استهلاك [2/2]


ضحى شمس
... ولأنّ النظر يشحّ، فالكبر عبر كما يقال، دخلت أحد دكاكين بيع الهواتف الخلوية في طرابلس، لأشتري واحداً بدل الجهاز الصغير و«المتخلّف» الذي معي. قلت للبائع الشاب خلف الكونتوار: «بدّي تلفون شاشتو وحروفو كبيرة». فسألني: «شو بتريدي معو أوبشن (وظائف، زوائد)؟» أجبته بكل ثقة: «ولا شي. بدّي تلفون بيتلفن». ضحك الشاب لبساطتي، وقال لي: «مدام كلّن بيتلفنو. بس في أوبشن: يعني هيدا معو كاميرا، هيدا معو بلوتوث، هيدا بتركّبي عليه الآي بود، إضافةً إلى الكاميرا والفيديو، وكمان بيجيب راديو. هيدا في عليه كومبيوتر ويو اس بي...». نظرت إليه بثقة مرة أخرى وقلت بهدوء ومع ابتسامة عريضة: «أعرف أن لديك كل هذا، ما أردت قوله أن تعطيني تلفوناً فيه أقل قدر ممكن من الأوبشن لأنها لا تلزمني. التلفون هو المهم بالنسبة إليّ زائداً ربما سعة التخزين». احتار الشاب الصغير: «بس مستحيل مدام، كيف بدي قلّك؟ إنو ما بقى في تلفون بس بيتلفن، كلن فيهن كاميرات.. ما بتفضلي تاخدي تلفون فيه كاميرا؟ إلا ما تعوزيها». أجبته: «... عندي كاميرتان بدل الواحدة. واحدة ديجيتال، والثانية روسية قديمة من ماركة زينيت، إضافةً إلى ثالثة بولارويد». «بولارويد؟» سأل، ثم أضاف حين شرحت لها أنها تظهر فوراً «آه، متل كاميرا مصوّر المنشية؟ (أي الحديقة العامة). ثم قال: «آني واي، كلن فيهن كاميرا، وفيديو كمان». قلت له: «عندي فيديو، ودي في دي وطبعاً عندي منبّه ومسجلة للموسيقى». يخرج جهازاً جميلاً ويشرح كأنه لم يسمع ما قلته أعلاه: «هاي حروفها كبار وفيها كاميرا وفيديو وفيكي تستعمليها للموسيقى ام بي تري إذا عم تعملي جوغينغ»... ينظر إليّ فيراني «مبلمة»، فيستطرد: «ما بعرف. إلا ما يكون ناقصك شي منن؟»، فأجبته بعد لحظة صمت: «مبلى، ناقصني جلاية صحون، عندك نوكيا بجلاية؟».
كاميرا
وعلى ذكر الكاميرات وآلات التصوير، تقول غادة، صديقتي وجارتي، وهي تتعاطى الإنتاج والتصوير، تقول تعليقاً على مقالة أمس وكثرة استهلاكنا لآلات لا حاجة لنا بها، إن لديها اليوم في البيت ثلاثة أنواع من آلات التصوير، وثلاثة أجهزة كومبيوتر، لكنها تقول مضيفة بحنين، إنها اشتاقت إلى الصور التي كنا نلتقطها أيام زمان. وتسألني: أتذكرين كيف كنا نضع الفيلم النيجاتيف؟ وثم نلتقط الصور، ثم كان علينا أن نذهب الى استديو التصوير كي يحمّضها لنا، وكان علينا انتظار وقت قبل المرور عليه مرةً أخرى لتسلّمها. وإن أردنا تكبير واحدة، نخرج الفيلم السلبي ونختار الصورة، ثم نضع الصورة الأجمل والأعز علينا في إطار، ثم نختار مكاناً لها في غرفة النوم أو الصالون، حسب... كانت كل خطوة بحاجة إلى جهد خاص ومع ذلك، كنا نظهّر الصور. وكنا نؤرشفها، ونحتفي بها ونضعها في ألبومات خاصة، نعود إليها بين الفينة والأخرى مع أصدقاء كانوا معنا يومها، أو أولاد لم يكونوا قد ولدوا بعد. وتقول إن لديها اليوم في كاميراتها الثلاث الديجيتال في البيت آلاف الصور المخزّنة لها وأسرتها، وفي مناسبات عديدة وجميلة وبعضها أصبح عزيز المنال، ولكنها للمفارقة لم تظهّر أياً منها، ولم تضع أياً منها في إطار. لا بل إنها حتى لم تفرغها في الكومبيوتر لتحفظها، وإن فعلت أحياناً، فإنها تنساها في ملفاتها. تشرب غادة من قنينة البيرة أمامها، ثم تقول بكل لطفها الأشقر: «عن جد. نحنا جيل مجلوق».
هل نحن كذلك؟ أم أن أشياء الحياة الجميلة لم يعد لها قيمة في عالم يمطرنا بالسلع الجديدة كل يوم؟ سلع لا يبرر وجودها إلا ربح من يصنعها. ما الذي يبرّر الأسعار المرتفعة لأجهزة مخترعة منذ خمسين أو ستين سنة ومستهلكة من جانب ملايين البشر في الكرة الأرضية ويومياً؟ لا شيء إلا الجدة. وأمور طفيفة أخرى من نوع اللون والأوبشن... إلخ. ما يدهشنا اليوم لم يعد اختراع البراد مثلاً، بل لونه وشكله. براد أحمر ومربع أو دائري مثلاً، سيدهشنا لا شك، أكثر من الاختراع نفسه الذي حلّ مشكلة حقيقية لأهلنا. هل هذا شيء جيد؟ لا أعرف. لكن المشكلة الكبرى والحقيقية أن إيقاع حياتنا لم يعد يترك لنا أصلاً وقتاً للتفكير في كل هذا، في كل ما نفعله، وقتاً لإبصار الأشياء التي أصبحنا نمر بها كما تمر سيارة مسرعة بمشاهد خلّابة، لا تملك الوقت للتوقف عندها. الوقت لا شك أصبح مشكلة، لكن المشكلة الأكبر حين نعرف أن هذه السيارة المسرعة، لا تعرف أصلاً الى أين هي مسرعة؟ ولِمَ هي مسرعة؟ كما أنها، ككل المستهلكين، سائرة بقوة الدفع الذاتي لعالم بكامله مسوق إلى الاستهلاك. أمّا الأهم، فهو أننا لا نعرف كيف نتوقّف.