يعترف المسؤولون بأن ثمة أزمة ثقة قائمة بين المواطن ورجل الأمن في لبنان. ولأن ترميم هذه العلاقة يحتاج إلى برامج طويلة الأمد، كان القرار تغيير شكل البزّة الأمنية ولونها، لتصبح أكثر مدنية. قريباً، سيرى اللبنانيون الشرطة في حلّة جديدة


محمد نزال
«عدم احترام وتقدير المواطن لرجل الأمن، كرمز من رموز الشرعية الوطنية وسيادة الدولة على أراضيها»... وردت هذه الكلمات، بحرفيتها، كإحدى الخلاصات التي أشار إليها التقرير المرفوع إلى قيادة قوى الأمن الداخلي، قبل نحو سنة، نتيجة ورشة عمل حضرها عدد من كبار الضباط حملت عنوان «تعزيز ثقة المواطنين بقوى الأمن الداخلي».
إذاً، فإن ضُباط قوى الأمن الداخلي يدركون، قبل غيرهم، أن ثمة «أزمة ثقة في العلاقة المتبادلة بين رجل الأمن والمواطن»، أما أسباب ذلك فهي، بحسب التقرير المذكور، تتعلق بعنصر الأمن نفسه، وكذلك بمباني قوى الأمن الداخلي وتجهيزاتها، وعلاقة المواطن ذاته برجل الأمن، ومنها ما له علاقة وارتباط بوجود المؤسسة الأمنية ودورها ككل.
في الآونة الأخيرة، لاحظ متابعون لشؤون القوى الأمنية أن بعض المواطنين يشعرون بـ«نفور» لمجرد وقوع نظرهم على تلك البزّة العسكرية المرقطة بالرصاصي والأبيض والبنّي. هذا الأمر، بحسب المتابعين، مردّه إلى السلوكيات السيّئة التي يمارسها بعض العناصر الأمنيين بحق مواطنين، مثل التعسّف في الإجراءات والتعاطي الفوقي وغير الأخلاقي، وما يُشاع عن أمنيين يتلقون رشى مالية بغية غض النظر عن مخالفات من هنا وهناك، وكذلك ما تتعرض له بعض السيدات من «معاكسة على الطرقات»، فضلاً عن الشق السياسي في الموضوع، حيث يرى البعض أن هذا الجهاز الأمني تابع لفريق معيّن، إضافة إلى ما يشوبه من «تدخلات سياسية وطائفية على مستوى التعيينات وتنفيذ القانون». ما السبيل إلى إصلاح هذا الواقع؟ يعترف أحد المسؤولين الأمنيين بأن الجواب عن هذا السؤال ليس بالأمر السهل. ومردّ صعوبة الجواب يعود إلى صعوبة الإصلاح، لكن هذا لا يمنع من إجراء بعض التحسينات، أقلّه على المستوى الظاهري. ومن هذه التحسينات، بحسب ما كشف وزير الداخلية والبلديات زياد بارود لـ«الأخبار»، اقتراح تغيير شكل ولون البزّة التي يرتديها رجل الأمن في لبنان، حيث لاقى ترحيباً من الأمنيين أنفسهم، فأخذ سبيله نحو التنفيذ، قريباً.

