يأتي قرار الدمج ــ الإلغاء لـ 78 مدرسة و3 ثانويات رسميّة متعثراً قبيل بدء العام الدراسي الجديد. وإذ يشهد القرار على نتائج سياسة إهمال الدولة للتعليم الرسمي، فإنّه يُبرز في مواجهته البديل الإصلاحي الذي تطالب به روابط الأساتذة والمعلمين، والمتمثل بإقرار الخريطة المدرسيّة


فاتن الحاج
استبق وزير التربية حسن منيمنة قرار تقديم بدء العام الدراسي الذي ينطلق، اليوم، في المدارس والثانويات الرسمية بقرار الدمج ـــــ الإلغاء لـ78 مدرسة و3 ثانويات رسمية. ثمانية أيام فقط فصلت بين القرارين اللذين رافقتهما حركة واسعة من الاحتجاجات في كل المناطق.
مجرد إقفال مدارس تحت عنوان الدمج، وبغضّ النظر عن المبررات، ولّد مرارة لدى الأهالي الذين ناضلوا على مدى سنوات طويلة لبناء هذه المدارس. وفي الوقت الذي تشوَّه فيه سمعة مدارس بحجة عدد التلامذة القليل، لم يطرح في المقابل توسيع الطاقة الاستيعابية لمدارس وثانويات رسمية تحقق نجاهات باهرة وتنافس القطاع الخاص في مناطقها. أما لائحة احتياجات وزارة التربية لأبنية مدرسية جديدة، فمجمّدة في مجلس الإنماء والإعمار بحجة غياب التمويل.
وهنا يعبّر حنا غريب، رئيس رابطة أساتذة التعليم الثانوي الرسمي، عن موقف الرابطة الذي أعلنته بتاريخ 25 آب الماضي، والذي طالبت فيه بضرورة إقرار الخريطة المدرسية استناداً إلى التوزع الديموغرافي الفعلي في العاصمة والمناطق بديلاً من عشوائية إنشاء المدارس والثانويات وتفريعها، ثمّ اللجوء إلى إقفالها بعد أن تكون الأضرار قد وقعت. ففي ظل غياب الخريطة المدرسية (تجميع المدارس) التي أقرتها خطة النهوض التربوي منذ سنوات، ولم تنفذ حتى الآن، والتي يجب أن يندرج في إطارها فتح المدارس ودمجها، تستمر سياسة الهدر، بحسب غريب، على الصعيدين التربوي والمالي إلى ما لا نهاية. كذلك تحول الضغوط السياسية دون بناء مدارس في أماكن أخرى، والأمثلة على ذلك كثيرة. أمّا النتيجة، فبقاء بعض الأطفال بلا مدارس إما بسبب غياب الروضات أو عدم تطبيق إلزامية التعليم ومجانيته في المدارس الرسمية، أو ببساطة عدم توافر البناء المدرسي، أو لأنّ الطاقة الاستيعابية لهذا البناء محدودة.

الخريطة المدرسية

ما هي الخريطة المدرسية؟ هي الخطة التي تلحظ حاجات البلاد من المدارس في ضوء المعطيات السكانية، أي عدد الأطفال والأولاد والشبان في عمر الدراسة. وتلحظ أيضاً المعطيات الاقتصادية والاجتماعية، أي متطلبات البلاد من أنواع التعليم ومستوياته المرتبطة بالبيئة والتنمية المطلوبة لمواردها البشرية. وكما يشير تعبير «الخريطة المدرسية»، فإنّه يتيح تصوُّر مراكز المدارس محدّدةً على خريطة البلاد بصورة واضحة تلبي الحاجات التعليمية وتخدم خطة التنمية.
تتطلب هذه الخريطة، بحسب غريب، تحديد المواقع للأبنية المدرسية بما يسهم في تحقيق الاندماج الوطني، فـ«اختيار المكان الجغرافي للمجمّعات التي يتعرّف فيها الأولاد بعضهم الى بعض يمثّل جزءاً من الأهداف الوطنية»، يقول.

