حتى دولة لاتفيا تودّ سؤال لبنان عن سجلّه في حقوق الإنسان: من عقوبة الإعدام إلى حقوق اللاجئين الفلسطينيين، إلى معاملة العاملات الأجنبيات، إلى تخلّف العديد من التشريعات الوطنية... اليوم في اجتماع مجلس حقوق الإنسان في جنيف، سيفتح الباب واسعاً أمام الدفاع والهجوم، ٣٤ سؤالاً يفترض أن يجيب عنها ممثل لبنان


جنيف ــ بسّام القنطار
تفتتح اليوم في جنيف الدورة التاسعة للاستعراض الدوري الشامل لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وهي آلية أنشئت بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في آذار عام ٢٠٠٦ في سياق «الإصلاحات» التي أعلنتها الأمم المتحدة، والتي أدت إلى إنشاء مجلس حقوق الإنسان. ورغم أن قرارات هذا المجلس ليست ملزمة، إلا أن «تقرير غولدستون»

الشهير عن فلسطين يعدّ من الإنجازات التي دفعت المنظومة الدولية إلى التنبه للدور المتصاعد للمجلس، الذي لا تتمتع فيه الدول الغربية بأغلبية ولا تمتلك حق النقض على القرارات التي يتخذها.
على جدول أعمال المجلس عرض لحالة حقوق الإنسان في ١٦ دولة، بينها لبنان وليبيا والولايات المتحدة الأميركية وموريتانيا.
وموعد مثول لبنان هو ١٠ تشرين الثاني الجاري في جلسة استماع لمدة ثلاث ساعات. حيث يعرض الأمين العام لوزارة الخارجية بالوكالة السفير وليم حبيب التقرير الوطني المقدّم من الحكومة، والذي يقع في ٢٧ صفحة.
ويمثّل ترؤس موظف الوفد اللبناني، وليس أحد الوزراء، مؤشراً سلبياً، إذ سجلت الدورات السابقة حضور وزير الخارجية أو رئيس وزراء الدولة المعنية بمراجعة سجلها. وبحسب معلومات «الأخبار» فإن مجلس الوزراء عرض على وزير الداخلية والبلديات زياد بارود ترؤس الوفد اللبناني، إلا أن الأخير رفض العرض، لأن التقرير المقدم لم يخضع لإشرافه. ويحتمل أن يعدل وزير الخارجية علي الشامي عن قراره بعدم المشاركة، لينضمّ الى الوفد اللبناني الذي يضمّ الى حبيب، رئيسة بعثة لبنان لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في جنيف، السفيرة نجلا رياشي عساكر، وعدداً من موظفي الوزارات المعنية، ومنها العدل والداخلية والصحة والشؤون الاجتماعية والثقافة.
إلى التقرير الرسمي اللبناني، تعرض مفوضية حقوق الإنسان ملخص تجميع للمعلومات الواردة في تقارير هيئات المعاهدات والإجراءات الخاصة. ويعيب هذا التقرير الذي يقع في ١٨ صفحة أن العديد من فقراته لا تتضمن معلومات حديثة، لكونه لا يجمع إلا المعلومات الواردة في الوثائق الرسمية للأمم المتحدة. التقرير الثالث الذي سيعرض في الجلسة هو موجز للمعلومات المقدمة من ٢٣ جهة غير حكومية، بينها منظمات لبنانية وأوروبية ودولية.
بعد جلسة الاستماع الى الوفد اللبناني الذي سيعرض خلالها التقرير الرسمي، تعدّ الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان أسئلة يفترض أن يتناوب الوفد اللبناني في الإجابة عنها، كل حسب اختصاصه. ويستدل من لائحة الأسئلة المكتوبة التي قدمت الى أمانة مجلس حقوق الإنسان أن الدول الأوروبية تقدمت بـ٣٤ سؤالاً إلى لبنان، فيما غابت أسئلة الدول العربية والآسيوية.

