عساف أبو رحال
يقف مربو النحل أمام جملة تحديات تعيقهم وتحد من تطوير قطاع تربية النحل الذي تعتاش منه فئة واسعة من أهالي القرى الجنوبية. إنها ضائقة فعلية، كما وصفها بعض النحالين واختصرها بثلاثة أمور: ضيق المراعي وانعدامها مع استخدام مبيدات الأعشاب، ثم الأدوية الزراعية التي تقضي على النحل فتتناقص أعداده تدريجاً داخل القفير دون أن يدري النحال سبب المشكلة. يضاف إلى ذلك مجموعة أمراض، بعضها معروف يصعب القضاء عليه مثل حشرة «الفاروا»، والآخر يمكن مكافحته بما هو متيسر من أنواع الأدوية والمضادات الحيوية، وذلك على عاتق ومسؤولية النحال الذي يفتقر إلى مختبرات تحدد نوع المرض، ليصار الى وصف الدواء اللازم للعلاج.
ويشرح النحّال طاهر نوفل أحد جوانب المشكلة، ويقول إنه يملك أكثر من مئة قفير نحل، وقد درجت العادة منذ زمن، على نقل الخلايا لتمضية فصل الشتاء في السواحل الجنوبية لستة أشهر: من التشرينين حتى أواخر نيسان من كل عام، لتعود بعدها الى الجبال لتمضية فصل الصيف. وبذلك يمضي النحال وقته متنقلاً بين الساحل والجبل، همه صحة منحله وسلامته ليتمكن من جمع ما أمكن من نتاج الطبيعة المتمثل بالأشجار والزهور العاسلة. وقال: «التحديات كبيرة والمشكلة تتفاقم وتزداد خطورتها سنة بعد سنة، نهاية الصيف المنصرم انتقلت خلايا النحل من الجبل الى الساحل وكانت بصحة جيدة، حيث القفير الواحد يحوي عشرة براويز من النحل وكمية من العسل تكفيه مؤونة لفصل الشتاء، لكن تبين بعد فترة قصيرة أن أعداد العاملات آخذ بالتناقص التدريجي، لدرجة بات القفير يضم ثلاثة أو أربعة براويز من النحل، علماً بأن نظام التغذية قائم على فترات زمنية ووفق برنامج مدروس يتناسب مع وضع كل خلية». وأشار أن خلايا النحل المقيمة في المناطق الجبلية حافظت على عديدها ولم تواجه أية المشكلة، والسبب بسيط في هذه المعادلة: فالمناطق الساحلية في غالبيتها بساتين من الموز والليمون تخضع لرش المبيدات السامة للقضاء على الأعشاب البرية، وبالتالي القضاء على الأزهار المنتجة لحبوب اللقاح، وهي المادة الأساس لاستمرار التكاثر داخل القفير. أما الشق الآخر فيتعلق بالأدوية الزراعية المستخدمة في رش الخضار والفواكه وما تحويه من سموم تؤثر سلباً على النحل وتقضي عليه دون عوارض مسبقة. واعتبر نوفل أن المبيدات والأدوية من شأنهما القضاء على الكثير من خلايا النحل، وخصوصاً بعد تسجيل نفوق عشرات الخلايا في المنحل الواحد وتراجع الباقي، ما ينذر بمنتوج متدن هذا العام من عسل زهر الليمون. وتمنى على المزارعين من أصحاب البساتين استخدام أدوية غير ضارة بالنحل تفادياً للخسارة التي تطال النحال دون غيره.
أما متري السكاف، وهو كبير مربي النحل في منطقة حاصبيا ورئيس تعاونية زراعية هناك، فقد قال إن تربية النحل في لبنان تشهد تراجعاً في منتوج العسل، وخصوصاً الربيعي الذي يدخل زهر الليمون في تركيبته بنسبة 90 في المئة، والسبب يعود الى أصناف الأدوية المستخدمة داخل البساتين، حيث عمليات الرش لا تتوقف على مدار السنة، لافتاً إلى أن ضيق المراعي والظروف المناخية في فصل الشتاء تدفعان النحالين إلى نقل مناحلهم إلى السواحل هرباً من الثلج والصقيع. وقال: «بعض النحالين يواجهون ظاهرة اختفاء الخلايا التي اجتاحت العالم بدءاً من الولايات المتحدة الأميركية ومروراً بأوروبا ثم آسيا ومناطق أخرى من العالم، وذلك منذ أواسط عام 2006، دون أن تُحدَّد أسباب واضحة لهذه الظاهرة التي يمكن معالجتها عبر أنظمة إدارة المناحل للحد من انتشارها». واعتبر أن النحل اللبناني في مهب الضياع والقطاع بأكمله يتدهور ويتراجع، حيث استعصت حشرة الفاروا على المبيدات، والتكلس ينتشر ببطء ومن دون رادع، إضافة إلى أن «النيوزما» ومرض «الحضنة» الأوروبي والأميركي تفتك جميعاً بالمناحل أحياناً كثيرة، فيتفاجأ النحال بخسارة 30 ــــ 40 في المئة من قفرانه.
ورأى السكاف ضرورة إنشاء مركز أبحاث يعنى بأمراض النحل


في الماضي كانت الأعشاب تقتلع اقتلاعاً وهذا أمر مكلف اليوم لارتفاع أجرة اليد العاملة


وبترشيد استعمال المبيدات على خلايا النحل من جهة، وتأصيل وتحسين السلالة المحلية أو استبدالها إذا دعت الحاجة العلمية لذلك، وقال: «تربية النحل تمر بمشاكل كبيرة والحل الأساسي للنهوض بالقطاع هو الانتقال من تربية النحل كمبتدئين وغير متفرغين إلى متفرغين، نعتمد عليها كمورد عيش عبر رفع المستوى التقني لإدارة عدد القفران وامتلاك القدرة المالية»، مؤكداً ضرورة استبدال الملكات سنوياً نظراً لارتباط عمر الملكة بمخزون البيض لديها. ولفت إلى أن أهم المشاكل هي في أن «غالبية النحالين يعتمدون على الملكات التطريد أو الأجنبية، بحيث لم نعد نعرف سلالة النحل، إلا أن النحال المحترف يستطيع إدارة أي سلالة»، وتطرق الى قضية المرعى والرش والحرائق «وهي وحدها مصيبة وإلى قضية تشخيص أمراض النحل، حيث لا تُفحص عندنا العيّنات، بالإضافة إلى غياب الترشيد الزراعي وهذا ما يتطلب الخبرة والأموال».
أما أصحاب البساتين والحقول الزراعية فيؤكدون أن لا ذنب لهم. ويقول أبو علي عسكر صاحب بستان في منطقة صور: «الأدوية المستخدمة هي المتوافرة في الأسواق. المزارع عاجز عن استيراد الأدوية لحسابه الخاص، وهذا الأمر يتعلق بالجهات الموكلة تحديد نوع الأدوية المسموح بها» وقال: «في الماضي كانت إزالة الأعشاب تتم باقتلاعها من جذورها بواسطة المعاول والمجارف، وهذا أمر مكلف اليوم بسبب ارتفاع أجرة اليد العاملة، لذا تحول المزارعون إلى رش المبيدات للتخلص من الأعشاب».