ورقة باريس ــ 3 أكدت عزمها على القيام بإجراءات تدريجيّة لـ«عقلنة «إنفاق القطاع التربوي
وتبرز أهمية تحديد المواصفات التربوية المطلوبة في البناء المدرسي كأحد المستلزمات الأساسية لتطبيق المنهجية التعليمية، إذ كيف يمكن إدخال المواد الإجرائية كتعليم الفنون مثلاً من دون مسارح، أو التكنولوجيا من دون مشاغل، أو المعلوماتية من دون مختبرات للكومبيوتر؟ وتقضي المواصفات أيضاً بالتخلص من سياسة استئجار الأبنية التي تبلغ نسبتها 57% من مجموع عدد المدارس الرسمية (كلفة الإيجارات السنوية 22 مليار ليرة لبنانية). كذلك فإنّ الخريطة المدرسيّة تستوجب إلغاء نظام الدوامَيْن في المدارس والثانويات الرسميّة، وهي التي يجب أن تكون المعيار الأساسي لفتح المدارس وإخراجها من شرنقة المحاصصة والهدر والتدخّلات السياسية كي تصبّ الأبنية المدرسية التي تنفذها المؤسسات، ولا سيما مجلس الإنماء والإعمار ومجلس الجنوب وغيرها من المبادرات الأهلية والعربية، في خدمة الهدف التربوي والوطني أي الخريطة المدرسية.
يقول غريب: «آلية إقفال المدارس تأتي بقرار من الوزير. أما فتحها فبالواسطة والضغوط والتدخلات من القوى السياسية والهيئات المحلية، ولا مانع هنا من المطالبات ببناء مدارس رسمية شرط أن تكون في إطار الخريطة المدرسية».

برنامج إصلاح أم عادة سيّئة؟

لكن ما يحصل فعلاً، بحسب مصدر مسؤول في وزارة التربية، أنّ المدارس تبنى في أماكن لا تحتاج إليها. ففي تولا ـــــ قضاء البترون، أقفلت المدرسة القديمة وشيّد مبنى يتّسع لـ 500 طالب، وهو مقفل أيضاً بسبب عدم وجود تلامذة. وبدا لافتاً أن تشييد مدرسة في عين مجدلين، القرية الصغيرة في قضاء جزين (كامل جابر)، مؤلفة من أربع طبقات ومجهزة بالمصاعد ووسائل التدفئة والكهرباء والمختبرات وبتكلفة تردد أنها تجاوزت مليوناً ونصف مليون دولار أميركي، في وقت لا يتجاوز فيه عدد التلامذة 50 تلميذاً حتى بعد دمج مدرسة كفرحونة معها.
أما البارز، فتجميد مشاريع أبنية مدرسية هي احتياجات رفعتها وزارة التربية إلى مجلس الإنماء والإعمار، وذلك بحجّة عدم توافر الاعتمادات الماليّة، ومنها مدرسة القصر ـــــ سهلات الماء وثانوية الفاكهة في بعلبك وثانوية كفرزبد ومدرسة بوارج في زحلة ومدرسة القماطية في عاليه وعين الزيت في عكار.
كل ذلك يجري بغياب التخطيط الذي يقضي، بحسب أحد المسؤولين في المركز التربوي للبحوث والإنماء التابع لوزارة التربية، بتقسيم لبنان عقلانياً إلى دوائر تربوية (223 دائرة) على قاعدة معرفة عدد التلامذة الذين يقطنون المكان وأعمارهم وما إذا كانوا يحتاجون إلى تعليم أساسي أو متوسط أو ثانوي، و«هون الأرقام بتحكي مش السياسة».
يفهم المسؤول ردة الفعل لدى الأهالي على قرار الدمج الجديد «الطبيعية لأنّو مش هيّنة تسكّر مدرسة، لكنها غير منطقيّة إذا ما نظرنا إلى الوضع الكارثي للمدارس الرسمية في لبنان لجهة التوزيع العشوائي لها». يقول: «ولا مرّة فتحنا مدرسة استناداً إلى الحاجات المستقبلية، والمعيار كان دائماً نائب طلب مدرسة من هون، ومختار بدّو مدرسة بضيعتو».
