strong>حسين بن حمزة

هو من آل العظمة، العائلة الدمشقية التي أدى بعض أفرادها أدواراً مهمة في تاريخ سوريا. كان جده نبيه العظمة رئيساً للوزراء عامي 1948 و1954. أما عادل العظمة، شقيق جده، فكان مجاهداً كبيراً تولى وزارة الداخلية في الخمسينيات، وتوفي منفياً في بيروت، ورثاه بدوي الجبل بقصيدة مشهورة. أما يوسف العظمة، عمّ جده، فكان وزير الحربية الذي رفض دخول الجيش الفرنسي بقيادة الجنرال غورو إلى دمشق من دون مقاومة، فاستشهد في معركة ميسلون عام 1920.
داخل هذه البيئة التي جمعت بين النضال الوطني والأصل الأرستقراطي والسلوك الحداثي، ولد عزيز العظمة الذي يقرّ بتأثير نشأته المنفتحة على خياراته الشخصية والفكرية اللاحقة: «كان بيتنا عروبياً بلا تعصّب، مع إسلام خفيف وغير متزمّت. كان جدي يصلي ولكنه يكره الإخوان المسلمين. أمي كانت تتكلم الفرنسية، ولم يكن الحجاب دارجاً في الأسرة».
تخصّصه في التاريخ كان أشبه بترجمة طبيعية لانتمائه إلى عائلة تعبق سيرتها بالتاريخ. المكونات الثلاثة لخلطة العائلة جعلته أقرب إلى اليسار الماركسي، لكنه يسمّي ذلك ماركسية «النكاية»، إذْ كانت مجرد رافعة أو منصة لنقد الأهل والمدرسة والمجتمع المحيط به. النكاية قادته لاحقاً إلى ماركسية أكثر جدية، حين انتسب إلى منظمة العمل الشيوعي أثناء دراسته الجامعية في لبنان. تلك كانت تجربته الحزبية الوحيدة، وهي لم تدم سوى أربع سنوات. بالنسبة إليه، كانت ميزة المنظمة أنها تنظيم لمثقفين، وهو ما تجلى لاحقاً بتحول الكثير من أعضائه إلى أسماء كبيرة في الصحافة والأدب والكتابة السياسية. «كنت محظوظاً لأني عشت الحقبة الذهبية لبيروت الستينيات التي شهدت نشر السياقات الأساسية للحداثة وترسيخها، بينما أسهم تخرّجي في مدرسة إنكليزية في فتح عوالم إضافية أمامي».
كان الطفل الدمشقي في الثامنة حين سجلّه ذووه في «مدرسة برمانا العالية» في لبنان. كأنه نوع من القدر الشخصي، إذْ لم يعد صاحب «العلمانية من منظور مختلف» من بعدها إلى سوريا، لا طالباً ولا أستاذاً. بعد إنهاء دراسته الثانوية، درس الفلسفة والتاريخ في جامعة بيروت العربية، وأكمل دراسته في جامعة «توبنجن» الألمانية، ونال الدكتوراه من أكسفورد برسالة حملت عنوان «ابن خلدون في البحث الأكاديمي الحديث».
درّس العظمة في جامعات أوروبية وأميركية وعربية، لكنّه لم يدخل أيّة جامعة سورية، بل لم يُدع يوماً إلى أي ندوة أو نشاط فكري في بلده. أستاذ التاريخ المقارن في جامعة بوادبست حالياً، ليست لديه مشكلة مباشرة تمنعه من التردد إلى دمشق ولقاء الأهل والأصدقاء، لكنه لا يخفي إحساسه بمرارةٍ ما، يفضّل أن يسميها عدم رضى، لأنه لم يحظَ حتى اليوم بفرصة أن يتقاسم أبحاثه وأفكاره مع طلاب بلده.
