تعقيباً على ما نشرته «الأخبار» بشأن الوضع الأمني المتدهور في برج البراجنة، ردّت قوى الأمن الداخلي ببيان نفت فيه صحة بعض المعلومات، محمّلة المسؤولية لـ«الجهات الحزبية» التي «تحمي» بعض المعتدين على قوى الأمن. يأتي هذا في ظل تداول لأسماء «مخبرين جنائيين» يُخشى تحولهم إلى «مخبرين سياسيين» في الضاحية


محمد نزال
قبل أربعة أيام، نشرت «الأخبار» تحقيقاً صحافياً بعنوان «ماذا يجري في برج البراجنة؟»، سُلِّط الضوء من خلاله على الواقع الأمني الذي تعيشه المنطقة. وفي مساء اليوم نفسه، أرسلت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي ـــــ شعبة العلاقات العامة بياناً إلى «الأخبار» بعنوان «توضيح خبر صحفي»، نافية فيه صحة بعض المعلومات الواردة. وجاء في بيان قوى الأمن الداخلي الآتي: «ورد في صحيفتكم الغراء في عددها الصادر بتاريخ اليوم 7/10/2010 رقم 1237 في الصفحة الحادية عشرة خبر بعنوان «ماذا يحصل في برج البراجنة؟»، تناول فيه الكاتب الحوادث الأمنية التي تحصل في تلك المنطقة من جرائم قتل وإطلاق نار وظهور مسلح. وقد تحدث الكاتب في نهاية الخبر نقلاً عن أحد المسؤولين الحزبيين في المنطقة عن «دور لفرع المعلومات في تجنيد بعض مدمني المخدرات وممتهني السرقات الذين يلقى القبض عليهم ثم يطلق سراحهم بعد أيام، شرط أن يعملوا مخبرين للمعلومات بحجة توقيف أشخاص آخرين، ويزودون لهذه الغاية بهواتف خلوية خاصة وأحياناً ببطاقات أمنية».
أولاً: يهم هذه المديرية العامة أن توضح للرأي العام عدم صحة هذه المعلومات جملة وتفصيلاً، وتؤكد أن نشر هذا الخبر على هذا النحو، نقلاً عن أحد المسؤولين الحزبيين، ما هو إلا من ضمن الحملة الهادفة إلى تشويه صورة المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي عموماًً وشعبة المعلومات خصوصاً، علماً بأن القاصي والداني يعلم جيداً أن من يوقَف من مختلف الأجهزة الأمنية بأي جريمة كانت، يكون ذلك بإشارة القضاء المختص الذي يعود إليه وحده قرار إخلاء سبيله، دون وجود أية سلطة لأي جهاز أمني على مساومة أي مطلوب يُوقَف لدى القضاء بغية إطلاق سراحه لقاء تجنيده، الأمر الذي يدل على أن سبب ترويج هذه الشائعة ما هو إلا محاولة من مصدرها لتغطية مشكلة الواقع الأمني الأليم الذي تعيشه هذه المنطقة».
وأضاف البيان الموقّع من رئيس شعبة العلاقات العامة، الرائد جوزف مسلّم، أنه «مع الإشارة إلى علم الجميع بما يعترض عمل قطعات قوى الأمن الداخلي، في هذه المنطقة بالذات، خلال تنفيذها لمهماتها في حقلي الضابطتين الإدارية والعدلية، لجهة ملاحقة المطلوبين والتحقيق في الجرائم وتوقيف الفاعلين نتيجة للصعوبات التي تواجهها، حيث تعَرّض عدد من ضباط وعناصر قوى الأمن لاعتداءات وإطلاق نار من أشخاص معروفين أو يتمتعون بحماية من الجهات الحزبية التي ترفض تدخّل أية جهة أمنية في هذه المنطقة قبل إعلامها مسبقاً، معرقلين عمل الأجهزة الأمنية، ما أدى إلى تفاقم معدل الجريمة فيها، ولا سيما ظاهرة انتشار السلاح وحوادث إطلاق النار وجرائم القتل وتجارة المخدرات وتعاطيها، ثم يلجأون إلى تحميل أجهزة الدولة عموماً، وقوى الأمن الداخلي خصوصاً، المسؤولية عن هذا الواقع ومحاولة تشويه صورتها من خلال اختلاق أخبار لا تمت إلى الحقيقة بصلة». إلى هنا وينتهي البيان مع طلب نشره وفقاً لقانون المطبوعات.
يهم «الأخبار» الإشارة إلى أن ما نقلته عن «أحد المسؤولين الحزبيين» كان بمبادرة وسؤال منها، وخاصة بعد تلقيها عدّة شكاوى من أهالي المنطقة لناحية ما آلت إليه الأمور الأمنية، أي إنه لم يقصدها أحد من المسؤولين لنشر معلومات معينة، بل جاءت بمقتضى التحقيق الصحافي بعدما تبيّن أن ما ذكر يجري تداوله على ألسن عامة الناس. ومن الأمور التي تتداول بين الناس في المنطقة المذكورة، والضاحية الجنوبية عموماً، أن شخصاً اسمه زياد ت. وهو مقيم في منطقة قصقص، يُعَدّ من «أبرز الأشخاص الذين يزودون الشباب في الضاحية بالمخدرات، وخاصة علب دواء من نوع «سيمو» يستخدمه متعاطي المخدرات لما يحتويه من مواد مهدئة». ويذكر بعض الذين تواصلوا مع الشخص المشار إليه أنه يحمل بطاقة أمنية صادرة عن فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي. أسماء أخرى يجري تداولها أيضاً، بحسب ما علمت «الأخبار» من بعض قاطني المنطقة، يقومون بما يقوم به الشخص الأول، وهم: علي ص. محمد ش. علي ع. وهؤلاء يسكنون في منطقة الضاحية. أحد أبناء المنطقة أكّد أن شخصاً كان قبل أيام يقود دراجة نارية في منطقة برج البراجنة قرب مسلخ الغنم في شارع بعجور، فتعرض لحادث سير ووقع على الأرض. اقترب بعض الواقفين هناك لمساعدته، فوجدوا في صندوق دراجته النارية كمية كبيرة من المخدرات، وعند محاولة معرفة هويته تبيّن أنه يحمل بطاقة أمنية رسمية.
أحد الخبراء في الشؤون الأمنية لفت في حديث مع «الأخبار» إلى أن ما يسمى «المخبرين الجنائيين» أمر معتمد من الأجهزة الأمنية في كل دول العالم، حيث يُدس بهؤلاء، وهم من أصحاب الجنايات، بين رفاق لهم بغية توقيفهم، ويُستفاد منهم أيضاً للوصول إلى ما يُسمى «رأس الخيط أو زعيم العصابة أو المافيا». ويؤكد الخبير أن القوى الأمنية في لبنان تعتمد هذا الأسلوب، مستدلاً بعملية توقيف أ.ح.ع. التي حصلت في العام الماضي. والمذكور هو أحد كبار تجار المخدرات، إذ تمكن مكتب مكافحة المخدرات من استدراجه بواسطة أحد المتعاطين، فاتُّفق على موافاته إلى منطقة طريق المطار لإعطائه كمية من الهيرويين، فجاء التاجر بسيارة من نوع «نيسان ساني» ورقم لوحتها 382690 تحمل الرمز «ج»، فأوقف بعد تبادل إطلاق النار معه وإصابة مؤهل أول بطلقات نارية في رجليه. ويميّز الخبير بين «المخبر الجنائي» و«المخبر السياسي»، إذ يمكن أن تحوّل القوى الأمني المخبر من الحالة الأولى إلى الحالة الثانية، وخاصة في ظل «الاختلاف السياسي في البلد، الذي ينسحب على الأجهزة الأمنية المختلفة، علماً بأن لكل فريق سياسي جهازاً أمنياً مقرّباً منه».
أخيراً، يُلاحظ أن ثمة لهجة جديدة اعتمدت في بيان قوى الأمن الداخلي الأخير، حيث أشير إلى عدد من ضباط وعناصر قوى الأمن الذين يتعرضون لاعتداءات من أشخاص «معروفين أو يتمتعون بحماية من الجهات الحزبية، التي ترفض تدخل أيه جهة أمنية في هذه المنطقة قبل إعلامها مسبقاً»، علماً بأن المدير العام لقوى الأمن الداخلي، اللواء أشرف ريفي، كان قد أكّد في حديث مع «الأخبار» بتاريخ 26 حزيران من العام الجاري، وجود «تعاون تام في منطقة الضاحية الجنوبية بين قوى الأمن وحزب الله وحركة أمل، إضافة إلى الفاعليات الأهلية».
من جهته، لفت مسؤول من حركة أمل في منطقة برج البراجنة، إلى أن الحركة تبادر دائماً إلى مطالبة القوى الأمنية بالتدخل لتوقيف المخلين بالأمن والمخالفين للقانون، لذلك «لا يجوز رمي التهمة على الموجودين في المنطقة لناحية الفلتان الأمني، علماً بأن ما يحصل أخيراً غريب عن عادات أهل المنطقة، إذ يبدو أن بعض الأمور تأتي من الخارج، لكن في كل الأحوال، يجب ملاحقة جميع هؤلاء وتوقيفهم، وهذه مهمة القوى الأمنية أولاً وأخيراً».