«المسافة التي تفصل التلميذ عن مدرسته يجب ألا تتجاوز 5 كلم»، يقول مؤكداً أهمية الاهتمام بمرحلة الروضات الضعيفة في التعليم الرسمي، و«إن علمنا أنّها ستعزّز اعتباراً من العام الدراسي الحالي». هنا يلفت النظر إلى مشروع الروضات، في جميع القرى وأحياء المدن، الذي أكّدته خطّة «اليونسكو» للتعليم للجميع.
يتوقف المسؤول عند خطورة أن يكون ثلث التلامذة في المدارس الرسمية والثلثان في المدارس الخاصة، علماً بأنّ عدد المدارس متساوٍ في القطاعين، داعياً إلى ضرورة إعادة الثقة بالمدرسة الرسمية «مين قال إنّو المواطن اللبناني لازم يحترق سلّافو وينكسر ظهرو ليعلّم ابنو، فيما واجب الدولة تأمّنلو التعليم الجيد وببلاش».
يؤيد المسؤول التربوي خطوة الدمج، وإن أتت متأخرة، إذ كان يجب التحضير لها على الأرض منذ بداية الصيف. ويشير إلى أنّه سبق له أن شارك في إعداد تخطيط مناطقي وعقد عشرات الاجتماعات أيام وزير التربية السابق خالد قباني ولم يتخذ أي قرار بهذا الشأن.
يومها بلغ عدد المدارس التي يقل عدد تلامذتها عن 50 تلميذاً أكثر من المدارس التي دمجت حالياً. لكن غريب يعتقد أنّ عدد التلامذة وحده لا يكفي ليكون معيارا وحيداً لفتح المدرسة، بل هناك ضرورة لفتح مدارس في الدساكر والقرى النائية، حتى لو كان عدد التلامذة يقل عن 50 تلميذاً.
يرسم غريب بعداً آخر لإجراء الدمج يتمثّل بتأمين الوفورات المالية لا أكثر ولا أقل. فورقة باريس ـــ 3 أكدت عزمها على تطبيق برنامج إصلاح شامل للقطاع التربوي والقيام بإجراءات تدريجية لـ«عقلنة» إنفاق القطاع التربوي. هكذا تصبح الخريطة المدرسية، كما يقول غريب، مجرد إلغاء ودمج بعض المدارس ذات الأعداد القليلة، فيما تغيب إلزاميّة التعليم ومجانيّته حتى نهاية المرحلة الأساسية، كأحد الحقوق للتلامذة على الدولة واجب تأمينه.
ثمّة ضرورة لإقرار الخريطة المدرسيّة بديلاً من عشوائيّة إنشاء المدارس وتفريعها ثمّ اللجوء إلى إقفالها
لكنّ الإجراءات المقترحة، يضيف، اقتصرت على تحجيم التعليم الرسمي دون تحسين نوعيّته، و«بدلاً من أن يكون إجراء الدمج إدانة لسياسة الإهمال الرسمي بحق المدرسة الرسمية، يفاخر المسؤولون بإدراجه في إطار الإصلاح التربوي. هكذا تأتي الخطوة بغياب الخريطة المدرسية مجتزأة ودون رؤيا والتزام بزيادة الطاقة الاستيعابية للمدارس الرسمية، وللأسف بتغطية من الحكومة مجتمعة التي وافقت على ما سمّي الخطة الإصلاحية»، يقول. ثم إنّ الدمج سيؤدي إلى فائض على الفائض من المعلمين، فكيف ستحلّ المسألة؟ ويسأل: «إذا ما جرى استسهال إقفال المدارس الرسمية بغضّ النظر عن مبررات ذلك دون أن يرافقها توفير المستلزمات المادية والأكاديميّة المطلوبة لتحسين نوعية التعليم الرسمي بحجة توافر التمويل المطلوب كما يحصل الآن، ترى أيّ مصير ينتظر التعليم الرسمي في ظل هذه السياسة؟».
