الأزمات الإنسانية بحاجة إلى حلول سياسية

• مساهمة العرب في ميزانية الأونروا 1% فقط

أجراها: قاسم س. قاسم
على هامش المؤتمر الدولي الذي عقدته الأونروا ومعهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في جامعة الأميركية ببيروت، أول من أمس، حاورت «الأخبار» المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا)، فيليبو غراندي، عن شؤون الفلسطينيين ومستقبل الوكالة في ظل تزايد الحديث عن «سياسة خفض التمويل»

عقدت مؤتمرات لا تحصى حول حقوق اللاجئين الفلسطينيين، وحقوق الإنسان، ومبدأ حماية الطفل والمرأة، وشرح المختصون كيف أن الأونروا تطبّق هذه المفاهيم في مناطق عملها. لكننا نشاهد دائماً الاعتداءات التي تقوم بها القوات الإسرائيلية على أطفال غزة والضفة الغربية، مثلما نشاهد تماديها في اعتداءاتها خلال حرب غزة على مدارس الأونروا ومستودعاتها وقصفها مباشرة. كيف يمكننا تطبيق «الكلام الجميل» الذي نسمعه في المؤتمرات على أرض الواقع؟
عادة تعقد الندوات الأكاديمية في الجامعات والأماكن المغلقة، أما الواقع فهو بالتأكيد أصعب بكثير من الندوات، إذ إننا موجودون في مكان ململوء بالصراعات والأزمات السياسية، وهذه الأوضاع السياسية تنعكس علينا في مناطق عملنا. أما حل هذه الأزمات التي نعيشها ويعيشها اللاجئ الفلسطيني فهو سياسي بامتياز، لأن الأزمات الإنسانية بحاجة إلى حلول سياسية لا إلى حلول إنسانية.
أما ما تتعرض له الأونروا في غزة والقطاع فهو بسبب الصراع السياسي الدائر كما قلت سابقاً، ولطالما رددنا في المحافل الدولية أن الحل المناسب لما يجري هو إيجاد حل للقضية الفلسطينية، وإذا لم يحصل ذلك فإن الصراع سيبقى دائراً.
أريد أن أذكر أنه خلال الحرب على غزة كان يعقد اجتماع في جنيف حول حقوق الإنسان وحماية المدنيين. وكانت لي كلمة عبر الفيديو، بينما كان القصف يدور في القطاع. قلت لهم: عن أي حقوق تتكلمون؟ تفضلوا أوقفوا هذه الحرب إذا كان بإمكانكم. أعتقد أنه يجب على المجتمع الدولي أن يقوّي سلطته ليستطيع حماية المدنيين، ويجب النظر إلى الوضع القائم في غزة من الناحية الإنسانية.

وجّهت قوى التحالف الفلسطيني في منطقة صور أول من أمس مذكرة إليكم تطالب بإعادة توفير الرعاية الصحية الكاملة وتحسين مستوياتها على الصعد كلها خصوصاً في ما يتعلق بالعمليات الجراحية مثل القلب المفتوح وغسيل الكلى، والتوقف عن سياسة تقليص الخدمات بحجة عدم توفر الميزانية المالية. فماذا تقول لهم؟

لن توقف الدول المانحة مساعداتها
توفّر الأونروا الخدمات الصحية الأساسية للاجئين الفلسطينيين، بالإضافة إلى توفير دخول بعض المرضى إلى بعض المستشفيات اللبنانية (شراكة الأونروا مع وزارة الصحة اللبنانية). لكن مواردنا المالية محدودة على هذا الصعيد. فالأزمة الإنسانية التي يعيشها اللاجئون بحاجة الى حل سياسي لإنهائها، لكن برغم نقص الأموال، قمنا ونقوم ببعض التحسينات على الصعيد الصحي، إذ إننا نحاول إعادة هيكلة وتطبيق سياسة العلاج الاقتصادي» للأمراض المزمنة مثل السكري والضغط، من خلال تبسيط عملية توزيع الدواء وإعطائه واستعماله. ونحن نبحث ونسعى لتأمين المال من أجل توفير الخدمات الطبية كلها.

لماذا لا تطلبون من الدول العربية الغنية مساعدة الأونروا مالياً؟
العرب يموّلون مشاريع الأونروا كثيراً، وهم من المتبرعين الأسخياء جداً، خصوصاً بما يتعلق بمجالي الصحة والتعليم. إذ تصل نسبة تبرعاتهم لمشاريع الأونروا إلى نحو 10% من المشاريع. أما في ما يتعلق بمساهمتهم في ميزانية الأونروا الإجمالية، فتصل إلى نحو 1% او 1.5% فقط.