حزب الله: الإهمال متعمّد لاتهامنا

استهجن مصدر مأذون له بالتصريح في حزب الله اتهام قوى الأمن الداخلي لـ«جهات حزبية» بعرقلة عمل قوى الأمن الداخلي في منطقة برج البراجنة، نافياً بشدّة هذا الأمر جملة وتفصيلاً. وأكّد المصدر أن التعاون في منطقة الضاحية الجنوبية عموماً بين حزب الله والقوى الأمنية «قائم باستمرار، وعلى كل المستويات»، لافتاً إلى أن الحزب لم يكتف بالتعاون نظرياً، بل عمد إلى جمع لوائح بأسماء الأشخاص المخالفين للقانون والمطلوبين للعدالة، وسلم هذه اللوائح إلى القوى الأمنية بغية توقيفهم، ولكن «كنا نفاجأ بخوف رجال الأمن من بعض المطلوبين، وأحياناً أخرى كانت القوى الأمنية تتأخر أكثر من ساعتين على استدعائنا لها لحل مشكلة ما أو توقيف أحد الأشخاص». وختم المصدر قائلاً: «أصبح لدينا شك بأن الأهمال متعمّد، على قاعدة فليدبّر حزب الله رأسه، حتى نبادر ونتدخل وبذلك يصبح سهلاً على البعض اتهام حزب الله بأنه يقيم دولته الخاصة».