ويردف: «الإصلاح التربوي الحقيقي يجب أن يشمل كل مجالات خطة النهوض التربوي من الخريطة المدرسية إلى المناهج التعليمية وتطبيق المواد الإجرائية (معلوماتية، تكنولوجيا، مسرح، فنون، لغة أجنبية ثانية،...)، والمعلم والتجهيزات والوسائل التعليمية التي تستوجب أيضاً وقف سياسة التعاقد التي تضرب تحسين نوعية التعليم الرسمي واعتماد المباراة المفتوحة لجذب أفضل الكفاءات، لا أن تكون العملية سياسة بالمفرق وترقيعاً».
«المدارس الرسمية حسبة»، يستنتج أحمد كزما، مدير متقاعد. وإذا كان القسم الأكبر من المدارس الرسمية شُيّد، كما يقول، بعد معارك خاضتها الحركة النقابية والشعبية، فإنّ بعض وزراء التربية عمدوا على مر السنين إلى تحديد أماكن للمدرسة الرسمية لا ترتبط بالضرورة بالحاجات التربوية الفعلية للمناطق وبتحسين التعليم الرسمي كمّاً ونوعاً.
يسأل كزما: «علامَ اعتمد وزير التربية في تهجير الأولاد؟ هل كان المعيار العدد القليل للتلامذة؟ أم أنّ التفتيش التربوي قدّم له دراسة عن الأسباب الاجتماعية والوطنية لتراجع أعداد الطلاب في هذه المدارس المدموجة؟ لماذا لم يجرِ التوقّف عند أسباب تعثّر هذه المدرسة أو تلك؟ هل جرى درس إمكان تحويل هذه الأبنية إلى روضات أطفال قبل إلغائها؟». وبالمناسبة، يقول كزما، المواكب للواقع التربوي في منطقة ساحل المتن الجنوبي أو ما يسمى الضاحية الجنوبية لبيروت، بعدما عمل مديراً لعشرات السنوات في مدارسها الرسمية: «هناك روضة واحدة في كل الضاحية، فيما يُنتظَر أن تكون هناك روضة واحدة على الأقل في كل مجمع سكني». يستحضر الرجل تجربة العام الماضي في دمج 11 مدرسة رسمية في الضاحية. يكفي بالنسبة إليه أخذ نموذج المدرسة الابتدائية في الغبيري التي انتقلت من منطقة الطيونة إلى جسر المطار، ما أدى إلى تهجير أولاد لا تتجاوز أعمارهم ست سنوات، فيما كانت النتائج الأولى للخطوة أن عمد بعض الأهالي إلى «سحب» أبنائهم وتسجيلهم في مدارس خاصة قريبة، ما يعني أنّ دمج المدارس لا يعني بالضرورة دمج التلامذة، ولا أحد يستطيع أن يتحكم بإرادة الأهل.


في مدرسة جنّاتا جمعية وبلدية... ولا طلاب

صور ـ آمال خليل
بنت جبيل ـ داني الأمين
قبل أسابيع، ازداد نزلاء مبنى مدرسة جناتا الرسمية في قضاء صور، بعدما اتخذ المجلس البلدي قراراً باستخدام أحد أجنحة المبنى مقراً مؤقتاً له ريثما يُبنى مقر خاص به، فيما تشغل إحدى الجمعيات النسائية المحلية منذ سنوات جناحاً آخر كمقر لأنشطتها. وكان سهلاً على هذين الطرفين استخدام مبنى المدرسة، ليس بسبب موقعه الجغرافي أو مواصفاته الهندسية، بل ببساطة لأنّ الأهالي لم يسجلوا أولادهم في المدرسة، علماً بأنّ مجلس الجنوب كان قد شيّد المبنى بناءً على طلب الأهالي أنفسهم، وبموافقة وزارة التربية التي تسلمت المبنى ولم ترسل إليه الهيئة التعليمية، كما يقول لـ«الأخبار» قبلان قبلان، رئيس مجلس الجنوب. هكذا لم يبدأ التدريس في المبنى الذي عمّره مجلس الجنوب قبل أكثر من 12 عاماً. والسؤال الذي يطرح هنا هو: كيف تشغل الجمعيات المبنى، وبناءً على موافقة من؟ وأين يذهب الـ150 طالباً من أبناء جنّاتا والمقيمين فيها؟ ولماذا لا تعمد وزارة التربية إلى إعادة تشغيل بناء صرفت عليه مبالغ كبيرة عبر توفير الهيئة التعليمية؟
يوضح مختار جناتا السابق محمود الحسيني الذي تابع ملف الإنشاء ومحاولة التشغيل، أن وزارة التربية تسلمت المبنى من مجلس الجنوب فور إنجازه. وبعد أسابيع، جهزت الوزارة المبنى بخمسين طاولة لمئة تلميذ وباللوازم الدراسية الأخرى في الصفوف، ثم توقف العمل بسبب عدم بت منصب المدير. «تغيير الوزير من جهة وتراخي الجهات المعنية تجاه خطوة التشغيل، أدىا إلى مراوحتها مكانها»، يقول الحسيني. توقف مدرسة جناتا عن العمل يتكرر في أكثر من بلدة أخرى مثل سلعا في قضاء صور ودير سريان في قضاء مرجعيون.