يُفترض أن يُحدث التغيير في شكل البّزة ولونها تأثيراً إيجابياً في نفوس ضباط وعناصر أمنيين
يُلخّص الوزير بارود الأسباب التي دفعت إلى هذا الاقتراح بثلاث أفكار، أولاً: نظرة المواطن النمطية إلى المظهر الخارجي لرجل الأمن. فمن المتوقع أن يكون للتغيير وقع إيجابي في نفوس المواطنين، حيث يشعرون أنهم أمام أشخاص جُدد، أشخاص غير أولئك الذين علقت في الأذهان صور بعضهم وهم يمارسون سلوكيات سيّئة. ثانياً: يُفترض أن يُحدث التغيير في شكل البّزة ولونها تأثيراً إيجابياً في نفوس الضباط والعناصر الأمنيين، ففي المسألة عامل نفسي. فالشخص عندما يظهر بمظهر جديد، يشعر أنه بات محطّ أنظار الجميع، وبالتالي يستشعر شيئاً من الرهبة تجاه الشيء الجديد الذي صار عليه. ثالثاً: الفوائد المرجوّة من التغيير المنشود لا تستوجب أي كلفة مالية إضافية عمّا هو معمول به حالياً. فقد تبرّع المصمم اللبناني إيلي صعب بتصميم شكل البزّات الجديدة مجاناً، أما القماش فتكلفته لن تكون أعلى من كلفة القماش الذي تُصنّع منه البزّات الحالية.
إلى ذلك، ثمّة أسباب أخرى دفعت الوزير بارود إلى اقتراح هذا التغيير، أهمها تثبيت فكرة أن الشرطة، في الأساس، هي جهاز مدني، تتواصل مع المواطنين من منطلق مدني لا عسكري، وبالتالي فإن البزّة الجديدة لن تكون مرقّطة، كما هي بزّات بعض الجيوش في العالم، ولذلك ستخلو من أي طابع عسكري. ولكن كيف سيكون الشكل الجديد؟ «لم يُحسم الشكل النهائي حتى الآن، ولكن اللون المرجّح هو الكحلي أو ما شابه من ألوان»، يجيب بارود.
من جهته، رحّب المدير العام لقوى الأمن الداخلي، اللواء أشرف ريفي، بالتغيير المنشود، مؤكداً بدوره الطابع المدني للشرطة، وهذا ما يدفع إلى تغيير البزّات المرقطة «التي تحمل طابعاً قتالياً، لتحل محلها بزّات يكون طابعها مدنياً أكثر». وأشار ريفي في حديث مع «الأخبار» إلى أن المعنيين بهذا الموضوع ينظرون إلى نماذج بزّات الشرطة في مختلف دول العالم، وخاصة أن بعض الدول لديها باع طويل وخبرات واسعة في هذا المجال. وفي هذا الإطار، لفت ريفي إلى أن قوى الأمن الداخلي حققت، وما زالت تسعى، المزيد من تثبيت أفكار حقوق الإنسان لدى ضباط قوى الأمن وعناصرها، وخاصة «أننا نريد للمواطن ألا يشعر أن ثمة برجاً عاجياً بينه وبين رجل الأمن».
أخيراً، لفت أحد المتابعين لشؤون القوى الأمنية إلى أهمية اقتراح التغيير في الشكل، لكنه أشار إلى أن الجديد لن يعود جديداً بعد مدّة من الزمن، وبالتالي، يُفضّل العمل على تحديث الثقافة المزروعة في نفس رجل الأمن، لناحية معرفته أنه في نهاية الأمر شخص مُعدّ للتعامل مع مواطنين مدنيين، أما المظهر الخارجي «فليس سوى مرآة تعكس حقيقة ما في النفوس».


أزمة الثقة... من المسبب؟

تبين خلال ورشة عمل عُقدت قبل نحو عام، بحضور كبار ضباط قوى الأمن الداخلي، أن ثمة أسباباً لـ«أزمة الثقة» في العلاقة بين المواطن ورجل الأمن، منها ما يتعلق بالمواطن وأخرى تتعلق برجل الأمن نفسه، ومن هذه الأسباب «ضعف المستوى العلمي للعناصر عن التطويع. تطويع عناصر غير كفوئين. عدم تعيين العنصر المناسب في المكان المناسب. عدم تقيّد رجل الأمن بالقوانين (مخالفة أنظمة السير، مخالفة الأنظمة الإدارية). عدم إظهار الاحترام اللازم للمواطن أثناء التعامل معه. الاستنسابية في تطبيق القانون، إما بنتيجة مزاجية العنصر أو بسبب تدخل الرؤساء المباشرين أو التسلسليين. وكان لافتاً من الأسباب التي خرج بها المجتمعون في ورشة العمل، هو «فقدان العنصر للثقة بذاته وبالمؤسسة التي ينتمي إليها».


لقطة

لا تتوقف الأزمة في العلاقة بين المواطن ورجل الأمن على ما يقوم به هذا الأخير؛ فبحسب بعض الضباط الذين اجتمعوا في ورشة العمل التي عُقدت بتاريخ 8/10/2009 في فندق «كراون بلازا ـــــ بيروت»، فإن ثمة دوراً للمواطن في تأزيم هذه العلاقة، ومن ذلك: جهل المواطنين لأهمية رجل الأمن وطبيعته، وكذلك مساعدة المواطنين لرجل الأمن على تفشّي ظاهرة الفساد والرد والرشوة. ويشير هؤلاء الضباط إلى أسباب تتعلق بالأعتدة والتجهيزات، مثل مراكز قوى الأمن غير اللائقة، إن كان لجهة الاستيعاب أو النظافة بحدها الأدنى (غرف الاستقبال، غرف التحقيق، منامة العناصر، غرفة الأقلام الإدارية)، وأيضاً النقص في الآليات وسوء توزيعها وقدم عهد الكثر منها، ونقص في التجهيزات (المكتبية، أجهزة حاسوب، تجهيزات فردية).