لأن القضاء ليس بخير، ولأن الغيوم السود قد ملأت سماء العدالة، أُطلق أمس دليل قانوني وأخلاقي موجّه إلى القضاة. وضع الكتيّب في متناول أهل السلطة القضائية، وهم العارفون بمحتوياته مسبقاً، ليبقى السؤال... هل يلتزمون جميعاً بما فيه، ويُعاقب المخالف منهم؟ أم يبقى حبراً على ورق؟


محمد نزال
«إن مجلس القضاء الأعلى يخشى أن تحمل رياح الغرور بعض القضاة إلى صحارى مُضلّة، إلى طرق تضيع فيها إشارات المرور ومسالك العبور. يخشى فلتاناً من قانون الجاذبية، فيُغرينا اللقب والمركز وإطراءات المجتمع... فنكاد نطير». هكذا، بكلمات أشبه بخاطرة وجدانية، تحدث رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي غالب غانم، أمس، في حفل إطلاق كتيّب «الدليل إلى واجبات القضاة وأخلاقياتهم» في معهد الدروس القضائية ـــــ الأشرفية. لم يعد جديداً القول بأن القضاء في لبنان ليس في أحسن أحواله، وإن كان بالإمكان القول أكثر من ذلك في بعض الأحيان، غير أن اللافت في المسؤولين القضائيين أنهم يُدركون هذا الواقع، ويعلنونه صراحة منذ أمد بعيد، لكن مع ذلك يبقى الأمر على ما هو عليه من دون إصلاح يُذكر، حتى يُخيّل للمتابع أن مشاكل المرفق القضائي «عصية على الحل عصيان الأزمات السياسية على الحلول في لبنان».
إذاً، انطلاقاً من إدراك المسؤولين لهذا الواقع، أُطلق أمس كتيّب يتضمن نصوصاً قانونية وقواعد معتمدة حول واجبات القضاة وأخلاقياتهم، يتألف من 23 صفحة من القطع الوسط ومُقسّم إلى قسمين. يتناول القسم الأول النصوص القانونية المستقاة من الدستور ومن أنظمة وقوانين كل من: القضاء العدلي، مجلس شورى الدولة، ديوان المحاسبة، منصب الشرف في القضاء، الموجبات والعقود، أصول المحاكمات الجزائية، أصول المحاكمات المدنية، العقوبات والموظفين. أما القسم الثاني من الكتيّب الذي قدّم له القاضي غالب غانم، فتناول الأحكام المستخرجة من «وثيقة القواعد الأساسية لأخلاقيات القضاء» الصادرة قبل نحو 5 سنوات، والتي تتحدث عن 8 قواعد، هي: الاستقلال، التجرّد، النزاهة، موجب التحفظ، الشجاعة الأدبية، التواضع، الصدق والشرف، الأهلية والنشاط.
أُنجز هذا العمل ليكون في متناول جميع القضاة، علماً أنه يفترض بهؤلاء أن يكونوا ملمّين أصلاً بكل ما يحتويه من نصوص قانونية وقواعد أخلاقية، وبالتالي يبرز السؤال عن الغاية منه والحال كذلك. عن هذا السؤال، أجاب عنه رئيس مجلس شورى الدولة، القاضي شكري صادر بأسلوب رومانسي: «إذا كنت تحب أحداً، ألا ترى أن من المناسب أن تذكره بين الحين والآخر بهذا الحب، من خلال كلمة أحبك؟ هذا هو المبدأ الذي صدر الكتيب لأجله»، مشيراً في حديث مع «الأخبار» إلى ضرورة أن يضع كل قاض هذا الكتيب تحت وسادته، فيقرأه بين الحين والآخر ليكون بمثابة «فحص ضمير».
من بين الكلمات التي ألقيت أثناء الحفل، تميّزت كلمة القاضي غالب غانم بفصاحة وبلاغة أدبية لافتة، إذ إنه، على حد قوله، تعمّد إضفاء طابع الخاطرة عليها، فراعت كلماته انتباه الحاضرين حيث بدت الدهشة على وجوه البعض منهم، والاستمتاع الأدبي على وجوه البعض الآخر. ومما جاء في كلمة غانم: «ماذا؟ أيها القاضي. أتكون من المختارين لتبوّؤ هذا المنصب الخطير، وتتكبل أو تتحيّز أو تتوسل أو تترسّل أو تتردد أو تتكابر أو تتبذل أو تتكاسل؟ في الدليل النص أنت أمام حساب القانون، وفي الدليل النفسي أنت أمام حساب الضمير. في الدليل النص أنت في ظلال القاعدة البشرية، وفي الدليل النفسي أنت في ظلال الله»، داعياً القضاة إلى عدم الغرور، لأن «مَن رجلاه على الأرض من أصحاب الزمام هو أجدى للناس من المتشامخ تشامخاً على فراغ، فملأى السنابل تنحني بتواضع والفارغات رؤوسهن شوامخ»، خاتماً بالقول: «إن قولة نعم لقوي، إذا كان على ضلال، هي حمل ثقيل هيهات أن تتحرروا منه. وإن قولة لا لضعيف، إذا كان على حق، هي حمل أثقل وجرم أفدح. سددوا الرمايات، وأنصفوا، وعاندوا ولا تخافوا».
حضرت الحفل نقيبة المحامين في بيروت أمل حداد، وألقت كلمة لم تكن أقل فصاحة وبلاغة من كلمة غانم، حتى أن بعض الحاضرين قال ممازحاً «يبدو أن الريس والنقيبة قد قررا مغازلة بعضهما والقضاة معهما». غير أن كلمة حداد لم تتضمن غزلاً بقدر ما تضمنت قرعاً لناقوس الخطر لناحية «القضاء الذي هجرت بعضه العافية». ففي كلمتها التي كان عنوانها «أنصفوا الناس من أنفسكم»، توجهت حداد إلى القاضي غانم بالقول: «رجوناك أيها الرئيس الأول، رجوناك يا هيئة التفتيش القضائي، أن تصدّقونا، ونحن إليكم أقرب من حبل الوريد، بأنّ القضاء ليس في خير، وقد استوطنت في أوصاله الرخاوة والترهّل. فعبثاً نخفي العلل التي تتهددنا، فيما هي تنخر في أحشائنا والجوارح، وفيما هي تتفشى وتنتشر وتزدهر وتتكاثر وتتناسل». أشادت حداد ببعض القضاة الذين «بالدماثة جبلوا وبالكياسة فطروا وبمحامد الأخلاق عجنوا»، غير أنها قرّعت الصنف الآخر منهم، من القضاة الذين «توهّموا أنفسهم أولياء وأرباباً، وحسبوا ذواتهم فراعنة يحيق بهم من كل جانب جلاوزة وشُرط». وختمت حداد بالتوجه إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى بالقول: «قولوا لقضاتكم، لقضاتنا، لقضاة لبنان، والسيف في يدكم وفوق رؤوس المرتكبين منهم مُصلت، قولوا لهم بالصراحة نفسها التي خاطبتموهم بها في كتابكم، أنصفوا الناس من أنفسكم، ولا تعوقوا الحق بالظلم، ولا تستحلّوا السُحت بالإهداء».
من جهة ثانية، أوضح معدّ الكتيّب ـــــ الدليل، القاضي غبريال سرياني، أن النصوص التشريعية في لبنان تنص على واجبات


