إذا كان لكل عيد طقوسه الدينية والاجتماعية عند أتباع كل دين أو مذهب، فإن أكلة «الهريسة» أصبحت جامعة بين هؤلاء في لبنان وخصوصاً في الأرياف، كما في بلدة بيت الفقس في الضنية مثلاً


عبد الكافي الصمد
للعام الثاني على التوالي، تحتفل بلدة بيت الفقس في أعالي جرود الضنية، بعيد الأضحى على طريقتها الخاصة. هكذا دعا كبار البلدة وشبانها إلى حفل طبخ جماعي لأكلة «الهريسة»، مسجّلين بذلك مجالاً إضافياً هو المطبخ هذه المرة، للتعبير عن حب هذه البلدة الصغيرة للعمل الجماعي الذي لطالما تميزت به عن بقية قرى المنطقة.
فبعدما كانت «الهريسة» طبخة أعراس المنطقة، حيث تُقدَّم بمواصفاتها ومكوناتها للمدعوين الآتين من قرى بعيدة، ارتأى أهل «بيت الفقس» تقديم هذه الأكلة في الأعياد، كما قال لـ«الأخبار» قاسم عواضة. هكذا، إثر نقاش، اختير عيد الأضحى لهذه الغاية، عوضاً عن عيد الفطر لسببين: الأول أن «الهريسة» أكلة دسمة، وبما أن معظم الصائمين يخرجون بعد شهر رمضان وبطونهم متخمة بوجبات مماثلة، ارتأى المنظمون أن تطبخ «الهريسة» في العيد الكبير، وهكذا كان.
أما السبب الثاني، فهو أن الأهالي اعتادوا تقديم حلويات في عيد الفطر مثل الكنافة وزنود الست، ففضلوا إبقاء هذا الطابع في أكلة العيد الصغير، مع بروز توجه جديد لديهم لتقديم العسل والقشطة في عيد العام المقبل، وخصوصاً أن البلدة تنتج كميات كبيرة من العسل، ما يجعلها تحتل المرتبة الأولى في هذا المجال بين بلدات المنطقة والشمال، ويبرر تمتعها منذ سنوات بلقب «بلدة الشعر والعسل»، إذ إن أهلها إلى جانب تربيتهم النحل يميلون إلى نظم الشعر وإلقائه.

اعترضت نساء البلدة على استثنائهن من المشاركة، فوُعدن خيراً
واستعداداً لطبخ «الهريسة»، جرى شراء 12 دستاً معدنياً من الحجم الكبير بتمويل من الأهالي وجمعية النهضة الخيرية في البلدة، فضلاً عن مكونات الطبخة من لحم وقمح وسمن وبهارات وغيرها، في ظلّ «حرص على مشاركة معظم الأهالي فيها تحفيزاً لهم على حسّ المشاركة الجماعية، بموازاة رفضنا تبرّع شخص ما أو عدة أشخاص بكامل التكلفة لهذا السبب»، حسب ما يشدد شادي ديب، أحد المشاركين في الحملة.
تكلفة إعداد «الهريسة»، بهذه الكمية، تراوحت بين 1200 ـــــ 1300 دولار، وهي تشمل شراء نحو 70 كيلوغراماً من القمح، وخروف سمين يزن بين 80 ـــــ 85 كيلوغراماً، ونحو 30 كيلوغراماً من السمن البلدي، وقرابة 15 كيلوغراماً من البصل، إضافة إلى كيلو من البهارات والتوابل.
ما يزيد على 30 شاباً شاركوا في الإعداد، إضافة إلى بعض كبار السنّ الذين يملكون خبرة، الأمر الذي دفع نساءً في البلدة إلى الاعتراض على استثنائهن، فوُعدن خيراً، على أن يشاركن في طبخ الهريسة العام المقبل.
الاستعدادات الفعلية لطبخ «الهريسة» بدأت قبل 24 ساعة من صلاة عيد الأضحى، حيث سُلق اللحم على حدة، ثم أوقدت نار الحطب تحت القدور التي ملئت بالماء ابتداءً من العاشرة ليلاً تقريباً، وما إن غلت حتى وُضع القمح داخل القدور وبُدئ بتحريكها بعصا خشبية لساعات عدة، قبل أن تضاف إليها قطع اللحم والسمن والبصل والبهارات.
الطبخة تكون جاهزة عند موعد خروج المصلين من المسجد (يقدّرون بنحو 550 شخصاً)، فيبدأون في تناولها بعد أن تُسكب لهم في صحون توضع على طاولات ترصف في الهواء الطلق، في إشارة إلى بدء الاحتفال بعيد الأضحى. أما إذا بقي في القدور كميات منها، فتوضع في عبوات وتوزع على بيوت البلدة، ليتناولها من لم يتسنّ له الحضور والمشاركة، وتحديداً النساء والمرضى والعجزة.
في تلك الليلة، لا يغمض جفن للمشرفين على عملية طبخ «الهريسة»، إضافة إلى آخرين ينضمون إليهم في ساحة مسجد البلدة، حيث يقضون ليلة العيد وهم يتسامرون ويضحكون وينكتون ويدخنون الأركيلة، فضلاً عن شربهم القهوة أو الشاي.
»الهريسة» التي تُعَدّ أكلة شعبية تُطبَخ في عيد السيّدة عند المسيحيين، وكذلك في عيد البربارة، وفي ذكرى عاشوراء لدى الشيعة، أضحت لدى أهالي بيت الفقس والمنطقة ذات الغالبية السنّّية تقليداً دائماً في المناسبات، فضلاً عن أن المشاركة فيها، وفق شادي ديب، «يلغي الخلافات السياسية أو العائلية، إذ يشارك في إعدادها شبان من معظم عائلات البلدة وتيّاراتها السياسية».