عبد الكافي الصمد

لا تقترب الساعة من العاشرة مساءً، إلا وتكون أغلب المقاهي الشعبية والحديثة في طرابلس، قد استعدت لاستقبال روّادها من أجل متابعة آخر مستجدات المسلسل السوري الشهير «باب الحارة»، في حلقة جديدة. فمنذ اليوم الأول لشهر رمضان، حظي هذا المسلسل الذي يتابعه اللبنانيون منذ خمسة مواسم، بنسبة مشاهدة مرتفعة جداً هنا في عاصمة الشمال، وصلت إلى حد أن بعض أصحاب الدكاكين لجأ إلى نصب شاشة تلفزيونية على الأرصفة، واضعاً أمامها كراسي بلاستيكية عدّة، ما كان كافياً لجذب عدد لا يستهان به من الشباب المتعلقين بمتابعة أحداث المسلسل بعيداً عن الحر في البيوت. فوق نهر أبو علي، حيث توضع اللمسات الأخيرة على مشروع سقف جزء من النهر ضمن مشروع الإرث الثقافي للمناطق القديمة من المدينة، والأكثر فقراً فيها، لم يتوانَ بعض أبناء الأحياء المجاورة لمجرى النهر، في باب التبانة أو السويقة أو باب الحديد أو الحارة البرانية أو القلعة، عن اللجوء إلى تثبيت شاشات تلفزيونية متوسطة الحجم فوق أحد جوانب السقف، بجانب بسطات خشبية صغيرة مرتجلة لبيع مناقيش الصاج والعصير والسجائر والأراكيل وغيرها، نوعاً من باب رزق لم يتأخر بجذب المتفرجين من أبناء تلك المناطق، وخصوصاً المراهقين منهم، كي يتابعوا المسلسل في الهواء الطلق.
«إذا كنت بدك تروح ع السينما، لازم تدفع حتى تتفرج، هون أطلب شي طلب وتفرج». بهذه العبارة يرد أحد الشبان على استيضاح عن كيفية متابعة المسلسل في مقهى أبي أحمد، شارحاً أن «الطلب» هو أن «تشتري شي منقوشة أو قنينة عصير، وهيك بيمشي الحال». ومع أن أبا أحمد عمد إلى مدّ كابل كهربائي غير شرعي من أجل تشغيل التلفزيون، فإنه يلجأ إلى الاستعانة بمولد كهربائي صغير يشغّله عندما ينقطع التيار الكهربائي، الأمر الذي يرفع عدد زبائنه من الرواد الذين يهرع بعضهم خارج منازلهم التي تفتقد مولداً كهربائياً أو لا تشترك في مولد خاص، لمتابعة المسلسل عند أبي أحمد أو في مكان قريب منهم يقدم لهم «خدمة» متابعة المسلسل. في محلة القبّة كان الوضع مشابهاً. إذ وضع صاحب محل صغير لبيع القهوة والعصير شاشة تلفزيون على رصيف ضيق، ورصف عدداً من الكراسي البلاستيكية في الشارع الرئيسي بعدما اقتطع جانباً منه، كي يتسنى لمراهقين وفتية متابعة مسلسل بدأ يؤثر على سلوكهم، لدرجة أن «كوفية» معتز وعصاه باتتا رفيقتي معظمهم، كما أن


نساء يخرجن إلى شرفاتهن المطلّة على المقاهي لمتابعة المسلسل «من فوق»

عبارة «يا قبضاي» أصبحت «لازمة» لا تفارق كلامهم وأحاديثهم. أما في باب التبانة فإن الأمر لا يختلف كثيراً، إذ تتوحد المشاهد بين هذه المناطق لدرجة أن الفروقات لا تظهر إلا بشيء بسيط يتضح في تفاصيلها الدقيقة. فداخل أحياء المنطقة وأزقتها الأكثر شعبية وفقراً في عاصمة الشمال، يندر ألا تجد مقهى شعبياً لا يكتظ بعد الإفطار برواد من مختلف الأعمار، بعضهم «يهرب» من البيت ليلاً «لأن عجقة الأولاد ونقّ النسوان أثناء عرض المسلسل بتوجع الراس»، يقول أحدهم، أو لأن «متابعة المسلسل هنا أفضل، لأنه عندما تنقطع الكهرباء يعمل صاحب المقهى على تشغيل مولد الكهرباء»، يقول زبون آخر من رواد المقهى.
تعليقات ومفارقات كثيرة يرويها بعض من يحضرون «باب الحارة» في هذه المقاهي، التي يعمد بعض أصحابها إلى وضع شاشات التلفزيون خارجها لإفساح المجال أمام أكبر عدد ممكن من الرواد لمشاهدته، عدا نساء يخرجن إلى شرفاتهن القريبة من هذه المقاهي لمشاهدة المسلسل «من فوق» عندما ينقطع التيار الكهربائي. ففي إحدى الحلقات، وعندما يريد أبو حاتم مثلاً الاطمئنان على وضع زوجته الصحّي وهي في المستشفى، كونه لا يستطيع الذهاب لرؤيتها إلا متنكراً خوفاً من أن يلقي «الفرنساوية» القبض عليه، تسال إحدى الجارات من فوق: «شو صار؟ لقطوه»؟ لا يجيبها أحد من المستغرقين بالمتابعة لكن أحد الشبان في المقهى يحلها لأبو حاتم قائلاً: «ليش ما بيتصل بالسيلولير وبيريّح حالو؟».