أما قبلان، فيثير في هذا الإطار قضية الدعم الذي تتلقاه المدارس الخاصة المجانية من الدولة على حساب المدرسة الرسمية. ويروي قبلان كيف أنّ أحد مديري هذه المدارس يزور الأهالي في منازلهم ويقنعهم بالتسجيل في مدرسته مقابل عدم دفع أي رسم وتوفير النقل المدرسي مجاناً، في وقت يتقاضى فيه من الدولة مبلغ 750 ألف ليرة لبنانية عن كل تلميذ.
على صعيد آخر، أقفلت أبنية مدرسية كبيرة في قضاء بنت جبيل (داني الأمين)، ربما إلى غير رجعة، بسبب ندرة الطلاب. ويبدو أنّ غيرة أبناء القرى على مدارسهم المقفلة برزت بعد صدور قرار الدمج، رغم أن معظمهم يسجلون أبناءهم في المدارس الخاصة. لكن علي علوية من مارون الراس يقول: «ليس ذنبنا إذا كنا نريد توفير تعليم جيد لأولادنا، والدولة لا تدعم التعليم الرسمي». يرى علوية أن الحل يكون بمعالجة سبب التعثر، لا بإقفال المدارس. يسأل: «لماذا لا يفتح فرع لتدريس اللغة الإنكليزية في المدرسة، ولا سيما أنّ الأهل يتكبّدون مصاريف طائلة على تعليم أولادهم في المدارس الخاصة البعيدة».


ثانوية رياق: التدريس في طابق

رياق ـ نقولا أبو رجيلي
البقاع ـ رامح حمية
كم من الثانويات والمدارس الرسمية تحقق نتائج هامة، وهي لا تملك بناءً مستقلاً بها، بل تشغل طابقاً في أحد المباني السكنية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يستحضر أهالي بلدة رياق وجوارها في البقاع الرفض المستمر لإنشاء مبنى نموذجي حديث لثانوية بلدتهم النموذجية بنتائجها التربوية باعتراف المسؤولين في وزارة التربيّة. يسأل هؤلاء عن الجهة أو الجهات التي تقف وراء عرقلة تحقيق مثل هذا المشروع التربوي الحيوي على مدى عشرين عاماً مضت.
يأسف جان كعدي، رئيس مجلس الأهل الذي رافق المسيرة التعليمية للثانوية بصفته مدرساً فيها لمدة 30 عاماً، لعدم «تحقيق حلم هو حق لثانوية رسمية خرّجت طلاباً متفوّقين احتلّوا المراتب الأولى في الامتحانات الرسميّة وتبوّأ معظمهم مراكز رفيعة في الإدارات العامة المدنيّة والعسكريّة، وآخرون لمعت أسماؤهم في شتى المجالات كالطب والهندسة والمحاماة، وغيرها من المهن الحرّة».
سمعة الثانوية جعلتها محل ثقة أهالي البلدة والجوار، فيتسابقون مع بداية كل عام دراسي للانتساب إلى الثانويّة التي ينتظر أن تضم هذا العام نحو 325 طالباً، وهو العدد الذي ستكتظ به مقاعد الدراسة في المبنى الحالي، علماً بأنّ أعداد الطلبات المرفوضة تفوق ما يقارب ثلاثة أضعاف المقبولين.
