جمال جبران
طلب أستاذ الرسم من تلاميذه في الاختبار النهائي رسم شجرة كان قد علّمهم طريقة تنفيذها، فرسموها بعدما استحضروها بالشكل الذي أُملي عليهم. نجحوا جميعهم في الاختبار ما عدا آمنة النصيري التي أصرّت على رسم شجرة خاصة بها، فبدت غريبة عن شجرة الأستاذ التي بذل جهداً كبيراً في رسمها وتعليمها لتلاميذه. لم تتوقف البنت الصغيرة عن رسم الأشياء بطريقتها الخاصة، لكنّ عقدة الفشل الأول ستلازمها طويلاً بعد انقضاء الطفولة.
لم تكن آمنة قد تجاوزت الخامسة من عمرها عندما ذهبت إلى المدرسة للمرة الأولى برفقة شقيقتها الكبرى، مرتديةً الحجاب (الشرشف) وهو غطاء أسود يحجب الجسد كاملاً: «عاقني طيلة الطريق عن رؤية الأحجار والحفر فوقعت كثيراً. وهو أمر صار عادة لازمتني لاحقاً». لم يدم بقاؤهما في المدرسة طويلاً. بعد حصولهما على الشهادة الابتدائية، قرر والدهما، الثري وصاحب النفوذ، ألّا تعليم بعد اليوم، فمصير البنت في النهاية إما الزواج وإما القبر. قرار واجهته الأم بمفردها حين رفعت دعوى طالبت بتمكين ابنتيها من استكمال دراستهما وهو ما رفضه القاضي.
لم تستسلم الأم التي لم تكن تريد لابنتيها حياةً كالتي عاشتها. قررت مغادرة القرية خفية إلى صنعاء، ومن هناك تدبّرت أمر سفرهما إلى القاهرة فالإسكندرية حيث يقيم أقارب لها. لكنّ ظروفاً قاهرة أعادتهما إلى صنعاء، حيث أتمّت آمنة دراستها الثانوية حاصلة على المرتبة الخامسة على مستوى الجمهورية. نجاح لم يُنسها عقدة الفشل الأول، ما دفعها إلى الذهاب بعيداً في الرسم وكتابة القصة، لعلّ هذا يمكّنها من تجاوز عقدتها.
في الجامعة، التحقت بقسم اللغة العربية. لم تجد صعوبة في الحصول على الشهرة... وصارت اسماً معروفاً على المستوى المحلي في الكتابة والرسم. «غير أن هذا لم يخلّصني من قلق تسلل إلى حياتي، ما أفسد عليَّ إحساسي بالنجاح في وسط ذكوري»، تقول آمنة. نجحت في سنتها الدراسية الأولى بتفوّق، لكنها قررت الانتقال إلى قسم الفلسفة ناقلةً معها قلقها. ونجحت أيضاً في تجاوز سنتها الدراسية لكنها توقفت مجدداً: «لم يكن هذا ما أبحث عنه».
تركت الجامعة نهائياً وقررت بمساعدة والدتها السفر إلى الخارج من أجل دراسة الفن، ذلك التخصص الذي لم يكن متاحاً في اليمن. نقلة أخرى في حياتها، مع حقيبة ثقيلة من الوصايا والمحاذير، وقلق كبير تراكم من سنوات التربية الصارمة. ثم إن موسكو ليست صنعاء: «كانت فوبيا الفشل وضياع المستقبل اللذين ورثتهما عن أمي يلاحقانني في كل مكان أذهب إليه، واستخدمتهما دافعاً قوياً لتحقيق تفوّقي».
عشر سنوات من الدراسة مغتربة وسط مناخ بارد لم تستطع تعوّده، وفوقها محاولة تجاوز الكلام الجارح الذي كان يصلها من اليمن عن البنت التي تقضي كل هذه السنوات في دراسة الفن: «كانت أمي تتكفّل بمهمة الدفاع عنّي، شارحةً لمن حولها أهمية الفن ومبرراته». وعليه، مضت أيامها ثقيلةً وباردةً إلى حين نجاحها في الحصول على دكتوراه في فلسفة الفن، والعودة للعمل في جامعة صنعاء. «لم يكن هذا النجاح لي، كان لأمي فقط. لم أكن أرغب أبداً في أن أخذلها». لا تذهب آمنة بعيداً في كلامها من دون التوقف عند سيرة والدتها التي درّبت نفسها على القراءة في سنّ متأخرة، مستفيدةً من مكتبة أبنائها. «هل تصدق أنها قرأت حسين مروة. لولا وجودها في حياتي، لما كنتُ هذه التي تتحدث معها الآن».
