ضحى شمس

منذ شهور، ألم فظيع ينتاب رقبتي. بداية، ظننت أنه بسبب طريقة جلوسي إلى الكمبيوتر، وخاصة أنني لست ممن يتحركون بهدوء، بل أفاجئ جسدي بحركات عنيفة، كالقيام أو الجلوس بسرعة، أو الالتفات فجأة، ما قد يسبب تشنجات عضلية. لكن معالِجتي الفيزيائية أكدت لي بعد جلستين، أن الأمر قد لا يكون بسبب ذلك، ولو أن سلوكي هذا يعزز أي تشنج عضلي. ثم ظننت أنه «الكزّ» على الأسنان خلال النوم، كما اكتشف مرة طبيبي بعدما قصدته بسبب ألم مماثل، ظناً مني أني أُصبت بديسك في الرقبة. وقتها، ظننت أن مشكلة مثل هذه، أي «الكزّ» على الأسنان خلال النوم، لا حل لها، فكيف سأمنع لاوعيي، وهو تعريف خارج سيطرتي، من إصدار أوامره بعدم «الكزّ» وأنا نائمة؟ أي عندما أكون غير واعية مرتين؟ (إلا إذا كان اللاوعي يبقى على حاله، أي غير واعٍ وأنت نائم، والنتيجة بالتالي هي هي). وبعد محاولات لوضع «قالب بلاستيكي» بين أسناني خلال النوم، (أشبه بلجام الأحصنة، في أحسن الحالات)، لأنه كان يُصيبني بالغثيان، وقد باءت كلها بالفشل... «وجدها» الطبيب! هكذا، انضممت إلى عائلة «كزانكس» اللبنانية، وهي على فكرة من أكبر العائلات العابرة للطوائف (قد يحق لها قريباً بنائب في البرلمان، والأكيد أنه يحق لها بثلث معطل). والكزانكس للقلة من «الجهلة» بتقنيات التأقلم مع العيش البائس في لبنان، هو دواء لطيف خفيف، يرخي عضلاتك، غصباً، لدرجة أن لاوعيك نفسه ينام. وفعلاً، تحسنت منذ بدأت بتناول نصف حبة منه لثلاث ليالٍ متتالية، حسب إرشادات الطبيب، كلما عصفت بي «الكريزة». لكن المشكلة بقيت، ولو بقدر أقل من الحدّة. إلى أن لاحظت بعد طول تفتيش، أن تشنج رقبتي ببساطة كان بسبب «المكيف». فموجة الحر الفظيعة التي اجتاحتنا خلال الصيف المنصرم جعلت النوم من دون مكيّف، نوعاً من قرار ذاتي بإقلاق الراحة؛ فما إن تصل إلى البيت، من المكتب المُكيَّف، حتى تدير مكيف المنزل وتتركه طوال الليل وأنت نائم. لذلك، تجد نفسك في الصباح مجمداً، كما لو أنك نمت في البراد. وقد تحايلت على الأمر، فكنت أُشغّل المكيف على درجة عالية نسبياً هي 25، إلا أن النتيجة بدت لي نفسها.
ومع بداية الخريف، وانقضاء مرحلة منه بدون أي تغيير يذكر في الحرارة، طال استخدام المكيِّف، وأصبح الألم (حتى مع جرعات الكزانكس) لا يطاق: فإما أن تطفئ المكيِّف حتى لا تتشنج رقبتك في الصباح، لكنك بالمقابل لا تنام ليلاً وسيكون مزاجك سيئاً، فلا تستطيع أن تعمل، أو تشغله، فتنام، لكنك تستيقظ موجوعاً بطريقة تزداد مع تقدم النهار بسبب الشغل أمام الكمبيوتر، وبالتالي سيكون مزاجك أيضاً سيئاً. ومع أن النتيجة تقريباً واحدة، إلا أنني اخترت الطريق الثاني بالطبع، لأنه يتيح لي على الأقل العمل، ولو لساعات قليلة، من دون عمل. لكن التأثير الجانبي لهذا الخيار كان أنني أصبحت «نقّاقة». والنق هو نوع من البحث اللاواعي عن حل بالحقيقة. فأنت تنق وتنق أمام من تحب، كأنما تستعرض مشكلتك أمام من قد يجد لك حلاً. بهذا المعنى، هو بحث «غير واعٍ» عن الحل. نوع من استغاثة، استنجاد بصديق.
وبما أن وجوه الزملاء لم تكن أفضل حالاً من وجهي، عند الصباح، فما أحلى العيش في لبنان، كما تعلمون، فقد «فتحت قلبي» في أحد الأيام لبعضهم. وإذا بأحدهم، وقد كان يصغي، مبدياً بتقطيب وجهه أنه شديد التعاطف، يسألني فجأة: «ليش الكهرباء بتجي عندك كل الليل والنهار؟ يعني 24/24؟». حين قالها بتلك الطريقة التي فيها قدر مماثل من الدهشة و... الحسد، بعينيه التعبتين اللتين يكاد بياضهما يكون أصفر محمرّاً بسبب إرهاق القلق الليلي، تذكرت أن الزميل من سكان تلك المناطق المحرومة من التيار، أحياناً لأسابيع، وإذا بي أُحس بهلع، كمن ارتكب ذنباً لا يغتفر. فأنا أسكن منطقة شبه عسكرية، فيها مستشفى وثكنة، فلا أستفيد بالتالي من «دلال» العاصمة بثلاث ساعات تقنين فحسب، بل من تيار 24 على 24. نظرت إليه وفي ذهني تلك المشاهد المروّعة لسحل «الأغنياء» أو «الخونة» في الشوارع التي كان يقوم بها الفقراء في الأفلام التاريخية، بعيد الثورة الفرنسية مثلاً، وراودني ندم شديد على تأجيل مقالة كنت قد عزمت على كتابتها مطالبة بمساواة كل المناطق بالتقنين، لأن «المعاناة وحدها توحدنا وتحركنا» من أجل التغيير. وتذكرت جبني وخوفي من أن يستجاب لمطلبي «بهالفطيس»، ولو كان الأمر مستبعداً بالطبع. كان ما زال ينظر إليّ غير مصدق، أو كمن ينتظر «تفسيراً» من صديق خائن. فلم يطلع معي إلا: «عجبَك؟».