أُعطيت سنة 2008 رخصة لصاحب عقار في جبيل القديمة لبناء طبقتين من عشرة أمتار، مما أدى إلى تشويه منظر المدينة القديمة. ما يضع علامات استفهام حول الرخص التي تعطى للبيوت القديمة في المدن التاريخية


جوانّا عازار
انتهت ورشة ترميم منزل في جبيل القديمة، فإذا به يرتفع عشرة أمتار عن باقي المباني الأثرية المحيطة به، مشوهاً بذلك منظر المدينة القديمة، وخاصة أن البيت يقع بين كنيستي مار يوحنّا مرقص وسيّدة النجاة، وكان صاحبه قد حصل على رخصة الترميم من بلديّة جبيل بعد موافقة المديريّة العامّة للآثار. فكيف إذا حصل البناء وبات التشويه في المدينة القديمة المصنّفة على لائحة التراث العالمي واضحاً إلى هذه الدرجة؟
القصة بدأت في كانون الأول من عام 2008، حينما «حصل صاحب العقار على موافقة المديرية العامة للآثار على إذن لإنشاء بيت بارتفاع 10 أمتار، وكشف فريق من المكتب الفني التابع لاتحاد بلديات جبيل على العقار وأُعطيت على أثر تقريره الرخصة»، حسب ما يشير مهندس البلديّة زاهر أبي غصن. وحينما بدأت أعمال الترميم في شتاء 2008، كشف على طبقة سفليّة للمبنى، فأُوقفت أعمال البناء لمدّة 4 أشهر، لأنّه كان سيتجاوز طبقتين وارتفاع 10 أمتار المسموح به، وبالتالي سيخالف الشروط التي على أساسها حصل المواطن على الرخصة. عندها كان على صاحب المنزل الانتظار للحصول على رخصة جديدة تلحظ التغييرات التي ظهرت خلال أعمال الترميم. وحين تأخّرت عمليّة إعطائه رخصة جديدة من المديريّة العامّة للآثار، عاد صاحب المنزل وردم الطبقة السفليّة، وهي موضوع الخلاف، وأكمل الأعمال وفق الرخصة القديمة. ويضيف أبي غصن أنّ الرخصة قانونيّة، وكذلك أعمال الترميم، لكن المشكلة تكمن في تطبيق هذا الارتفاع ضمن محيط المنزل؛ إذ أظهر البناء بمستوى مرتفع عن المنازل المجاورة له وعن الكنيستين الأثريتين المجاورتين، مع العلم بأن المباني في المنطقة السكنيّة المجاورة ترتفع إلى عشرة أمتار وتبدو متجانسة مع الأبنية المحيطة بها. من هنا ضرورة إعادة النظر بالقانون المطبّق في المنطقة التي يقع فيها المنزل المرمّم. وهذا ما قررت البلدية القيام به بعد البلبلة التي أثارتها أعمال الترميم، فألفت لجنة ضمّت مهندسين ومتخصّصين لإعادة النظر بقانون كلّ قسم من المدينة القديمة وإعداد دراسة في هذا المجال، على أن يرسل بعدها كتاب إلى المديريّة العامّة للتنظيم المدنيّ لإعادة درس المنطقة.

الرخصة أُعطيت من دون التدقيق في الضرر الذي قد يحدث
وفي البحث عن دور المديريّة العامّة للآثار في هذا المجال، تشير المعطيات إلى أنّ قانون التنظيم المدني في المخطّط التوجيهي لجبيل وتاريخه عام 1999 يسمح ببناء طبقتين بارتفاع 10 أمتار، ومع هذا يحقّ للمديريّة العامّة للآثار إعطاء رأيها وحتّى التمنّع عن إعطاء موافقتها على ذلك وإن سمح به في القانون. وبالتالي إنّ المشكلة كانت في إعطاء الرخصة الأوليّة للترميم، لذا كان على المديريّة التنبّه إلى الصدمة التي سيحدثها ارتفاع المنزل إلى 10 أمتار ضمن محيطه. وهنا تجدر الإشارة إلى أن جبيل التاريخية مدينة مصنفة على لائحة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، ويجب المحافظة على شكلها الحالي والحؤول دون تشويهه. والمعترف به، أن هذه المدينة هي من الأفضل حالاً في لبنان بعد الحرب الأهلية، من هنا ضرورة العمل على إبقاء هذا الوضع على حاله. لذا، يفرض المنطق نفسه لجهة إيجاد حل سريع للتخفيف من وطأة المنظر اللافت للنظر وإعادة الأولوية للكنائس الأثرية، ومن جهة ثانية يجب إعادة النظر بالأنظمة المتعلقة بجبيل أولاً وبباقي المدن التاريخية ثانياً. فيجب أن تقوم لجان مختصصة تضمّ ممثلين عن البلديّات والمديرية العامة للآثار، والمديرية العامة للتنظيم المدني ومهندسين من خارج السلك، وحتى بعض من سكان هذه المدن التاريخية لإشراكهم في القرار، بدرس كل الرخص المقدّمة من أعمال ترميم أو بناء ضمن المناطق المصنفة.