هل تعتقد بأن الدول العربية لا تساهم بفاعلية في ميزانية الأونروا، وذلك بهدف تحميل المجتمع الدولي مسؤوليته بما يتعلق بقضية اللاجئين، خصوصاً أنهم يرون أن المجتمع الدولي هو المسؤول عن تهجير اللاجئين في الأصل؟
لنفترض أن ميزانية الأونروا من مسؤولية المجتمع الدولي فقط، لكن العرب في أحد اجتماعات الجامعة العربية في السبعينات، قرروا زيادة نسبة دعمهم للوكالة من 1.7% الى 7.8%. زيادة نسبة دعمهم ستضيف الى ميزانيتنا العامة ما يقارب أربعين إلى خمسين مليون دولار، الأمر الذي سيخفف من أزمتنا المالية التي نعيشها. أتمنى عليهم أن يطبّقوا هذا القرار وأن تصل نسبة مشاركتهم إلى 7.8% كما كانوا قد اقرّوا بأنفسهم سابقاً. أذكر هنا إني منذ بدء تسلمي العمل في الوكالة، توجهت للعديد من الدول العربية مطالباً بدعم الأونروا. وفي الأيام المقبلة سوف أتوجه إلى المملكة العربية السعودية التي هي من أسخى المتبرعين للوكالة، لطلب دعم مشاريع الوكالة وخصوصاً بما يتعلق بعملية إعادة إعمار المخيم، إذ إن السعودية كانت قد تبرعت سابقاً بمبلغ 25 مليون دولار لإعادة إعمار المخيم.

لماذا لا تكون ميزانية الأونروا من ميزانية الأمانة العامة للأمم المتحدة، بدلاً من أن تكون ميزانيتها خاضعة للدول المانحة؟
لم تكن الأونروا تأخذ في السابق أموالاً من الأمانة العامة للأمم المتحدة، إذ كانت ميزانيتنا تعتمد على تبرعات الدول المانحة. لكن منذ فترة أقرّت الأمانة العامة أنها ستؤمّن من ميزانيتها العادية دفع مبالغ الموظفين الدوليين. لكن لا تنس أن جزءاً من ميزانية الأمانة العامة يذهب لتوفير الحماية للفريق العامل في قطاع غزة والضفة الغربية، وهذه الحماية تكلّف مبالغ طائلة كان بالإمكان الاستفادة منها في ميزانية الأونروا لو كانت الأحوال الأمنية أفضل. كذلك فإن حماية الفريق العامل هي من مسؤولية العالم أجمع، أما أكثر المتبرعين على هذا الصعيد، فتركيا والدول العربية.

أخيراً، أين ترى الأونروا بعد عشرين عاماً إذا بقي الوضع السياسي على ما هو عليه؟ خصوصاً أن كثيرين يعتقدون بأن تقليص ميزانية الأونروا هي سياسة مدروسة بهدف إنهاء دورها وفرط قضية اللاجئين الفلسطينيين، لا سيما أن الوكالة تُعدّ الشاهد الدولي على قضية اللجوء. فهل تعتقد بأن هناك مخططاً من هذا القبيل؟
لا أعتقد بأن جميع المانحين ما زال باستطاعتهم التبرع مثلما كانوا يفعلون في السابق
نتمنى لو أنه بعد عشرين عاماً لن يكون هناك أونروا أو لاجئون، لكن لنعد إلى الواقع الذي تريده. أرى أنه بعد عشرين عاماً، إذا لم يكن هناك من حل سياسي لوضع اللاجئين، ستكون الوكالة موجودة لمساعدتهم. أما فيما يتعلق بالسياسة المدروسة لتقليص ميزانية الأونروا، فإنني لا أعتقد بأن جميع المانحين ما زال باستطاعتهم التبرع مثلما كانوا يفعلون في السابق، خصوصاً جراء الأزمات التي تحصل في العالم مثل الفيضانات والحرائق التي أصابت مناطق عديدة من العالم، بالإضافة إلى الأزمات الأخرى. لكنني لا أعتقد بأن المانحين لا يريدون التبرع ودفع الأموال، أو أنهم يريدون إنهاء عمل الوكالة، مثلاً ذهبت إلى مفوضية الاتحاد الأوروبي في بروكسل وقلت لهم لقد تبرعتم بأربعين مليون يورو، أريد عشرين مليوناً إضافية، فأعطوني المبلغ كاملاً. وكذلك بالنسبة إلى الولايات المتحدة التي قدمت 15 مليون دولار اضافية. لو كان هؤلاء يريدون للأونروا أن تنتهي لما قدموا المزيد من الأموال التي طلبناها. قد أكون ساذجاً لكنني أتحدث الى جميع الجهات، وأنا أعلم أنهم لن يوقفوا مساهماتهم في ميزانية الأونروا، من الآن إلى حين إيجاد حل للقضية اللاجئين الفلسطينيين. كما أنني مقتنع بأن المانحين يودّون لو كان بإمكانهم التبرع أكثر، لكن هناك أزمات تمنعهم من ذلك كما قلت لك سابقاً.


من الطوارئ الى الرئاسة

انضم فيليبو غراندي إلى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في عام 1988، وعمل لثلاث سنوات في برامج اللاجئين في السودان. كذلك عمل في برنامج الاستجابة الإنسانية الطارئة في سورية وتركيا والعراق خلال حرب الخليج الأولى وبعدها. وعندما كان ضابطاً للطوارئ، عمل غراندي في أزمة لاجئي بوروندي في عام 1993 وعملية غوما في عام 1994. وبعد مهمة استمرت لعامين في الرئاسة العامة للتعامل مع بعض المانحين الرئيسيين لمفوضية شؤون اللاجئين، عمل غراندي منسقاً ميدانياً لنشاطات الأمم المتحدة الإنسانية في جمهورية الكونغو خلال الحرب الأهلية فيها والتي استمرت خلال عامي 1996و1997. وفي 20 كانون الثاني 2010 عيّن غراندي مفوضاً عاماً للأونروا.