لا تتوقف آمنة عن التجريب. نراها متجددةً دائماً في الشغل الذي تقوم به. في معرضها الأخير الذي حمل عنوان «حصارات»، لجأت إلى تقنيات مختلفة، متجاوزة مساحة اللوحة إلى حدود التصوير الفوتوغرافي والفيديو والتكوينات الصلبة. كومة واحدة في فراغ حيث لا خلفيات محددة. أجساد سوداء متحركة أو مكوّمة ككتلة واحدة بلا هوية في حصاراتها وعزلتها التامة. مجرد أجساد مغطاة، ولا وجه واحداً يظهر للعين المتلقية. في أفعالها السابقة والجميلة، تتحايل النصيري على واقعها. لكنها هنا، مختلفة ومغايرة وجديدة تماماً. كأنّها تتعمد مجابهته وكشفه وفضحه وإدانته، فبدت متفلّتة من قيود كثيرة، أهمها الحاضر الأصولي الذي تعيشه اليمن اليوم، والخطر الذي يمثله.
قبل أن تأتيها فكرة هذا المعرض، كانت آمنة في سيارتها أمام إحدى إشارات المرور تنتظر دورها في العبور. اقترب منها رجل يحمل في يده كأساً ورشّها بما فيه. لحسن الحظ لم يكن سوى ماء. فهمت آمنة أن وجهها المكشوف يمثل مشكلة لكثيرين: «كل مظاهر حياة هذا المجتمع الذكوري ترفض حضور المرأة في أوساطها، بدءاً بالشارع الذي ينتهك كرامتها بكل نماذج التحرّش والانتهاك، وليس انتهاءً بأماكن العمل التي تواجه فيها النساء كل مظاهر التفرقة».
ولهذا تعدّ نفسها حالة نادرة استطاعت تجاوز هذا الواقع بسبب توافر بيئة خاصة ساعدتها في هذا التفوق، وبالتالي لا يمكن تعميمها. مع ذلك، تشعر أنّ هناك ما ينقصها ولم تلمسه بعد. حالة من عدم الرضى عن الذات تنغّص عليها حياتها. هي كثيرة القلق والتردد والحذر أيضاً: «لم أستطع التخلص من عجز لم أفهم مصدره، وخوف من الآتي. تعمّق لديّ شعور بفقدان الأمان تراكم منذ الطفولة». أضف إلى هذا، قصة زواج غير سعيد خرجت منه بابن وحيد هو كل حياتها اليوم: «لم أكن أدرك وقتها أنني أفقد البهجة في داخلي، وأنني في الحقيقة وحيدة ألهث من دون توقف في حلقة مغلقة».
لم يكن هناك حل سوى الانفصال، وهو فشل جاهدت لتجنّبه بشتى الصور، غير أنه صار ضرورة من أجل استعادة أشياء مهمة في حياتها، والبدء بترميم ذاتها وخوض مغامرة جديدة. كل تجربة ناجحة تكسر حاجزاً من الخوف داخلها، واضعة إياها كل مرة في موقف المواجهة «فإمّا أن أحقق شيئاً ذا قيمة، وإمّا أن أنسحب تاركة هذا العالم لمن هم أكثر جرأة وإبداعاً».
وماذا بعد يا آمنة؟ نسألها. تقول: «لا شيء»، ثم تستدرك «كانت أمي على قيد الحياة عندما افتتحت مرسمي الشخصي الذي كانت تترقب تحققه. لكنها لم تستطع الحضور بسبب عجزها عن الحركة. أحدث هذا فيَّ ألماً كبيراً أعتقد أنه سيبقى معي حتى نهاية أيامي».



5 تواريخ

1970
الولادة في رداع، محافظة البيضاء،
اليمن الشمالي آنذاك
(توحّد الشمال والجنوب عام ١٩٩٠)

1985
المعرض التشكيلي الشخصي الأول في صنعاء

2001
دكتوراه في فلسفة علم الجمال
من جامعة موسكو

2004
صدور كتابها «مقامات اللون»
(وزارة الثقافة اليمنية ـــــ صنعاء)

2010
افتتاح مركز «كون»، وفيه مرسم شخصي
ومنتدى ثقافي مفتوح تحت إدارتها