في المقابل، حررت الإقامة في الخارج نبرته الفكرية من السمات المحلية الثابتة. هل يفسر هذا حيوية ومرونة الجملة التي يكتب بها مقابل الرتابة واليقينية التي تطبع نتاج أغلب مجايليه السوريين؟ يستسيغ العظمة هذا التوصيف، ويعزوه إلى سببين: «الأول هو الرتابة الأيديولوجية المتأتية من ماركسية يسارية، معطوفة على منهجية قومية متأتية من مناهج التدريس التي تشدد على اللغة والتاريخ العربيين. والثاني يتمثل في قلة الاطلاع على الإنتاج الأجنبي، وما يستجد فيه من سجالات تفصيلية تتفوق عادةً على العناوين الرئيسية. وهذا يجعل أغلب الكتابات السورية مدينة لنوعٍ من العصامية، المحمودة طبعاً، لكن المصحوبة بنواقص بنيوية».
الحديث عن الرتابة الأيديولوجية يأخذنا إلى الدرس الفلسفي العربي ككل، حيث الفلسفة متهمة بأنها تفلسف محض مقارنة بحيوية الفلسفة في الغرب، واستثمارها لموضوعات وظواهر يزدريها متفلسفونا. يوافق صاحب «التراث بين السلطان والتاريخ» على هذا التوصيف، ويضيف إلى ذلك «أن الفلسفة عندنا ما زالت انطباعية. أغلب المفكرين يكتبون انطباعاتهم عن ظواهر ومسائل معقّدة ومتشابكة، كما أنهم يفضلون العمل على مفاهيم وأفكار كبيرة ومتداولة أكثر من غيرها، ويهملون كتابات الصف الثاني التي تقدم صورة أكثر واقعية لمجريات الثقافة والفكر».
اشتغل العظمة على قضايا ملموسة، مستخدماً جملة ذات دلالات دقيقة. استثمر التاريخ لتدقيق ممارسته الفلسفية، واستثمر الفلسفة لتحرير التاريخ من نوستالجيته الماضوية. بهذا المعنى، اتسمت أعماله بنَفَسٍ نهضوي قرَّب شغله من الآليات التي عمل عليها مفكرون مثل عبد الله العروي ومحمد أركون. ركّز العظمة جهوده على جبهتي العلمانية والتراث. النفس النهضوي دفعه إلى إعادة تقديم تجارب تراثية وتخليصها من القراءات المغلوطة والمتزمتة التي التصقت بها. هكذا كتب مقدمات مميزة لسلسلة «المنتخب من مدوَّنات التراث»، وضمت نصوصاً مختارة لـ: الماوردي، وابن تيمية، ومحمد بن عبد الوهاب، وابن خلدون...
يرى العظمة أن الفكر العلماني والتحديثي تقهقر كثيراً، لكنه لم ينهزم تماماً. «صارت العلمانية مسبّة حين عوملت من الأطراف السلفية كعدوّ للدين». يقرّ العظمة بأن التهمة لم تكن مفتعلة في النهاية، ولا ينبغي إنكارها أصلاً. «اعتقدنا أن التديّن سيتكيّف مع الحياة الحديثة، ويتقادم ويصبح شأناً شخصياً كما حصل في الغرب... لكن ذلك لم يحدث، بل انهزمت الأفكار التقدمية والقومية لمصلحة تنامي حركات سلفية، تقيس السلوك الاجتماعي بمعايير دينية. هكذا بات العيب حراماً، وصارت تهطل علينا فتاوى في كل شيء».
العظمة الذي التقيناه في بيروت، على هامش مشاركته في مؤتمر عن «التوتاليتارية الأوروبية في الفكر العربي المعاصر» (راجع «الأخبار»، ١٣ ت١/ أكتوبر، ٢٠١٠)، أنهى كتاباً بعنوان «الله وشعبه»، يقدم فيه صورة دقيقة عن إسلام ما قبل التفسير، وعلاقته بالمجتمعات والأديان العربية القديمة. وبعيداً عن الكتابة والتدريس؟ يضحك: «أستمتع بالسفر، والقراءة، وحفلات الأوبرا».



5 تواريخ

1947
الولادة في دمشق

1977
أنجز أطروحة الدكتوراه بعنوان
«ابن خلدون في البحث الأكاديمي الحديث»

2000
أصدر سلسلة «المنتخب من مدوّنات التراث» (دار الريس)

2001
عمل سنتين أستاذاً للتاريخ المقارن في الجامعة الأميركية في بيروت، وبعدها أستاذاً في جامعة بودابست، حيث لا يزال حتى اليوم

2010
أنهى كتاباً جديداً سيصدر بداية العام المقبل بعنوان «الله وشعبه»