة مع المزارعين وبعض الدول المانحة، إلى جزين برادين اثنين، لا تتجاوز سعتهما 14 ألف صندوقة، لذلك يقصد مزارعو المدينة والجوار بلدة مشغرة، في البقاع الغربي، للتخزين في براداتها السبعة التي تتسع لحوالى 250 ألف صندوقة. وتساهم التعاونية في عملية نقل التفاح «غير المضمّن» إلى مشغرة من خلال وضع شاحنة تملكها التعاونية، في تصرف المزارعين، وتقاضي تكلفة النقل منهم فقط، بعدما كانوا يتكبدون، بالإضافة إلى تلك الكلفة، مبلغ ألف ليرة كرسم نقل عن كل صندوقة. كما «وضعت التعاونية بتصرف المزارعين جراراً مجهزاً لرش المبيدات وآخر لنقل التفاح من الكروم إلى المستودعات قبل نقلها إلى البرادات. وتلقى مزارعو جزين وعداً من وكالة الإغاثة الدولية بتجهيز مختبر لفحص التربة والتفاح، سنتسلّمه قريباً».
في جزين ثلاثة أنواع رئيسية من التفاح: الأصفر على أنواعه (للأكل والعصير)، الأحمر الداكن (ستاركن) ذو الرائحة العطرة، والزهري الموشح بالأصفر (غولدن)، بالإضافة إلى بعض التفاح الأخضر. ويؤكد مقنزح أن جميع المواسم هذه السنة «أتت نظيفة مثل الثلج، إذ نضجت وهي خالية من التبقع».
وتفاح جزين، على أنواعه، ذو رائحة زكية، يحتوي على نسب عالية من السوائل، فضلاً عن خصائص تميزه عن التفاح اللبناني، إذ تبلغ نسبة الحلاوة الطبيعية فيه 14 بالمئة، في مقابل 12 بالمئة للتفاح اللبناني في المناطق الأخرى. وسبب هذه الميزة «بعلية» الزراعة واعتمادها فقط على أمطار السماء.
ولأن تفاح جزين يحتاج إلى عناية دائمة، وإلى تجديد بسبب ما أصاب العديد من الكروم من أمراض أيام الحرب والاحتلال الإسرائيلي للمنطقة، فقد «لجأ عدد من المزراعين العام الماضي إلى زراعة شتول جديدة أميركية المصدر، مقدمة من دول مانحة، بلغت 15 ألف «نصبة»، تتنوّع ثمارها بين الأحمر والزهر، كبيرة الحجم، ومرغوبة في أوروبا، وعندها قدرة على الاحتمال والمقاومة، وتعمّر كثيراً، لكنها لن تضاهي التفاح الموجود عندنا، وخصوصاً الستاركن»، كما يقول مقنزح.
يتراوح عدد مزارعي التفاح في جزين بين 300 و320 مزارعاً، لا ينتسب منهم إلى التعاونية سوى 120 مزارعاً. بيد أن أكثر مشكلة تواجههم هي عملية التصريف. وتساهم التعاونية في تأمين بعض الاتصالات مع الجهات الشارية وفي البحث عن أسواق للتصريف وفي تأمين عملية البيع للجيش اللبناني، وفق خدمات «تطال جميع المزارعين من دون استثناء» كما يؤكد مقنزح. ولأن الموسم كان مقبولاً، هذه السنة، فقد بدأت عملية القطاف منذ أسبوعين، وقد لجأ عدد من المزارعين إلى «تضمين» كرومهم إلى تجّار دفعوا مبلغ 14 ألف ليرة ثمناً للصندوقة (السحارة) التي تزن 20 كيلوغراماً من التفاح الجيد، من دون أن يتحمل المزارع عملية القطاف والتوضيب والنقل.
أما المورد المادي المتفاوت الذي تدرّه المواسم، فيساعد الأهالي على تأمين مؤونة الشتاء وتسديد كلفة التدفئة، وأقساط المدارس للأبناء، بالإضافة إلى دوره في تشجيع المزارعين على بقائهم في المنطقة في مقابل عملية نزوح لافتة لأهالي بلدتهم باتجاه المدن، وخصوصاً في فصل الشتاء القارس.