غانم للقضاة: ملأى السنابل تنحني بتواضع والفارغات رؤوسهن شوامخ
القضاة وأخلاقياتهم، لكن تسهيلاً للاهتداء بها وُضع هذا الدليل، بدلاً من العمل على استصدار قوانين خاصة بأخلاقيات القضاء، أسوة ببعض البلدان المختلف الوضع فيها عن الوضع في لبنان. ولفت سرياني إلى أنه «لا يجوز في هذا الخصوص ترك الأمر لضمير القاضي ولمعتقده الديني أو الفلسفي فقط، بل يقتضي تنظيماً للأوضاع وضبطاً لها إلى جانب تعيين شروط تولّي القضاء وتحديد واجبات القاضي بنصوص تشريعية ووثائق رسمية، تكون المرجع للقاضي في أداء مهماته وللسلطة المختصة في ممارستها الرقابة والمساءلة عند الاقتضاء».
بدوره، رأى رئيس معهد الدروس القضائية، القاضي سامي منصور، أن «افتقاد الدولة استقلال السلطة القضائية هو فقد لأحد مكوناتها الرئيسية، فتكون دولة منقوصة وغير متوازنة، وإن افتقاد القاضي إلى أحد تلك المفاهيم والقواعد التي كرستها وثيقة الأخلاقيات القضائية عام 2005، هو فقد لأحد مكوناته الأساسية، فلا يعود قاضياً بل يصبح شبحاً يخاف منه الناس ويتجنبه المتقاضون»، لافتاً إلى أن تقنين تلك القواعد في واجبات القاضي وأخلاقياته بوثيقة، ودرسها وتحليلها في دليل، يمثّلان ضابطاً لها ومقياساً يعتمده كل قاض لمعرفة درجة التزامه بالمعايير التي تقوم عليها السلطة القضائية، فالوثيقة والدليل هما المنارة التي يتوجه بها قاض ليصل الى بر الأمان، فلا يكون هناك قاض في الجنة وقاضيان في النار.


قرص الـ «USAID» وعرس القضاء

بات لـ«الوكالة الأميركية للتنمية الدولية» (USAID) قرص في كل عرس قضائي في لبنان. فبعد الجهد المشكور، من جانب المسؤولين القضائيين، للوكالة على دورها في إعادة ترميم معهد الدروس القضائية وتطويره، وقبل ذلك في ورشة بناء «المحكمة النموذجية» في دائرة تنفيذ بيروت، وغيرها من المشاريع والأنشطة، تقدّم المسؤولون القضائيون من الوكالة مجدداً، أمس، بالشكر على «فضلها في إصدار كتيّب الدليل إلى واجبات القضاء وأخلاقياتهم»، المندرج ضمن مشروع «تقوية القضاء ووصول المواطن إلى العدالة في لبنان». بعض المتابعين للشؤون القضائية استغربوا كيف لا يكون بإمكان القضاء إعداد كتيب بسيط، وطبعه ونشره إلا بدعم من الوكالة الأميركية، بحيث وضع شعار الوكالة على الغلاف بحجم أكبر من حجم وزارة العدل اللبنانية. مسؤول قضائي بارز علّق على الموضوع في حديث مع «الأخبار» قائلاً: «ما فيها شي، أصلاً ليس لدينا مال كاف، من أين لنا أن نأتي به، ونعم، أحياناً لا نستطيع طباعة كتيّب، مش مشكلة يدعمونا، ولا داعي للمزايدة على بعضنا البعض في هذا الموضوع»