وعن الأسباب التي حالت دون إنجاز ما يطمح إليه أبناء المنطقة، يتحدث كعدي عن دور تؤديه مرجعيات روحية بغطاء من جهات سياسيّة نافذة، بهدف عدم إنجاح هذا المشروع، على خلفية أنّ النتائج التي تحققها الثانوية سـ«تسحب» تلامذة المنطقة من المؤسسات التعليميّة الخاصة التي تديرها أو تمتلكها هذه المرجعيات.
كعدي كشف عن جهود ودراسات أعدت في وقت سابق، لبناء ثانويّة حديثة على قطعة أرض تقع ضمن أراضي رياق العقاريّة، لكن ذلك لم يتحقق. يطالب كعدي المعنيين بضرورة إزالة العراقيل إن وجدت، رأفةً بمئات الشبان الذين يقطعون مسافات طويلة لتلقّي علومهم في الثانويات الرسميّة البعيدة عن أماكن سكنهم لعدم توافر مقاعد لهم في ثانوية رياق، أو اضطرارهم لدفع أقساط مرتفعة في المدارس الخاصة.
أمّا عضو البلديّة السابقة، المهندس دعيبس منذر، فأوضح لـ«الأخبار» أن المجلس البلدي أبدى استعداده لاقتطاع مساحة 6000 متر مربع، من ضمن أملاك عامة تُعرف بمحلة «البيادر»، للبلديّة حق التصرّف بمساحتها، وتقديمها هبةً إلى وزارة التربيّة، لإنشاء ثانويّة رسميّة حديثة، لكن هذا المشروع لم يبصر النور أيضاً، متمنياً على البلديّة الحاليّة متابعة هذه القضية.
يُذكر أنّ تاريخ استئجار مبنى ثانويّة رياق الرسميّة يعود إلى عام 1982. وتدفع الدولة حالياً 43 مليون ليرة لبنانيّة سنوياً، مقابل إيجار مبنى يضيق بأكثر من 300 طالب، وتستخدم الثانوية فيه 18 غرفة وملحقاتها، خصصت 11 منها للتدريس، تبلغ مساحة كُبراها 20 متراً مربعاً.
ويبدو لافتاً مشهد ثلاثة جدران من الباطون تبرز من الحائط الأساسي في ثلاث غرف مخصصة للتدريس، يمتد جدار كل منها إلى وسط هذه الغرف بطول متر ونصف متر. وقد وزعت بعض المقاعد خلف هذه الجدران، في وضع يحجب الرؤية عن الطلاب الجالسين عليها، لمشاهدة المعلّم واللوح.
وفي هذه الحالة، يوضح أحد الأساتذة، أن هؤلاء يضطرون إلى التجمع وقوفاً واستراق النظر لمتابعة حصص التدريس. كذلك يفتقر المبنى إلى قاعة محاضرات وملعب شتوي، وآخر صيفي. فالباحة الوحيدة التي تمتد مساحتها أمام المدخل الرئيسي، يتشاركها الطلاب وسيارات الأساتذة وأصحاب المحالّ التجاريّة الواقعة في الطبقة الأرضيّة وزبائنهم.
في المقابل، تعالت أصوات الأهالي في قرى بيت مشيك الـ14 في البقاع، رفضاً لقرار الدمج الذي وصفوه بـ«المجحف والظالم»، لأنه طال المدرستين الباقيتين في هذه القرى الممتدة من بلدتي اليمونة وبوداي شمالاً حتى حدث بعلبك وطاريا جنوباً. وبهذا القرار تكون القرى قد خلت تماماً من المدارس الرسمية. فـ«إهمال متطلبات المدرستين أسهم في إقفالهما»، يقول مصطفى مشيك ابن بلدة سيرة هنا. وبدا لافتاً ما قاله مشيك لجهة أن المدرستين افتقرتا خلال الأعوام الماضية إلى معلمي اللغة، «وحين كنا نطالب بتوفيرهم، كان الرد دائماً يأتي من الوزارة بأننا لا نستطيع توفير المعلمين للقرى النائية!».