في اليوم الثاني على حادث السير في الجيّة، ظل سائق الشاحنة متوارياً عن الأنظار، فيما أوقف أحد المصابين للتحقيق معه! يوم أمس، صدرت بيانات وعُقدت اجتماعات وأُعلنت طروحات، لوضع حد لمسلسل الموت على الطرقات، فهل تطبّق أم تبقى مجرّد وعود وكلام؟


محمد نزال
«كان لا بد من دم يُسال على الأرض حتى تتحرك الدولة، هذا إذا كانت ستتحرك»... هكذا عبّر أحد أقرباء المصابين في حادث سير الجيّة، أول من أمس، عن أسفه حيال «إهمال الدولة لشؤون الناس المعيشية واليومية». ربما تلخّص هذه الصرخة الأسباب التي دفعت بوزير الداخلية والبلديات زياد بارود إلى عقد مؤتمر صحافي طارئ بعد الحادث، والطلب إلى المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي الحضور، هو الذي اضطر إلى البقاء صائماً رغم حلول وقت الإفطار.
رغم وقوع الحادث عند حاجز «رادار سرعة» لقوى الأمن، استطاع سائق الشاحنة التي جاءت من الخلف الهرب والتواري عن الأنظار، من دون أن تتمكن القوى الأمنية من توقيفه. وقد علمت «الأخبار» أنّ هوية سائق الشاحنة أصبحت معروفة، وأنّ هناك تحريات واستقصاءات لمعرفة مكانه بغية توقيفه، لكن اللافت أن القوى الأمنية أوقفت سائق سيارة «الفان» التي اجتاحتها الشاحنة من الخلف، سمير نجدي، المعروف باسم أبو هدير، وهو من الضحايا الذين أصيبوا، وكان نصيبه بعض الخدوش والرضوض في رأسه ويده ورجله. مسؤول أمني رفيع أكّد لـ«الأخبار» أن نجدي قيد التحقيق، لأنّ سيدة توفيت مع ابنتها في سيارته (الفان)، وذلك «للحفاظ على الحقوق من تعويضات وما شاكل»، وخاصةً في ظل غياب سائق الشاحنة الكبيرة وقبل انتهاء التحقيق، لكن في كل الأحوال «سوف يطلَق سراحه ولن يبيت في التوقيف».
تفاعلت قضية حادث سير الجيّة (المجزرة) الذي راح ضحيته 6 قتلى ونحو 20 جريحاً، بعضهم في حال الخطر، وتفاعلت من خلالها قضية حوادث السير عموماً في لبنان وما تحصده من أرواح، حتى سمّاها البعض «القاتل الأكبر»، لكون عدد ضحاياها أكبر من عدد الضحايا الذي تسجله جرائم القتل الجنائية.
وفي هذا الإطار، أصدرت جمعية «اليازا» بياناً أمس، طالبت فيه مجلس الوزراء بتفعيل اللجنة الوزارية الخاصة بمعالجة مشاكل السير، و«بإعطاء أولوية لسلامة السير في لبنان، وإبعاد السجالات اللبنانية التقليدية عن قطاع النقل». ورفعت «اليازا» في بيانها عدداً من المطالب «الملحّة»، بهدف تلافي المزيد من حوادث السير التي بلغت أرقاماً قياسية.
وقد لخّصت المطالب بتنظيم إدارة متخصصة في قطاع المرور ضمن المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، ما يؤدي الى تخصّص رجال المرور في عملهم الاحترافي. كذلك تطبيق قانون السير بصرامة على جميع المواطنين، بدون أيّ استثناء، وإيجاد آلية تؤدي إلى تنفيذ أحكام قانون السير بسرعة ضمن مهلة مقبولة لا تتجاوز السنة. ومن المطالب التي وردت، اقتراح تطوير جذري في امتحانات السوق التي أصبحت تعطى لغير مستحقيها، بطريقة تهدّد سلامة المواطنين على


رغم وقوع الحادث عند الحاجز، تمكّن سائق الشاحنة من الهرب
الطرق العامة. وفي هذا السياق، تمنّى المسؤول في «اليازا» كامل إبراهيم ألّا تكون الوعود التي أطلقها الوزير بارود في مؤتمره الصحافي، ككل الوعود والكلام «الذي يُردد دائماً دون تنفيذ، فما نريده اليوم أفعال لا أقوال».
من جهته، أعلن اللواء أشرف ريفي في حديث مع «الأخبار» إنشاء لجنة آمري مفارز السير والضباط المعنيّين، وذلك لوضع خطة بشأن التدابير المطلوبة في مجال حركة السير والسلامة المرورية، وذلك بإشراف من الوزير زياد بارود. وعن سبب عدم اعتماد آلية استيفاء غرامات السير أوتوماتيكياً، كما هو معمول به في دول أخرى، أي استيفاء ما يترتب على السائق أثناء دفعه للميكانيك سنوياً بعد رصده، بدل إقامة حواجز الرادار على الأرض لهذه المهمة، أجاب ريفي قائلاً: «هذا ما نطمح للوصول إليه، أما اليوم، فإن نظامنا ليس أوتوماتيكياً بعد، لكن الخطة موجودة لدينا نظرياً، وقد رفعناها للوزير بارود، وبانتظار توفير التمويل اللازم ستصبح هذه الآلية موجودة». وفي هذا السياق، عقد الوزير بارود مع قائد الدرك العميد أنطوان شكور اجتماعاً، أمس، ثم مع آمر مفارز السير لإعطائهم التوجيهات والتعليمات الصارمة في شؤون تنظيم السير.


لقطة

أمس اجتمع أهالي بلدة صريفا (صور ـ آمال خليل) مجدداً حول ضريح علي بركات في جبانة البلدة، اجتمع الأهالي لتشييع أرملته فاطمة حاوي (24 عاماً) وطفلته رنا (عامان)، الأم والطفلة كانتا من ضحايا حادث الجية.
وديان دكروب (25 عاماً)، من البلدة، وقد أصيبت بجروح بليغة في الحادث، وتتلقى العلاج في أحد مستشفيات صيدا.
إلا أن أكثر ما فوجئت به البلدة هو توقيف القوى الأمنية ابنها سمير نجدي سائق حافلة الركاب الصغيرة التي كان الضحايا يستقلونها. فمنذ الحادث لا يزال سمير موقوفاً في أحد مخافر بعبدا بسبب تحميله جزءاً من المسؤولية عن التسبب بالحادث.
أبدى عم الضحية فاطمة، علي حاوي، دهشته من الأمر، مشيراً إلى اتجاه العائلة نحو إقامة دعوى قضائية ضد من تثبت التحقيقات تورطه في التسبب بالحادث. حاوي والكثيرون من أبناء البلدة حمّلوا المسؤولية الأساسية للحاجز الذي كانت تنصبه القوى الأمنية في المكان والذي فوجئ به سائق الشاحنة، فلم يستطع التحكم بها واجتاح السيارات المتوقفة إلى جانب الطريق ومنها الحافلة.