ستسأل بلجيكا عن الإجراءات لحل آلاف الملفّات للمختفين قسراً
تقدمت بلجيكا بـ٢٢ سؤالاً الى لبنان، جلّها تتعلق بتعهدات لبنان بالتوقيع على الاتفاقيات والبروتوكولات الاختيارية التي لم توقّع أو التصديق عليها بعد. وأبرزها البروتوكول الاختياري المتعلق بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، والبروتوكول المتعلق بإشراك الأطفال في النزاعات المسلحة. وسألت بلجيكا عن الإجراءات التي ينوي لبنان القيام بها لسد النقص الكبير في تقديم التقارير الدورية المتعلقة بالاتفاقيات التي صدّق عليها. كما سألت عن نية لبنان إنشاء نظام موحد للأحوال الشخصية المدنية يراعي المساواة بين جميع المواطنين بمعزل عن دينهم. وعن الإجراءات المتخذة لإلغاء عقوبة الإعدام وعن رفع سن المسؤولية الجنائية وسن الزواج وإجراءات إلغاء عمليات الإكراه على الزواج، وعن الإجراءات المتخذة لتحسين ظروف المخيمات الفلسطينية في لبنان. وسألت كل من بلجيكا ولاتفيا إذا كان لبنان ينوي توجيه دعوة مفتوحة لجميع المقررين الخاصين والمكلفين بولايات في إطار حقوق الإنسان. ومن العام إلى الخاص، سألت بلجيكا عن نية لبنان السماح للمقرر الخاص المعني بأشكال الرقّ المعاصر، بزيارة لبنان، وهو ما طلبته في عام ٢٠١٠ ولم يُردّ عليها بعد.
وبشأن لجنة العمل المعنيّة بالإخفاء القسري، لاحظت بلجيكا أن قيود اللجنة تضم ٣٢٠ حالة إخفاء قسري في لبنان، كُشف مصير ٨ منها، فيما لا تزال خارج القيود آلاف الحالات من الإخفاء القسري (قضية المخطوفين خلال الحرب الأهلية)، وسألت لبنان عن الإجراءات التي ينوي اتباعها لحل هذه الملفات العالقة.
وتقدمت بريطانيا بـ٧ أسئلة الى الوفد اللبناني. وعلى رأس القائمة سؤال يتعلق بشرح الآلية التي اتبعتها الحكومة اللبنانية في إجراء مشاورات واسعة النطاق مع منظمات المجتمع المدني المعنية أثناء إعدادها التقرير الرسمي. وفيما يتضمن التقرير الرسمي إشارة الى أن لبنان «وضع هذا التقرير بمشاركة الهيئات الوطنية والجمعيات الأهلية للتعريف بجهود لبنان في ميدان حقوق الإنسان، استناداً الى آلية الاستعراض الدوري الشامل»، يتوقع أن ينال هذا السؤال حيزاً واسعاً من الردود والنقاشات، وخاصة أن مستوى الاستشارات لم يتعدَّ المراسلات التي قامت بها وزارة الخارجية الى عدد من الجمعيات وحضور ممثل عنها في الاجتماعات التحضيرية التي عقدتها هذه الجمعيات أثناء الإعداد لتقاريرها الموازية. وفيما تحدث التقرير عن «خطة عمل» وضعتها وزارة الخارجية للتعريف بالمراجعة الشاملة، يتوقع أن ينال لبنان علامة متدنية جداً على «المنهجية» بالمقارنة مع الآلية المتبعة من العديد من الدول. ومن الأمثلة على ذلك غياب موقع إلكتروني تفاعلي خاص بالإعداد للتقرير اللبناني، الذي يُعدّ مؤشراً على أن التقرير خضع للحد الأدنى من المشاورات. حق المرأة اللبنانية بمنح الجنسية لزوجها الأجنبي وأولادها منه. سؤال طرحته كل من بريطانيا والدنمارك، في سياق سؤال الحكومة اللبنانية عن خطتها لإلغاء التحفظات على المادة ٩ المتعلقة بالجنسية في اتفاقية سيداو. ويلاحظ أن التقرير الرسمي أفرد فقرة خاصة للتدبير المؤقت الخاص بالجنسية للحديث عن «إقامة المجاملة» التي أجازها الأمن العام للأولاد من أمّ لبنانية. فيما غاب عن التقرير مشروع القانون الذي تقدم به الوزير بارود في آب ٢٠٠٩ والذي يتيح للمرأة اللبنانية منح جنسيتها لأطفالها. إذ ورد هذا «الإنجاز» الحكومي في تقرير منظمة العفو الدولية، ما يشير الى نية الحكومة اللبنانية إبقاء قانون الجنسية على وضعه الحالي.
وأفرد كل من ألمانيا والدنمارك عدداً من الأسئلة تتعلق بالحقوق الاجتماعية والمدنية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. وسألتا الحكومة اللبنانية عن خطتها لإعادة إعمار نهر البارد وعن أسباب تأخر هذه الخطة.
وفي ما يتعلق بمنع التعذيب، يورد التقرير الحكومي أن قانون أصول المحاكمات الجزائية «يراعي مبدأ حرية المدّعى عليه أثناء استجوابه، ويجري التأكد من أنه يدلي بإفادته بعيداً عن كل تأثير خارجي». في المقابل، ورد في تقرير منظمات المجتمع المدني أن التعذيب يمارس على نحو منهجي من جانب جهاز الاستخبارات في الجيش وفرع المعلومات في الأمن الداخلي. وذكرت منظمة الكرامة ومركز الخيام لتأهيل لضحايا التعذيب أن التعذيب «ممارسة شائعة في لبنان خلال استجواب الأشخاص المشتبه في انتمائهم الى مجموعات مسلحة».


تدوير الزوايا

يلاحظ أن التقرير الرسمي اللبناني الذي قدِّم الى مجلس حقوق الإنسان اعتمد سياسة «تدوير الزوايا» في جميع القضايا الحساسة المتعلقة بحقوق الإنسان. وكان من السهل الهروب من الالتزامات، من خلال الإشارة الى أن الحكومة «تدرس مشروع قانون بهذا الشان». فقد وردت هذه العبارة في أكثر من ٣٥ فقرة. وبشأن عقوبة الإعدام، يورد التقرير أنه رغم إعداد مشروع قانون لإلغائها «إلا أن الآراء لا تزال متضاربة ومتباعدة بين المعنيين بهذا الشأن».
ورغم تهرب لبنان من توجيه دعوة مفتوحة ودائمة أمام زيارة المقررين الخاصين بحقوق الإنسان على غرار السياسة التي تنتهجها العديد من الدول، يشير التقرير الى أن لبنان «منفتح ومستعد للتعاون في هذا الشأن. وفيما تورد التقارير الأهلية أن لبنان تخلّف عن تقديم ١٢ تقريراً وطنياً يفترض أن يقدمها الى هيئات المعاهدات في الأمم المتحدة، وأن فترات التأخير تراوح بين ٣ و١٤ سنة، يورد التقرير الرسمي أن «السلطات المختصة تعمل على إعداد هذه التقارير» من دون ذكر موعد محدد.